من البنزين إلى الغاز: تحوّل اقتصادي يغيّر تشغيل النقل في العراق

يشهد العراق توسعاً متسارعاً في اعتماد السيارات العاملة بالغاز السائل بوصفه وقوداً أقل كلفة وأكثر صداقة للبيئة، إلا أن محدودية محطات التعبئة ما تزال تشكّل التحدي الأبرز أمام نجاح هذا التحوّل.

0:00
  • من البنزين إلى الغاز: تحوّل اقتصادي يغيّر تشغيل النقل في العراق
    من البنزين إلى الغاز: تحوّل اقتصادي يغيّر تشغيل النقل في العراق

ضمن طابور طويل من السيارات، يقف السائق حيدر عبد الله منتظراً دوره في محطة "سما كربلاء"، لتعبئة مادة الغاز داخل سيارة الأجرة التي يعمل عليها، في مشهد أصبح مألوفاً داخل المجتمع العراقي، بعد تحول آلاف السيارات للعمل على الغاز السائل، نظراً لما توفّره من خدمات أفضل للسائقين، وخصوصاً سعرها المنخفض مقارنة بالوقود التقليدي.  

يتحدث عبد الله للميادين نت عن الإيجابيات العديدة لاستخدام الغاز السائل كوقود للسيارات، فسعر اللتر الواحد يبلغ 200 دينار فقط (0.14 دولار أميركي)، مقارنة بـ850 دينار وهو سعر لتر البنزين المحسّن، كما أن استخدام الغاز يستمر لفترة زمنية أطول، إضافة إلى أنه يسهم في إطالة عمر المحرك، ويقلل من إجراءات الصيانة.

بالمقابل، لا يعتبر عبد الله أن استخدام منظومة الغاز في السيارات قد يسبب خطراً، نظراً للإجراءات الوقائية المتبعة من قبل الجهات الحكومية التي تشرف مباشرة على عمليات التركيب، إلا أن السائق يؤكد أن النقطة السلبية الوحيدة في وجود سيارات الغاز هي قلة المحطات التي تحتوي المادة، بحيث يوجد في كربلاء 4 محطات فقط للتعبئة، وفي كثير من الأحيان تكون المادة متوفّرة في محطّتين فقط، إحداهما تقع على طريق النجف، وهي بعيدة نسبياً عن مركز المدينة.

تحوّل نوعي نحو سيارات الغاز

خلال السنوات القليلة الماضية، شهد العراق طفرة كبيرة في أعداد السيارات العاملة بالغاز السائل، حيث بذلت وزارة النفط جهوداً حثيثة لدعم التحول من السيارات التي تعتمد على الوقود التقليدي إلى سيارات الغاز، عبر تركيب منظومات غاز ضمن ورشات حكومية معتمدة، كما قدّمت الوزارة تسهيلات للراغبين بتركيب منظومة الغاز، بهدف تخفيف الأعباء المالية عنهم.

وتهدف وزارة النفط العراقية إلى تبنّي مشاريع تساهم في تقليل الاعتماد على البنزين وخفض الانبعاثات، وفي هذا الاتجاه كشف مصدر في الوزارة للميادين نت أن السيارات التي تعمل بالغاز السائل صديقة للبيئة لأن الغاز يقلل من الانبعاثات الكربونية، مما يجعله وقوداً أنظف من البنزين.

وأكد المصدر أن عدد السيارات العاملة بالغاز السائل في العراق تجاوز اليوم 83000 سيارة، بعد أن كانت أعدادها عند تسلم الحكومة الحالية لا تتجاوز 32 ألف سيارة، كما أن العدد الكلي لورشات تحويل السيارات لمنظومة الغاز السائل يبلغ 26 ورشة، يوجد 8 منها في بغداد، في حين تتوزع 18 ورشة أخرى في باقي المحافظات.

