من هيروشيما إلى فيتنام وإيران: المدنيون هدف لا "أضرار جانبية"

المجزرة في الحروب الأميركية والإسرائيلي لم تعد مجرد حدث عسكري، بل أداة استراتيجية لترويع المدنيين وإعادة تشكيل المجتمع والسلوك السياسي عبر العنف المباشر والبنيوي.

0:00
  • مجزرة دامية في مدرسة ميناب للبنات في إيران من جراء العدوان الإسرائيلي الأميركي
    مجزرة دامية في مدرسة ميناب للبنات في إيران من جراء العدوان الإسرائيلي الأميركي

لم تعد المجازر في الحروب الأميركية والإسرائيلية الجارية تفهم بوصفها انحرافات عسكرية ميدانية عن الغاية التي تدفع بها هذه القوى، بل بدت وكأنها كظواهر بنيوية ضمن نمط العنف المنظّم. فالدولة الحديثة، خصوصاً في صيغتها الإمبراطورية، لا تستخدم القوة فقط لتحقيق نصر عسكري، بل لإعادة تشكيل البنى الاجتماعية والنفسية للمجتمعات المستهدفة. وفي هذا السياق، تصبح المجزرة بمعناها الواسع أداة اتصال سياسي، ورسالة سيادية، وتقنية للضبط الاجتماعي. وحين نقول أداة اتصال، فإن التلقي هنا ليس الدولة المعتدى عليها فحسب، بل مجتمعها والضحايا الذين تقع فيهم تلك المجزرة، وبيئتهم المحيطة، التي يطلب تفعيلها ضد دولتها، لا ضد المعتدي الخارجي.

التجربة الأميركية، منذ الحرب العالمية الثانية مروراً بكوريا الشمالية وفيتنام والعراق، تقدّم مادة غنية لتحليل هذا النمط. فهي تكشف كيف تداخلت الضرورات العسكرية مع استراتيجيات الردع النفسي، وكيف جرى أحياناً توظيف العنف ضد المدنيين، بشكل مباشر أو غير مباشر، ضمن منطق الحرب الشاملة أو الردع عبر الصدمة.

عنفٌ بنيوي

في الأدبيات الكلاسيكية، يُبرَّر قتلُ المدنيين بمبدأ "الأثر المزدوج"، الذي يجيز نظرياً سقوط ضحايا مدنيين ما داموا ليسوا الهدف المباشر للعمل العسكري. وقد طوّر الأميركيون والإسرائيليون هذا الطرح إلى مفهوم "الأضرار الجانبية" (Collateral Damage). غير أنّ هذا التبرير ينهار حين يصبح المدنيون أنفسهم جزءاً من حسابات الردع أو أدواتٍ للضغط السياسي على دولتهم.

ومع هذا الانهيار المفهومي، يحدث انتقالٌ تلقائي نحو ما يُعرف بـ"العنف البنيوي" (Structural Violence) عند يوهان غالتونغ، حيث لا يعود العنف فعلاً مباشراً فحسب، بل يتحوّل إلى نظامٍ يُنتج الأذى بصورةٍ منهجية. في هذا الإطار، يمكن فهم المجزرة بوصفها فعلاً للقتل، وأيضاً أداةً لإعادة تشكيل المجال الاجتماعي، عبر كسر الإرادة الجماعية، وتفكيك الشبكات الاجتماعية القائمة، وإحداث صدمةٍ نفسيةٍ ممتدة.

هذه الصدمة تسهم في إعادة هندسة السلوك السياسي للسكان، بل وللدولة نفسها، إذا ما خضع صانعو القرار فيها لضغطٍ أخلاقي نابع من مسؤوليتهم عن حياة مواطنيهم. وعندئذٍ، قد يفضي ذلك - إن تحقّق - إلى كسر الإرادة الجماعية وفرض إرادة المعتدي. وهكذا تغدو المجزرة أداةً تتجاوز بعدها العسكري، لتغدو فعلاً ذا أبعاد سوسيولوجية عميقة.

الحرب العالمية الثانية كنموذج تأسيسي

شكّلت الحرب العالمية الثانية نقطة تحول في شرعنة استهداف المدنيين، إذ تطورت استراتيجيات القصف الشامل (Area Bombing) التي استهدفت المدن بأكملها، وليس الأهداف العسكرية فقط. تشير الدراسات إلى أن القرن العشرين شهد تحولاً جذرياً نحو استهداف البنية المدنية ضمن الحرب الصناعية، بما في ذلك القصف الحارق والنووي. وفي التجربة الأميركية، بلغ هذا المنطق ذروته في هيروشيما وناغازاكي عام 1945، حيث أدى استخدام السلاح الذري ضد مدن مأهولة إلى مقتل مئات الآلاف. وقد اعتبرت محكمة يابانية لاحقاً أن هذا القصف كان قصفاً عشوائياً غير قانوني وفق قواعد الحرب آنذاك. وليس هذا مجرد قرار عسكري لإنهاء الحرب، بل لحظة تأسيسية لمنطق جديد يهدف إلى إخضاع المجتمع ككل، ومنع أي قوة من مقاومة الإرادة السياسية الأميركية لاحقاً.

في الحرب الكورية، يظهر نمط الاستهداف الواسع للمدنيين بوضوح. فقد وثّقت لجنة الحقيقة والمصالحة في كوريا الجنوبية أكثر من 200 حالة قتل جماعي للمدنيين على يد القوات الأميركية، بما في ذلك مجزرة نو غون ري عام 1950، حين قُتل مئات اللاجئين أثناء محاولتهم الفرار، إلى جانب القصف الجوي المكثف الذي تسبب في نسب مرتفعة جداً من الضحايا المدنيين. ويعكس هذا الانتقال من حرب الجيوش إلى حرب المجتمعات، حيث يصبح المدنيون جزءاً من مسرح العمليات، لا مجرد ضحايا عرضيين.

