"رأس المال الرياضي" في قبضة "المجمع الاستخباري": كيف يموّل نجوم الـ NBA التكنولوجيا العسكرية الإسرائيلية؟
نجوم الـNBA يموّلون شركات استخبارات إسرائيلية مرتبطة بالوحدة 8200، محوّلين رأس المال الرياضي إلى غطاء لتقنيات القمع والاحتلال الرقمي والإبادة الجماعية.
-
تحول رأس المال الرياضي إلى درع سمعة يحمي تقنيات المراقبة والاحتلال من التدقيق الأخلاقي ويسهم في تمويل آلة الحرب
في الوقت الذي تصدح فيه حناجر الجماهير في الملاعب الأميركية بهتافات العدالة الاجتماعية، وتنشغل منصات التواصل الاجتماعي بمواقف نجوم الرياضة ضد العنصرية، تتدفق في الخفاء مئات الملايين من الدولارات عبر قنوات استثمارية معقدة لتستقر في قلب واحدة من أكثر المنظومات العسكرية إثارة للجدل في العالم.
فلم يعد النجم الرياضي مجرد وجه إعلاني لشركات الأحذية؛ بل تحول إلى "مستثمر مؤسسي" يمنح شرعية ثقافية وقوة مالية لشركات تكنولوجية إسرائيلية ناشئة، أسسها ويديرها ضباط مخضرمون من وحدات الاستخبارات السيبرانية (الوحدة 8200، الوحدة 81، ومامرام).
الغوص في ملفات شركة "Penny Jar Capital" التابعة لستيفن كاري لاعب كرة السلة المحترف وواحد من نجوم NBA، و"35 Ventures" التابعة لكيفن ديورانت، وغيره، يكشف كيف يتحول "رأس المال الرياضي" إلى "درع سمعة" يحمي تقنيات المراقبة والاحتلال من التدقيق الأخلاقي، ويسهم في تمويل آلة الحرب الرقمية.
الوسيط والمؤسس المحارب: هندسة "الدرع الثقافي"
-
برز قطاع التكنولوجيا الإسرائيلي المعروف بـأمة الشركات الناشئة كهدف رئيسي نظراً لارتباطه العضوي بـوادي السيليكون
شهد العقد الماضي تحولاً جذرياً في السلوك الاقتصادي للرياضيين المحترفين، حيث انتقلوا من الرعاية التقليدية إلى الملكية المباشرة عبر صناديق رأس المال المخاطر. وقد برز قطاع التكنولوجيا الإسرائيلي، المعروف بـ "أمة الشركات الناشئة"، كهدف رئيسي نظراً لارتباطه العضوي بـ"وادي السيليكون".
لكن هذا الارتباط لم يكن وليد الصدفة، بل جرت هندسته عبر "وسيط محترف" هو اللاعب الإسرائيلي السابق عمري كاسبي، وهو أول إسرائيلي لعب في NBA.
كاسبي، وعبر صندوقه "Sheva VC"، لعب دور الجسر البشري الذي نقل زملاءه السابقين من غرف الملابس الأميركية إلى مجالس إدارة تل أبيب.
في مؤتمرات "Cybertech"، يروّج كاسبي سردية "المؤسس المحارب"، زاعماً أن ضغط الخدمة العسكرية في وحدات مثل 8200 يمنح "ميزة تنافسية" تماثل ضغط المباريات النهائية. هذه العملية لا تضخ المال فحسب، بل تمنح هذه الشركات "قبولاً سائداً" يعجز المال وحده عن توفيره، ما يسهّل اختراق الأسواق العالمية بعيداً عن وصمة التكنولوجيا العسكرية.
ستيفن كاري في "وكر التجسس": الاستثمار في Zafran وUpwind
-
قاد ستيفن كاري عبر شركته جولة تمويل ضخمة لشركة Zafran Security
تمثل شركة "Penny Jar Capital" التابعة لستيفن كاري رأس الحربة في هذا التوجه الاستثماري المثير للجدل. إذ يكشف الفحص الدقيق لمحفظتها عن تركيز "جراحي" على شركات لا تمثل مجرد ابتكارات تقنية، بل هي "بنات شرعيات" للمجمع الاستخباري والعسكري الإسرائيلي، نُقلت خبراتها من غرف عمليات الاختراق والمراقبة في تل أبيب إلى مراكز البيانات في وادي السيليكون.
