قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين: أهالي الأسرى على حافة الفقد

تداعيات قانون الإعدام على الأسرى الفلسطينيين تتجاوز الأسرى إلى أهاليهم، كتحول جذري من أمل التحرر إلى تهديد وجودي يمس المجتمع بأكمله.

  • قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين: أهالي الأسرى على حافة الفقد
    قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين: أهالي الأسرى على حافة الفقد

أقر كنيست دولة الاحتلال، يوم الإثنين، قانونًا يقضي بتنفيذ أحكام الإعدام بحق الأسرى الفلسطينيين "المدانين" بعملٍ مقاوم أفضى إلى قتل محتلين، جاء ذلك بعد القراءة الثالثة بأغلبية 60 نائبًا مقابل معارضة 48 منهم، ووسط بهجة بالشمبانيا والتصفيق لوزراء اليمين وحلفائهم.

عبور القانون عتبة التصديق النهائي، وسط رفض المحكمة العليا للكيان دعاوى الاستئناف والتجميد، وتداعي التضامن العربي مع القضية الفلسطينية وأسراها، أطلق مشاعر القهر والإحباط في قلوب أهالي الأسرى، خاصة وأن ألوفًا منهم فقدوا التواصل مع أبنائهم منذ السابع من أكتوبر 2023، حين حرمهم الاحتلال من حقهم بالزيارة، وقيّد زيارات المحامين، وحوّل جلسات المحاكم من وجاهية إلى أونلاين، ما حرم الأهالي لحظات شحيحة من الاطمئنان على أبنائهم.

إضافة لآخرين ظلوا حتى اللحظات الأخيرة من صفقات التبادل متشبثين بالأمل من أن تشمل الصفقة أحبابهم، فجاءت قيود الصفقة، وقانون الإعدام ليُنهي آخر آمالهم. لكن اللافت أن وعي الأهالي بالاحتلال وألاعيبه تجاوز بمراحل وعي قانونيين وسياسيين حاولوا التخفيف من أثر قانون الإعدام، بالقول إن التراجع عنه مؤكد، وأن حدود تطبيقه مستقبلية ولا تمس الأسرى الموجودين حاليًا، وأن إمكانية ممارسة ضغطٍ دولي لإيقافه ممكن.

تقول غفران زامل، خطيبة الأسير القسامي حسن سلامة، مهندس عمليات الثأر المقدس للشهيد يحيى عياش، المحكوم بالسجن المؤبد لـ 48 عامًا، قضى منها 30 عامًا في سجون الاحتلال، وأكثر من 10 في زنازين العزل الانفرادي، في ردها على خطاب التهوين من شأن القانون بالقول: "خطورة هذا القرار لا تكمن في تفاصيله بقدر ما تكمن في مبدأ إقراره أساسًا، فمجرد إقرار قانون يتيح إعدام الأسرى، حتى لو طُبّق على أسير واحد فقط، يشكّل تهديدًا مباشرًا وخطيرًا على حياة جميع الأسرى كلهم، ثم من يضمن أن احتلالًا ارتكب المجازر أمام مرأى العالم في غزة، ولم يُحاسب، أنه لن يُقدم على تعديل قوانينه أو توسيع نطاق تطبيقها ليشمل لاحقًا كل من حُكم بالمؤبد؟ التجربة علمتنا أن كل الخطوط الحمر قابلة للكسر في نظر هذا الاحتلال".

صوت العقل الذي يدرك من خلاله أهالي الأسرى مراد الاحتلال بهذا القانون وقتله للأمل في صدورهم، لم يستطع كبح فاجعتهم بالقانون وحرقة قلبهم على أبنائهم، فزوجة الأسير ماهر سمارة الذي اعتقل عام 2025 بصحبة أخويه، إثر تخطيطه ومساعدته في تنفيذ عملية مقاومة قُتلت على أثرها مستوطنة إسرائيلية بالقرب من بلدة بروقين غرب محافظة سلفيت، وصفت القرار بأنه "صدمة قاسية، ولحظة ألمٍ امتلأت بالحزن والبكاء والقلق، خاصة  في ظل غياب أي معلومات عن الأسرى وأحوالهم، بينما لا يُسرب من ظروفهم سوى الضرب والتجويع والإهمال الطبي والتنكيل".