في حرب فيتنام، تُعد تجربة المجازر نموذجاً واضحاً للمجزرة كأداة. اعتمدت القوات الأميركية استراتيجية "ابحث ودمّر (Search and Destroy)"، التي وسعت نطاق العنف ضد المدنيين. ومن أبرز الأمثلة مجزرة ماي لاي عام 1968، حين قتلت وحدة أميركية ما يصل إلى 500 مدني أعزل، بينهم نساء وأطفال، ضمن بنية عملياتية تعتبر كل من في منطقة العمليات عدواً محتملاً، ما أزال التمييز بين المدني والمقاتل، وسعف الضغط العسكري الأقصى لتحقيق نتائج سريعة. وعند استرجاع ذلك، تظهر مقارنة مشاهد القتل الجماعي الإسرائيلي في غزة خلال الحرب الأخيرة، والتي تحققت معها شواهد على الإبادة الجماعية، بما فاق هيروشيما وناغازاكي من حيث العدد الإجمالي للضحايا ووقع الجريمة على السكان وممتلكاتهم وظروف حياتهم.

في هذه السياقات، تتحول المجزرة إلى أداة لترويع السكان وقطع الحاضنة الاجتماعية للمقاومة، وإنتاج فراغ اجتماعي يسهل السيطرة عليه. وقد خلصت محكمة راسل إلى أن الولايات المتحدة مارست "قصفاً ممنهجاً واسع النطاق ضد أهداف مدنية" في فيتنام.

مع حرب الخليج عام 1991 وما بعدها، ظهر نموذج جديد: القصف عالي الدقة مع نتائج اجتماعية واسعة. فقد قصفت القوات الأميركية ملجأ العامرية في بغداد، ما أدى إلى مقتل مئات المدنيين، برغم تبرير الضربة بأنها استهدفت منشأة عسكرية. ويبرز هنا التناقض بين دقة التكنولوجيا والنتائج الاجتماعية المدمرة والمقصودة.

كما تظهر العقائد العسكرية الأميركية، خاصة خلال الحرب الباردة، استعداداً نظرياً لاستخدام قوة مفرطة تشمل استهداف المدن. فخطة SIOP-62 النووية كانت تقوم على استخدام شامل للأسلحة النووية ضد الاتحاد السوفياتي والصين، بما قد يؤدي إلى مقتل ملايين المدنيين. وفي مرحلة لاحقة، ظهرت عقيدة "الصدمة والرعب (Shock and Awe)"، التي تهدف إلى إحداث صدمة نفسية شاملة، وشل إرادة الخصم عبر التفوق الساحق واستهداف البنية المدنية، مثل الكهرباء والاتصالات والبنية التحتية.

من منظور علم الاجتماع، للمجزرة آثار عميقة تتجاوز لحظة العنف، إذ تفكك الهوية الجماعية، وتدمر الثقة داخل المجتمع، وتخلق حالة من التفكك الاجتماعي. وبرغم ذلك، تظهر النماذج الحديثة لمقاومة المجازر أن إرادة السكان غالباً ما تكون أكثر صلابة، كما يبرز صمود السكان والمقاومات في فلسطين ولبنان وإيران واليمن والعراق وغيرها.

تسعى المجزرة إلى إنتاج صدمة عابرة للأجيال، تعيد تشكيل السلوك السياسي للسكان بما يتعارض مع مصالحهم وحقوقهم، وتدفع المجتمعات نحو التطرف أو الانكفاء وفقدان الثقة في النظام الدولي، إضافة إلى محاولة تطبيع العنف مع مرتكبه، كما حدث بعد مجزرتي هيروشيما وناغازاكي.

في حادثة قصف مدرسة ميناب في إيران، يتضح هذا المنطق: استهداف موقع مدني عالي الرمزية لإنتاج صدمة مركزة، وإرسال رسالة ردعية إلى المجتمع والقيادة السياسية، عبر الضغط الأخلاقي على صانع القرار لإجباره على تحمل مسؤولية حياة المدنيين. إلا أن هذه المحاولة لم تنجح بالكامل، إذ شكلت المقاومة حماية للسكان البالغ عددهم 93 مليون نسمة من مجازر مماثلة.

يمكن تلخيص الوظائف الاستراتيجية للمجزرة في التجربة الأميركية ضمن أربعة أبعاد:

- الردع: إيصال رسالة بأن كلفة المقاومة مرتفعة جداً.
- التفكيك الاجتماعي: إضعاف الحاضنة الشعبية للخصم.
- إعادة هندسة المجال السياسي: دفع المجتمعات نحو سلوكيات معينة (استسلام، نزوح، انقسام).
- إنتاج الهيمنة الرمزية: ترسيخ صورة القوة المطلقة.

تكشف هذه القراءة أن المجزرة لم تكن مجرد انحراف، بل جزءاً من منطق أوسع لإدارة الصراع، تتحول فيه من حدث إلى أداة، ومن جريمة إلى تقنية سلطة. ومع أن هذا المنطق قد يحقق نتائج عسكرية على المدى القصير، إلا أنه على المدى الطويل يولّد مقاومة، وعدم استقرار، وتآكل شرعية منفذ المجزرة، في حين يظل الإنسان المتعرض لها ينتج فعل مناعة دائم يُسمّى المقاومة.

اخترنا لك