حالة Zafran: عندما تموّل "نخبة النخبة" الاستخبارية
-
خبرة ياشار وفريقها لم تأتِ من فراغ بل من سنوات من العمل في مختبر حي هو الأراضي الفلسطينية المحتلة
في مطلع العام 2024، قاد ستيفن كاري عبر شركته جولة تمويل ضخمة لشركة "Zafran Security". إن نظرة واحدة إلى الهيكل القيادي لهذه الشركة تكشف أنها ليست سوى "وحدة عسكرية بزيّ مدني"؛ فالمؤسسون الثلاثة هم خلاصة مجتمع الاستخبارات الإسرائيلي المظلم.
تبرز هنا قصة ساناز ياشار، الرئيسة التنفيذية للشركة، وهي مهاجرة إيرانية انتقلت إلى الكيان الصهيوني لتصبح واحدة من أبرز "أصوله" الاستخبارية. أمضت ياشار 15 عاماً كضابطة رائدة في الوحدة 8200، حيث تخصصت في تحليل التهديدات السيبرانية والعمليات الهجومية.
وبحسب تقارير استقصائية، فإن خبرة ياشار وفريقها (الذي يضم بن سيري، المتخرج في الوحدة 81 السرية، وسنير هافدالا، الضابط المزين في الوحدة 8200) لم تأتِ من فراغ، بل من سنوات من العمل في "مختبر حي" هو الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وتعتبر الوحدة 8200، وفقاً لشهادات جنودها المنشورين في صحيفة "الغارديان"، الأداة الرئيسية في منظومة السيطرة الشاملة؛ حيث تجمع معلومات حميمية عن الفلسطينيين (ميولهم الجنسية، مشاكلهم المالية، علاقاتهم العائلية) لاستخدامها في الابتزاز والتجنيد القسري. إن تقنية "تخفيف المخاطر" التي تبيعها Zafran لمستثمريها، ومنهم كاري، ليست في الحقيقة سوى "الهندسة العكسية" للعقيدة الهجومية الإسرائيلية؛ أي القدرة على تحديد نقاط الضعف في الخصم واستغلالها، وهي مهارة صُقلت عبر عقود من اختراق البنية التحتية المدنية للفلسطينيين.
حالة Upwind: التكنولوجيا في خدمة "المجهود الحربي" والزواج "الصهيوني-التجاري"
-
مؤسس شركة Upwind Security أميرام شاحار هو ضابط سابق في وحدة مامرام
يأخذ استثمار كاري في شركة "Upwind Security" أبعاداً أخلاقية وقانونية أكثر حدة بالنظر إلى التوقيت والسياق. مؤسس الشركة، أميرام شاحار، هو ضابط سابق في وحدة "مامرام" (Mamram)، وهي "مركز الثقل الرقمي" للجيش الإسرائيلي المسؤول عن تشغيل الأنظمة التي تدير بنك الأهداف والقصف الجوي.
ما يجعل هذا الاستثمار "شراكة في الدم" هو الالتزام العلني والميداني لشركة Upwind بدعم العدوان على غزة منذ أكتوبر 2023. لم تكتفِ الشركة بالدعم المعنوي، بل تشير البيانات إلى استدعاء جزء كبير من قوتها العاملة وقياداتها، بمن فيهم خبراء السايبر، للخدمة في "قوات الاحتياط" النشطة أثناء الحرب.
وفي تصريح ينسف أي ادعاء بالحياد التجاري، وصف كبار مسؤولي المنتجات في الشركة (CPO) العمل داخل Upwind بأنه "الزواج المثالي بين الصهيونية والأعمال"، مؤكداً أن التقنيات التي يجري تطويرها تخدم أمن الدولة العبري في المقام الأول. إن أموال ستيفن كاري هنا لا تموّل "تكنولوجيا سحابية" فحسب، بل تضخ السيولة في شركة تعمل كجزء لا يتجزأ من الماكينة الحربية التي تخضع لتحقيقات دولية بتهمة ارتكاب "إبادة جماعية". وبذلك، يتحول النجم الرياضي من ملهم للشباب إلى "شريك صامت" في تمويل منظومة تحول تكنولوجيا القتل إلى أرباح في سوق الأسهم.
