من القلاع إلى المقامات.. التراث اللبناني في مرمى العدوان الإسرائيلي

ألحقت الاعتداءات الإسرائيلية أضراراً واسعة بعشرات المواقع الأثرية والتاريخية والدينية في لبنان، في ما يراه مختصون جزءاً من استهداف الهوية الثقافية ومحاولة طمس الذاكرة التاريخية، وسط مطالبات بالمحاسبة الدولية.

  • من القلاع إلى المقامات.. التراث اللبناني في مرمى العدوان الإسرائيلي
    من القلاع إلى المقامات.. التراث اللبناني في مرمى العدوان الإسرائيلي

لم تستثنِ "إسرائيل" في حروبها على لبنان معالم تاريخه وتراثه؛ ففي مفهوم الاحتلال التوسعي، يشكّل القضاء على تاريخ الشعوب ومحو هويتها التراثية جزءاً لا يتجزأ من أهداف الحرب. وقد طالت الاستهدافات الإسرائيلية خلال الحرب الأخيرة وما سبقها مواقع أثرية وتاريخية عريقة تختزن ذاكرة لبنان وهويته، بأشكال مختلفة من التدمير الممنهج.

وكانت هذه الاعتداءات محور متابعة من المؤسسات الرسمية المعنية، وفق الإمكانات المتاحة، فضلاً عن جهود بذلتها جمعيات أهلية متخصصة لتوثيق الأضرار التي لحقت بالمعالم التراثية والعمل على حمايتها. وبرغم التقدّم بشكاوى قانونية ضد هذه الاعتداءات، يبقى السؤال الأبرز في كل مرة: هل ستُحاسَب "إسرائيل" على جرائمها بحق التاريخ؟

شهدت العديد من المواقع الثقافية والتاريخية في لبنان أضراراً جسيمة نتيجة حرب عام 2024 والحرب الحالية، ولا سيما في جنوب لبنان ومنطقة البقاع، حيث طالت الاعتداءات القلاع التاريخية والمواقع الأثرية والمعالم الدينية والأسواق والمباني التراثية.

القلاع والمواقع التاريخية المحصّنة

تعرّضت عدة قلاع ومعالم تاريخية لأضرار مباشرة، أبرزها قلعة دوبيه التراثية التي جُرفت أجزاء من أسوارها، وقلعة تبنين التي دُمّر قسم من أسوارها خلال حرب عام 2024، كما تضررت قلعة ميس في بلدة أنصار.

بالإضافة إلى قلعة الشقيف الاستراتيجية التي أصابتها أضرار كبيرة خلال الحرب الحالية نتيجة الاستهدافات الإسرائيلية المباشرة لها في محاولة لاحتلالها.

ويطلق الاحتلال على القلعة تاريخياً لقب "الوحش على الجبل"، فيما يُعرف الطريق المؤدي إليها بـ"الطريق الدامي"، في إشارة إلى كثرة الهجمات والعبوات الناسفة التي استهدفت الجنود الإسرائيليين هناك في فترة الثمانينات.  

المواقع الأثرية والتراثية

أصيبت مواقع أثرية عديدة بأضرار متفاوتة. ففي مدينة صور، تعرّضت المواقع الرومانية والفينيقية لغارات قريبة، ولا سيما في منطقة الملعب الروماني والبص، ما ألحق أضراراً بالمواقع الأثرية التي تعود إلى حقب تاريخية تمتد من نحو 5000 عام قبل الميلاد حتى القرن التاسع عشر.

وفي البقاع، تعرّض محيط قلعة بعلبك الأثرية، المدرجة على لائحة التراث العالمي لليونسكو، لقصف عنيف على مسافة تراوحت بين 500 و700 متر، ما تسبب بأضرار في الموقع. كما سُجلت أضرار جسيمة في "قبة دورس" الأثرية عند مدخل مدينة بعلبك. كما استهدفت الغارات أجزاء من منطقة "ثكنة غورو" التاريخية في بعلبك.

المعالم والمقامات الدينية

طالت الأضرار الناجمة عن الاعتداءات الإسرائيلية عدداً من المعالم الدينية التاريخية أيضاً، من بينها دير ومدرسة راهبات المخلّصيات في يارون وكنيسة في دردغيا، إضافة إلى مقام النبي شمعون الصفا الذي تعرّض للتجريف الكامل مع جزء من أسوار قلعة شمع التاريخية.