وحول تكلفة التحويل من السيارات التي تعمل على البنزين والمازوت إلى الغاز السائل، أكد المصدر أن أجور تركيب المنظومة الغازية تبلغ 500 ألف دينار (350 دولار)، لكن الوزارة أتاحت إمكانية تقسيط المبلغ على 10 دفعات شهرية، ونوّه إلى أن المنظومات المستوردة من إيطاليا وتركيا وبولندا هي آمنة وتخضع لفحوصات هندسية دقيقة.

أما التحدي الأبرز في مشروع التحول نحو السيارات العامل على الغاز السائل، فهو أن محطات التعبئة لا تغطي مساحات واسعة، سواء داخل المدن الكُبرى حيث أن أعداد تلك المحطات لا يزال غير متناسب مع عدد السيارات، أو في المناطق النائية التي لا تغطيها المحطات أصلاً، حيث يبلغ عدد المنافذ المخصصة من قبل وزارة النفط لتزويد المركبات بالغاز السائل نحو 159 منفذاً.

ويشكّل انخفاض عدد منافذ الغاز في المحطات الحكومية والأهلية عاملاً سلبياً لدى المواطنين، الذين يعانون خلال عمليات التعبئة، سواء من خلال الانتظار على طوابير المحطات، أو الانتقال إلى محطات بعيدة لتعبئة المادة، وهذا ما يتطلب تكثيف الجهود الحكومية من أجل زيادة عدد منافذ الغاز في المحطات، وإنشاء محطات جديدة في المناطق النائية.

مخاوف غير مبررة

إن الاعتماد على سيارات الغاز السائل قد يكون مفيداً من الناحية الاقتصادية، فالغاز منتج محلي، ما يسهم في تقليل استيراد البنزين بالعملة الصعبة، لكن بالمقابل فإن البعض يتخوف من خطر العمل بهذه السيارات أثناء درجات الحرارة المرتفعة، ما قد يؤدي إلى احتراق السيارة في حال تسرب الغاز القابل للاشتعال.

وحول هذه النقطة كشفت مصادر حكومية بأن ارتفاع درجات الحرارة الذي تشهده البلاد، لا تأثير له على المركبات التي تعمل بالغاز، لأن أسطوانات الغاز المعمول بها ذات مواصفات عالمية لا تتأثر بالحرارة، وجميع الورشات الحكومية المسؤولة عن عمليات تركيب منظومات الغاز خاضعة لأعلى درجات الأمان.

وفي هذا السياق يقول عبد الخالق جاسم (53 عاماً) من العاصمة بغداد للميادين نت: "حوّلت سيارتي الخاصّة إلى العمل بالغاز السائل قبل 3 سنوات، وهذا الأمر ساعد على التخفيف من أعطال المحرك، ولذلك لا أرى أن الحديث عن مخاطر استخدام الغاز السائل أمراً مبرراً، إذا تم اتباع إجراءات السلامة أثناء تركيب المنظومة ولاحقاً خلال القيادة، لكن هذه الإجراءات تنطبق على جميع أنواع السيارات وليس على سيارات الغاز فقط".

ويضيف جاسم: "أهم محاسن هذا النظام هو التكلفة المنخفضة لتشغيل السيارة، وهي أقل بكثير من تكلفة السيارات العاملة على البنزين، وهذا ما يدفع العديد من أصحاب السيارات للتحول نحو الغاز السائل في مختلف المحافظات"، وأشار جاسم إلى أن معظم السيارات الحديثة المستوردة حالياً إلى العراق تعمل على الغاز، ما يوفّر تكاليف تركيب المنظومة الغازية.

إن المشروع الذي ترعاه الحكومة العراقية بالاعتماد على الغاز السائل في السيارات، يُعتبر تحولاً اقتصادياً نوعياً على مستوى المنطقة، سينعكس إيجاباً على الاقتصاد المحلي من خلال تخفيف أعباء استيراد المشتقات النفطية التقليدية، إضافة إلى تأثيره الإيجابي على العراقيين من جهة التكلفة المنخفضة، بالمقابل فإن الحكومة مطالبة بتلافي النقاط السلبية الموجودة في المشروع، مع تعزيز دور الإعلام في شرح مزايا التحول نحو سيارات الغاز وتأثيره الإيجابي على البيئة.

اخترنا لك