حين سُرقت "اللعبة الجميلة": تحوّلات كرة القدم من نضال العمال إلى هيمنة "الكازينو"
تحوّل كرة القدم التاريخي من إرث نضالي للفقراء إلى صناعة رأسمالية تحكمها المراهنات وازدواجية المعايير، وسط محاولات مستمرة لاستعادة روحها المسلوبة.
-
أبرز ما تفتقده الكرة اليوم هو اللاعب المثقف الذي يدرك دوره الاجتماعي
في مكان ما من ذاكرتنا الجماعية، لا تزال تلك الصورة حيّة: أطفال يركضون خلف كرة متهالكة في زقاق ضيّق، عمال يغسلون غبار المصانع في مدرّجات إسمنتية، وصوت هدير الجماهير الذي يشبه صلاة جماعية لا تفرّق بين غني وفقير. لم تكن كرة القدم، في جوهر نشأتها أواخر القرن التاسع عشر، مجرّد رياضة تتنافس فيها الفرق داخل المستطيل الأخضر؛ بل كانت، وفقاً للأبحاث التاريخية التي توثّق تلك الحقبة، مرآةً عاكسةً للتحوّلات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية الكبرى.
سلكت كرة القدم مساراً متعرّجاً، فكّكت فيها الرحلة من "ديمقراطية سقراطس" في البرازيل وتمرّد مارادونا ضدّ الإمبريالية، وصولاً إلى الحقبة المعاصرة حيث تحوّل اللاعب إلى "أصل مالي" والمشجّع إلى "مستهلك"، في ظلّ نظام تحكمه المصالح التجارية وازدواجية المعايير.
الجذور المنسية.. الكرة كإرث نقابي
-
أندية عملاقة مثل ليفربول ومانشستر يونايتد (نيوتن هيث سابقاً) وأرسنال لم تولد كشركات استثمارية
قبل أن تبتلع أمواج العولمة والرأسمالية المتوحّشة روح اللعبة، كانت كرة القدم لغة الفقراء وصوت من لا صوت لهم. وتكشف المراجع التاريخية التي تتبع جذور الأندية الإنكليزية، مثل دراسات "Jacobin" حول تاريخ الطبقة العاملة، أنّ أندية عملاقة اليوم مثل ليفربول، ومانشستر يونايتد (نيوتن هيث سابقاً)، وأرسنال، لم تولد كشركات استثمارية، بل خرجت من رحم تجمّعات عمال الموانئ، والسكك الحديدية، ومصانع التسليح.
في تلك الحقبة، وتحديداً في المناطق الصناعية، لم تكن الملاعب مجرّد أماكن للمشاهدة، بل كانت مساحات للتعبير عن "هوية الطبقة العاملة" وملاذاً من انضباط المصانع الصارم. كانت المدرّجات تمثّل بحراً من التضامن الطبقي في مواجهة النخبة الأرستقراطية التي حاولت في البداية احتكار الرياضة عبر المدارس العامّة، لكنّ الجماهير استعادتها وحوّلتها إلى ثقافتها الخاصة.
"ديمقراطية الملاعب".. حين كان اللاعب مفكّراً
-
تجمع الصورة لاعب كرة القدم البرازيلي سوكراتيس مع الرئيس البرازيلي الحالي لولا دا سيلفا (أرشيف - 1985)
لعلّ أبرز ما تفتقده الكرة اليوم هو "اللاعب المثقف" الذي يدرك دوره الاجتماعي. وتوثّق السجلات البرازيلية تجربة فريدة في هذا الصدد تُعرف بـ "ديمقراطية كورينثيانز" مطلع الثمانينيات. ففي الوقت الذي كانت فيه البرازيل ترزح تحت حكم عسكري ديكتاتوري، قاد "اللاعب الفيلسوف" سقراطيس حركة تمرّد داخلي حوّلت نادي كورينثيانز إلى واحة للديمقراطية المباشرة.
في هذه التجربة ألغى اللاعبون التراتبية الإدارية، وقرّروا إدارة شؤون الفريق عبر التصويت الجماعي بالأيدي. لقد كانت المساواة مطلقة، حيث كان صوت سقراطيس النجم الدولي يساوي تماماً صوت عامل غرف الملابس في اتخاذ القرارات المصيرية، بدءاً من مواعيد التدريب وصولاً إلى التعاقدات الجديدة وتوزيع المكافآت.
لم يكتفِ الفريق بذلك، بل انخرط في العمل السياسي الوطني. وتؤكّد الأرشيفات الفوتوغرافية لتلك الفترة نزول الفريق إلى الملعب بقمصان تحمل شعارات مثل "أريد أن أصوّت للرئيس"، وانخراطهم في حركة "Diretas Já" (الانتخابات المباشرة الآن). لقد أثبتت هذه التجربة تاريخياً أنّ اللاعب يمكن أن يكون "مثقفاً عضوياً" يقود التغيير، وأنّ النادي يمكن أن يكون نموذجاً للدولة المنشودة.