ويعود المقام إلى عام 1079 ميلادي، ويضم ضريحاً يُعتقد أنه يعود إلى القديس بطرس، المعروف في التقاليد الإسلامية باسم شمعون الصفا. كما تضرر جامع النبي شعيب التاريخي في بلدة بليدا، الذي يُعد أول مسجد في منطقة جبل عامل، ومقام النبي بنيامين في محيبيب الذي يعود تاريخ بنائه إلى أكثر من ألفي عام، وكان قد تعرّض عام 1948 لسرقة صخرة أثرية تحمل كتابة باللغة العبرية.

كذلك أصابت الأضرار مسجد بنت جبيل، الذي يعود تاريخ تأسيسه إلى أكثر من أربعة قرون، ويرتبط تاريخياً بذاكرة البلدة وثقافة جبل عامل.

الأسواق والمباني التراثية

لم تسلم الأسواق التاريخية والمباني التراثية من الاعتداءات أيضاً، وأبرزها السوق التاريخي في مدينة النبطية الذي يعود إلى العصر المملوكي (1250–1517)، وسوق بنت جبيل العريق الذي يعود إلى القرن السابع عشر ويعكس تاريخاً غنياً بالحياة الاقتصادية والاجتماعية في المنطقة.

كما لحقت أضرار بمبانٍ تاريخية وعثمانية في مدينة بعلبك، من بينها تدمير "مبنى المنشية" التاريخي، وتضرر "أوتيل بالميرا" العريق وتصدّع أعمدته. كذلك دُمّرت منازل أثرية، ليس آخرها منزل يتجاوز عمره مئة عام في حي عين العروس في النبطية الفوقا.

طمس الهوية والترويج لـ"الشرعية التاريخية"

خلال الحرب القائمة حالياً، شملت الاعتداءات الإسرائيلية عدداً كبيراً من المواقع والبلدات الأثرية. ووفقاً لمدير المواقع الأثرية في الجنوب، علي بدوي، لا يزال من المبكر إصدار تقييم نهائي لحجم الأضرار، خصوصاً أن القسم الأكبر منها وقع خلال الساعات الأخيرة التي سبقت وقف الحرب، كما حدث في حربَي 2006 و2024.

ويشير بدوي إلى أن التقديرات الحالية تستند إلى متابعات أولية، في ظل غياب تقييم دقيق للقرى الواقعة تحت الاحتلال، مع الاعتماد على صور الأقمار الاصطناعية والمعلومات الميدانية لإعداد سجل واضح بالأضرار، فضلاً عن أن التقييم الدقيق يحتاج إلى كشف ميداني مباشر.

ويؤكد بدوي لـلميادين نت أنه منذ عام 2024 جرى العمل على تحصين المواقع الأثرية قانونياً عبر إدراج 73 موقعاً لبنانياً على لائحة الحماية المعززة وفق اتفاقية لاهاي لحماية التراث في زمن النزاعات المسلحة، في خطوة هدفت إلى تأكيد الطابع المدني والأثري لهذه المواقع من خلال إبلاغ الأمم المتحدة والأطراف المعنية بذلك، برغم محدودية فعالية هذه الإجراءات في منع الاستهداف.

وتعمل المديرية العامة للآثار على إعداد إحصاء أولي بالأضرار تمهيداً لرفعه ضمن شكوى رسمية ستتقدم بها الحكومة اللبنانية بشأن ما تعرض له التراث الثقافي والمنشآت المدنية من تدمير. أما في ما يخص ترميم ما تضرر سابقاً، فقد تعثرت محاولات تأمين التمويل بين عامي 2024 و2026 بسبب الأوضاع الأمنية، باستثناء ترميم مقام النبي شمع الذي نُفذ بمبادرة من أهالي البلدة وبإشراف تقني من المديرية.

ويرى بدوي أن استهداف التراث التاريخي يُعد جزءاً من استهداف هوية الشعوب وارتباطها بأرضها، والترويج لـ"الشرعية التاريخية" للاحتلال، مؤكداً ضرورة التحضير لمرحلة إعادة الإعمار عبر استلهام العمارة التاريخية لجبل عامل، بما يحفظ الذاكرة الثقافية ويعزز ارتباط الأهالي بأرضهم.

الجمعيات الأهلية توثّق الاعتداءات

لم تكن الجمعيات الأهلية اللبنانية بمنأى عما يحدث للتراث اللبناني من دمار وأضرار، إذ أطلقت عدة مبادرات توثيقية في هذا السياق.

فقد أعدّت "بلادي"، وهي جمعية لبنانية متخصصة بالحفاظ على التراث والتدخل لحمايته خلال فترات الحرب والطوارئ، سواء عبر النشاطات التربوية أو تدريبات المؤسسات المعنية، دراسة معمقة بعد حرب عام 2024 شملت توثيق الأضرار في خمس بلدات جنوبية: النبطية الفوقا، النبطية التحتا، زوطر الشرقية، زوطر الغربية، وكفرتبنيت.