شبكة "اليونيكورن" العسكرية: ديورانت، ويليامز، وجيمس.. الاستثمار في "عقيدة الاختراق"
-
انضم ليبرون جيمس إلى هذه الشبكة عبر جولات تمويل شركة Snyk
لا يتحرك ستيفن كاري في فراغ استثماري، بل هو ترس في منظومة أوسع تقودها صناديق استثمارية متخصصة في "تبييض" الخبرات العسكرية وتحويلها إلى مليارات مدنية، وعلى رأسها صندوق "Cyberstarts" وصندوق "Team8". هذه الصناديق لا تكتفي بضخ المال، بل تعمل كحاضنات حصرية للمتخرجين في وحدات النخبة (8200 و81)، حيث توفر لهم "الغطاء المدني" والوصول السريع لثروات نجوم الرياضة الأميركية.
كيفن ديورانت (35 Ventures): تمويل "مافيا الـ 8200"
عبر ذراعه الاستثماري "35 Ventures"، وضع كيفن ديورانت نفسه في قلب "قصة النجاح" الأكثر إثارة للجدل في تل أبيب، وهي شركة "Wiz". أسس هذه الشركة عساف رابابورت وثلاثة من زملائه، وجميعهم من "قدامى المحاربين" في الوحدة 8200. تُعد Wiz اليوم النموذج الأبرز لما يسمى "تحويل الجنود إلى مليونيرات".
لكن استثمار ديورانت يتجاوز الأرقام؛ فقد ضخ أمواله أيضاً في شركة "Rapyd"، التي أصبحت رمزاً للتطرف السياسي في قطاع التكنولوجيا. واجهت Rapyd دعوات مقاطعة دولية حادة بعدما أعلن رئيسها التنفيذي، أريك شيلمان، دعماً غير مشروط لعمليات الجيش الإسرائيلي، بل وطالب بفرض عقوبات على الدول التي تنتقد الحرب، ما كشف عن وجه "التقنية" الذي يعمل كذراع سياسية وعسكرية للكيان الصهيوني.
سيرينا ويليامز (Serena Ventures): من التمكين إلى "التنصت الذكي"
تحت شعارات "التنوع والتمكين"، تقود سيرينا ويليامز محفظة استثمارية تشمل شركة "Gong.io". تعتمد هذه الشركة على تقنيات معالجة اللغات الطبيعية (NLP) والذكاء الاصطناعي لتحليل محادثات المبيعات. إلا أن التدقيق في جذور هذه التكنولوجيا يكشف حقيقة قاتمة؛ فهي مستمدة مباشرة من أنظمة "التعرف على الصوت" و"التحليل الدلالي" التي طورتها الاستخبارات العسكرية لمراقبة ملايين المكالمات الهاتفية للفلسطينيين والعرب بهدف جمع "المعلومات الذهبية" للابتزاز السياسي والأمني. إن سيرينا ويليامز، من حيث تدري أو لا تدري، تسهم في تسويق أدوات كانت بالأمس القريب وسائل قمع عابرة للحدود.
ليبرون جيمس (Main Street Advisors): ترسيخ الهيمنة السيبرانية
انضم ليبرون جيمس إلى هذه الشبكة عبر جولات تمويل شركة "Snyk"، التي أسسها غاي بودغارني، وهو متخرج في الوحدة 8200. يعكس هذا الاستثمار نمطاً متكرراً؛ حيث يتم توجيه "رأس المال الأسود" (بمعنى المال الرياضي الباحث عن عوائد سريعة) نحو شركات يضمن أمنها وارتباطها بالمؤسسة العسكرية الإسرائيلية استقرار نموها.