وعلى الضفة الأخرى، كان دييغو مارادونا يجسّد "تمرّد الجنوب"، حيث لم تكن مباراة الأرجنتين وإنكلترا في كأس العالم 1986 مجرّد تنافس رياضي، بل "انتقاماً" لحرب المالفيناس. لقد تحوّل مارادونا في نابولي إلى "قديس علماني" لأنه انتصر لفقراء الجنوب الإيطالي ضدّ عنصرية الشمال الصناعي، معلناً مواقف سياسية صريحة ضدّ السياسات الأميركية ودعماً للقضية الفلسطينية.
الانقلاب الهيكلي.. هندسة "الكرة الحديثة"
-
نجوم الدوري الإنكليزي الممتاز في العام 1992
السؤال الذي يمكن طرحه: متى انكسرت هذه الروح؟ تشير البيانات الاقتصادية بوضوح إلى مطلع التسعينيات كنقطة تحوّل فاصلة. ففي عام 1992، تمّ تأسيس الدوري الإنكليزي الممتاز (Premier League) كشركة تجارية منفصلة، مدفوعة بصفقة بثّ تلفزيوني تاريخية مع شبكة "BSkyB" المملوكة لروبرت مردوخ.
تظهر جداول العائدات المالية في الأرشيف الاقتصادي للدوري الإنكليزي قفزة مهولة في قيمة الحقوق: من 304 ملايين جنيه إسترليني في الفترة (1992-1997)، لتصل إلى رقم فلكي بلغ 6.7 مليارات جنيه إسترليني في صفقة (2025-2029). هذا التدفّق المالي حول الأندية إلى مؤسسات ربحية، وأدى إلى "Gentrification" أو "الاستطباق" للملاعب، حيث استُبدل الجمهور العامل بجمهور قادر على دفع أسعار تذاكر باهظة، وفي علم الاجتماع يعبّر هذا المصطلح عن تحويل الأحياء الفقيرة إلى أحياء راقية، مما يؤدّي إلى تهجير سكانها الأصليين لعدم قدرتهم على تحمّل تكاليف المعيشة الجديدة.
اقرأ أيضًا.. المراهنات على كرة القدم: من تسلية عابرة إلى تطبيع مقنّع مع الاحتلال
وتزامناً مع ذلك، جاء حكم "بوسمان" في العام 1995، الذي أصدرته محكمة العدل الأوروبية. وعلى الرغم من أنّ ظاهره كان حرية انتقال اللاعبين، إلّا أنّ التحليلات الاقتصادية اللاحقة أثبتت أنه أدّى إلى تضخّم الرواتب، وصعود طبقة "الوكلاء الكبار" (Super Agents) الذين باتوا يقتطعون مئات الملايين من اللعبة، كما دمّر تنافسية الدوريات الصغرى التي تحوّلت إلى "مزارع تفريخ" لخدمة الأندية الغنية.
ولعلّ أخطر ما في هذا التحوّل هو "تسليع" اللاعب. وتعدّ حادثة نهائي كأس العالم 1998 مثالاً مرعباً على ذلك. حيث تشير التقارير والتحقيقات البرلمانية التي جرت في البرازيل لاحقاً، إلى الجدل المحيط بإجبار النجم "رونالدو" على اللعب رغم تعرّضه لنوبة تشنّج، وذلك بضغط مزعوم من عقد الرعاية الضخم مع شركة "نايكي"، مما يكشف مدى تغلغل المصالح التجارية في القرارات الفنية والمصيرية.
اقتصاديات "القمار" والغسيل الرياضي
-
تحمل قمصان 11 نادياً من أصل 20 في الدوري الإنكليزي الممتاز شعارات شركات مراهنات
في العقدين الأخيرين، تجاوزت كرة القدم مرحلة "البزنس" لتدخل في ما يمكن وصفه بـ "الانحطاط الأخلاقي". يكفي أن نلقي نظرة على إحصائيات الدوري الإنكليزي لموسم 2024-2025، لنجد أنّ 11 نادياً من أصل 20 (أي 55% من الدوري) يحملون شعارات شركات مراهنات على واجهة قمصانهم.