كما أجرت الجمعية تقييماً لبعض الأضرار التي لحقت بالمباني التاريخية الكبرى في القرى الحدودية، مثل المكتبة العامة في الطيبة وكنيسة يارون، وأنجزت نماذج رفع ثلاثي الأبعاد لكنيسة دردغيا ومكتبة بعلبك والأحياء القديمة فيها.

وتشير مديرة الجمعية، جوان بجلي، لـلميادين نت، إلى أن الجمعية أعدّت خرائط كاملة للأبنية التاريخية في هذه القرى حتى عام 1950، وقد أظهرت وجود 385 بيتاً تاريخياً بين منازل ومخازن تجارية ومراكز دينية. وكان نحو 20% من هذه البيوت في حالة إهمال قبل الحرب، لترتفع النسبة بعد حرب 2024 إلى 66% نتيجة التعرض للقصف المباشر وغير المباشر.

وخلال الحرب الحالية، تقوم الجمعية بعملية توثيق وأرشفة للمعالم التاريخية التي يجري تجريفها أو إلحاق أضرار بها، بالتوازي مع إعداد بيانات تاريخية لكل بلدة. وتطال هذه الجهود الأبنية التاريخية والتراث القروي في الجنوب، وليس المواقع الأثرية التي تقع ضمن اختصاص المديرية العامة للآثار.

أما جمعية "الجنوبيون الخضر"، فترصد الاعتداءات على المواقع الثقافية منذ بدء الحرب، إلا أنها لا تملك حتى الآن مسحاً شاملاً بسبب عدم القدرة على تحديد الأضرار اللاحقة بالقرى التي جرى احتلالها وشهدت تفجيرات واسعة.

وقد راسلت الجمعية منظمة اليونسكو في آذار/مارس الماضي ردًا على الغارات التي طالت محيط موقع آثار البص في مدينة صور بتاريخ 6 آذار/مارس، كما سبق أن أرسلت كتابين بشأن تعرض المواقع للقصف في وقت سابق مع بدء العدوان. وهي تتجه إلى مخاطبة منظمات دولية أخرى خلال الشهر المقبل، فضلًا عن مواصلة عرض الجرائم الرئيسية التي يتم رصدها أمام الرأي العام.

المحاسبة القانونية

برغم أن "إسرائيل" تضرب بالقوانين الدولية عرض الحائط، فإنه من الثابت، وفقاً لعضو الرابطة الدولية للخبراء والمحللين جهاد إسماعيل، أن اتفاقية لاهاي لحماية الممتلكات الثقافية، ببروتوكوليها لعامي 1954 و1999، تُعد الوسيلة الدولية الأساسية الهادفة إلى حماية التراث الثقافي والممتلكات الثقافية المنقولة وغير المنقولة أثناء النزاعات المسلحة.

وتشمل الممتلكات المنقولة القطع الأثرية والمخطوطات والكتب، فيما تشمل الممتلكات غير المنقولة المعالم الأثرية والتاريخية والدينية ذات القيمة الثقافية الكبرى.

وتهدف الاتفاقية إلى الحفاظ على هذه الممتلكات عبر إلزام الدول باتخاذ تدابير عملية لحمايتها، من بينها تسجيل المواقع الأثرية لدى اليونسكو، وضمان احترام القوات المسلحة لها وعدم استخدامها أو استهدافها عسكرياً، إضافة إلى وضع شعار "الدرع الأزرق" عليها للدلالة على أنها ممتلكات ثقافية محمية.

كما تُلزم الاتفاقية الدول بالامتناع عن أي أعمال عدائية ضد الممتلكات الثقافية، ومنع السرقة والنهب والتصدير غير المشروع، مع إمكانية ملاحقة المسؤولين عن هذه الانتهاكات وفرض عقوبات عليهم عبر الهيئات الدولية المختصة، بدءاً من اليونسكو وصولاً إلى المحاكم الدولية.

ويشير إسماعيل إلى أن المادة الثامنة من نظام روما الأساسي تعتبر استهداف المواقع الثقافية والأثرية جريمة حرب تستوجب الملاحقة أمام المحكمة الجنائية الدولية، ويمكن للبنان قبول اختصاص المحكمة عبر إعلان رسمي برغم عدم انضمامه إلى نظام روما. إلا أن الواقع يُظهر أن الاعتبارات السياسية كثيراً ما تحدّ من فعالية العدالة الدولية وتنفيذ قراراتها.

اخترنا لك