"المختبر الفلسطيني": من غرف التحقيق إلى "وادي السيليكون"
-
الخوارزميات التي تعتمد عليها شركة "Gong" لتحليل نبرة صوت العميل هي النسخة "المنقحة" من الأنظمة التي تستخدمها الوحدة 8200 لتحديد هوية الفلسطينيين
لفهم الجوهر الأخلاقي لهذه التدفقات المالية، لا بد من استحضار ما يطرحه الصحافي الاستقصائي، الأسترالي-الألماني أنطوني لوينشتاين في كتابه "المختبر الفلسطيني"؛ حيث يؤكد أن "إسرائيل" حوّلت الاحتلال إلى "نموذج أعمال" تصديري. الأراضي المحتلة ليست مجرد رقعة جغرافية، بل هي حقل تجارب حيّ لتقنيات المراقبة التي تُصقل "بدماء الفلسطينيين" قبل تغليفها في قوالب مدنية جذابة.
التشابه البنيوي
إن الخوارزميات التي تعتمد عليها شركة "Gong" لتحليل نبرة صوت العميل هي النسخة "المنقحة" من الأنظمة التي تستخدمها الوحدة 8200 لتحديد هوية المتظاهرين أو "المشتبه بهم" عبر التنصت.
عقيدة "لافندر" و"الذئب الأحمر"
تعتمد شركات مثل "Wiz" و"Upwind" على ذات المنطق البرمجي لأنظمة الذكاء الاصطناعي العسكرية مثل "Lavender" (المستخدم لتحديد آلاف الأهداف للقصف العشوائي في غزة) ونظام "Red Wolf" (الذي يستخدم التعرف على الوجوه لخنق الحركة في الخليل والقدس).
في المحصلة، يجد المستثمر الرياضي نفسه متورطاً في عملية "غسيل تقني" (Tech-Washing) كبرى؛ حيث تُستخدم شهرته ومكانته الأخلاقية لتحويل "أدوات القمع" إلى "منتجات استثمارية"، ما يمنح شرعية عالمية لتقنيات وُلدت في أقبية الاستخبارات ونمت على حساب حقوق الإنسان الفلسطيني. هؤلاء النجوم، الذين غالباً ما يرفضون الظلم في بلادهم، يمولون في الواقع "البنية التحتية" للظلم في بلادنا.
التناقض القيمي والمآلات القانونية: أين الأخلاق الرياضية؟
-
الشراكة بين Penny Jar Capital وTeam8 تمثل نموذجاً لاندماج رأس المال الرياضي مع الأجهزة الأمنية
يبرز هنا تناقض صارخ؛ فهؤلاء الرياضيون بنوا علاماتهم التجارية على قيم العدالة والمساواة. لكن استثماراتهم تضخ ملايين الدولارات في اقتصاد حربي وتدعم مؤسسين يعلنون ولاءهم المطلق لمنظومة متهمة بممارسة الفصل العنصري (الأبارتهايد).
إن الشراكة بين "Penny Jar Capital" و"Team8" (التي يرأسها نداف زافرير، القائد السابق للوحدة 8200) تمثل نموذجاً لاندماج رأس المال الرياضي مع الأجهزة الأمنية. هذا الارتباط يضع الرياضيين أمام مسؤولية قانونية وأخلاقية، خاصة مع تزايد ضغوط حركة المقاطعة (BDS) التي بدأت تركز على "التواطؤ الرقمي".
ما وراء الملاعب
-
السؤال الذي يواجه الجمهور هو: هل يمكننا فصل الرمية الثلاثية لستيفن كاري عن خوارزمية القتل التي يموّلها؟
إن المحفظة الاستثمارية لهؤلاء النجوم ليست مجرد صفقات تكنولوجية؛ بل هي استثمار مباشر في "الخبرة العسكرية" الإسرائيلية. وبينما يجني هؤلاء عوائد مالية ضخمة بفضل كفاءة المتخرجين في الوحدة 8200، تظل هذه الكفاءة نفسها مدفوعة الثمن من حياة الفلسطينيين الذين يخضعون للمراقبة والسيطرة بواسطة النسخ الأولية لهذه التقنيات. إن السؤال الذي يواجه الجمهور والمشجعين اليوم هو: هل يمكننا فصل "الرمية الثلاثية" لستيفن كاري عن "خوارزمية القتل" التي يموّلها؟