هذه الشركات تضخّ ما يقرب من 60 مليون جنيه إسترليني سنوياً، مما يضع الأندية في حال "إدمان مالي". وتتجلّى المفارقة الأخلاقية، كما تشير تقارير الصحافة الإنكليزية، في قضية لاعبين مثل إيفان توني وساندرو تونالي. فقد تمّ إيقاف توني لـ 8 أشهر، وتونالي لـ 10 أشهر بسبب المراهنات، على الرغم من اعتراف وكيل أعمال تونالي بمعاناته من "إدمان القمار" كمرض. إنّ النظام يعاقب الأفراد ويشهر بهم، بينما يواصل جني المليارات من الترويج للشركات نفسها التي صنعت هذا الداء.
سقوط أسطورة "الحياد السياسي"
-
تمّت معاقبة لاعبين مثل أنور الغازي ويوسف عطال لمجرّد إبداء التعاطف مع فلسطين
لطالما تذرّعت الفيفا واليويفا بمبدأ "الحياد السياسي" لمنع الشعارات في الملاعب. لكنّ الأحداث الجيوسياسية الأخيرة كشفت عن انتقائية فاضحة. وبمقارنة الاستجابة المؤسسية تجاه الحرب الروسية الأوكرانية وحرب غزة، تتضح الصورة؛ سرعة ردّ الفعل إذ تُظهر التواريخ الرسمية أنّ الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) والاتحاد الأوروبي لكرة القدم (يويفا) أصدرتا حظراً شاملاً على روسيا بعد 4 أيام فقط من بدء العملية الروسية الخاصة في أوكرانيا. بينما في حال حرب غزة، وعلى الرغم من مرور أشهر لا بل عامين وتدمير البنية الرياضية، لم تتخذ أيّ إجراءات، بل تمّ تجاهل تقارير انتهاك الاحتلال الإسرائيلي للميثاق الأولمبي.
اقرأ أيضًا.. المجزرة الصامتة.. أرقام صادمة لخسائر الرياضة الفلسطينية في ظل العدوان المتواصل
إضافة إلى سرعة ردّ الفعل، في إنّ "حرية التعبير" فيما يخصّ فلسطين اختلفت عما يخصّ أوكرانيا، بحيث سُمح برفع الأعلام الأوكرانية وشارات التضامن، بينما، تمّت معاقبة لاعبين مثل أنور الغازي ويوسف عطال لمجرّد إبداء التعاطف مع فلسطين.
هل من أمل؟ نماذج المقاومة
وسط هذا المشهد القاتم، ترصد التقارير الميدانية جيوباً للمقاومة. ففي اسكتلندا، تقدّم جماهير "سلتيك" وتحديداً "الكتيبة الخضراء" نموذجاً ملهماً. فبعد تغريمهم من "اليويفا" لرفع أعلام فلسطين، أطلقوا حملة تبرعات جمعت أكثر من 176,000 جنيه إسترليني لجمعيات خيرية فلسطينية، محوّلين العقوبة إلى فعل تضامني.
وعلى الصعيد الهيكلي، يظلّ الدوري الألماني (Bundesliga) الاستثناء الأبرز عالمياً بفضل قاعدة "50+1". وتنصّ هذه القاعدة، وفقاً للوائح الاتحاد الألماني، على أنّ النادي يجب أن يمتلك 50% من الأسهم زائداً سهماً واحداً، مما يمنع المستثمرين التجاريين من السيطرة المنفردة. هذا النظام هو ما حافظ على أسعار التذاكر المنخفضة والهوية المجتمعية للأندية الألمانية.
شاهد.. جماهير أول بويز الأرجنتيني ترفع "تابوت إسرائيل" وتلوّح بأعلام فلسطين وإيران
كما أثبتت تجارب "أندية العنقاء" في إنكلترا، مثل (AFC Wimbledon) و(FC United of Manchester)، أنّ الجماهير قادرة على تأسيس أنديتها الخاصة وإدارتها بنجاح بعد أن سُرقت أنديتهم الأصلية أو أُغرقت بالديون، مقدّمين دليلاً ملموساً على أنّ الملكية الجماهيرية ليست حلماً مستحيلاً.
إنّ الغوص في أوراق كرة القدم وتاريخها يؤكّد لنا حقيقة واحدة: اللعبة تعيش صراعاً وجودياً. لقد نجحت الرأسمالية الرياضية في تدجين "الوحش الجميل"، محوّلةً إياه من ساحة للنضال إلى منصة للإعلانات والمراهنات.
إنّ المعركة اليوم، كما تظهرها وقائع المقاومة في المدرّجات، ليست مجرّد معركة رياضية، بل هي جزء من صراع أوسع لاستعادة المساحات العامّة من قبضة التسليع. وكما قال سقراطيس يوماً "كرة القدم تُلعب بالعقل"، فإنّ إنقاذها اليوم يتطلّب إرادة جماعية ترفض أن تكون مجرّد "زبائن" في متجر كبير، وتصرّ على أن تظلّ "الروح" هي العنوان الأوحد لهذه اللعبة.