ثم تُضيف: "نحن اليوم عاجزون، قلوبنا ممزقة من الحزن، نعيش تحت ضغط نفسي هائل من الخوف والانتظار، بدون أي سند أو حماية حقيقية".

بينما تصف والدة الأسير عز الدين القاضي مشاعرها بالقول: "حسيت روحي بتنسحب مني لما سمعت القرار، أنا ما نمت الليلة رغم إنه ابني حكمه إداري وقانون الإعدام لا يشمله"، مُحمّلة مسؤولية إقرار القانون لكل الصامتين قائلة: "الجميع انتظر إقرار القانون لبدء التحرك، الجميع يتحمل مسؤولية القانون، واليوم ما في حد بيحمينا ولا بيحمي أسرانا وأولادنا".

من الزمن المعلق إلى الزمن المغلق

أحاديث أهالي الأسرى عن القانون تتراوح بين الصدمة والخذلان الشديد، جميعهم ينهش الخوف كبده، وحتى الأحاديث المطمئنة لم يعد بإمكانها تهدئة قلوب الأمهات، وللغرابة فقد جمعهن الخوف جميعًا، برغم أن أحكام أبنائهن وأزواجهن وإخوانهن تباينت، ما بين الموقوف والإداري وبضع سنوات والمؤبد، وجميعهن يرون شيئًا واحدًا أن "قانون الإعدام لا يستثني أحدًا".

في الواقع، فإن التحليل السسيولوجي لأثر هذا القانون على المجتمع الفلسطيني، لا يقتصر أبدًا على فئة الأسرى الحاليين وأهاليهم، فتجربة الأسر ظاهرة في المجتمع الفلسطيني، منتشرة بين رجاله ونسائه وأطفاله، فمنذ عام 1967 نفذت قوات الاحتلال أكثر من مليون عملية اعتقال بحق الفلسطينيين في الضفة والقطاع. من بينهم 50 ألف طفل، و17 ألف امرأة، ما يجعل سجون الاحتلال في الوعي الفلسطيني تجربة جماعية ممتدة، تتجاوز البعد الفردي الخاص، لتغدو امتدادًا لذاكرة النضال والمقاومة وتراكم خبرة الاشتباك مع العدو في الميدان، خاصة وأن أكثر من نصف الفلسطينيين مروا بهذه التجربة لأكثر من مرة واحدة، و30% منهم مروا بها لأكثر من مرتين.

ولا يشمل ذلك أصحاب المؤبدات وعمداء السجون، الذين كانت أعدادهم تُقدر بـ 550 أسيرًا قبل طوفان الأقصى، لتتضاعف أعدادهم نتيجة اعتقال المقاومين وكتائب النخبة، ما ترك تضاعف أعدادهم بلا سقف، خاصة مع التعتيم الذي تمارسه سلطات الاحتلال بحق أماكنهم وظروفهم وأعدادهم وأسمائهم.

ربما لهذا أطلق وليد دقة على مساحات السجون المعتمة "الجغرافيا السابعة"، بالنظر إلى أنه مكان خارج حدود الزمن والعلاقات والأبعاد، مكانٌ يعاد تشكيل الإنسان فيه، وتُدار الحياة بشروط القيد، بينما يُعاد تعريف الوجود الفلسطيني كصراعٍ مع السجان على المعنى والهوية.

هذه الأرقام والتفاصيل، تؤكد أن الأسر في المجتمع الفلسطيني يتجاوز الهامش نحو التعميم، فتقريبًا كل عائلة لديها ارتباطات بأسيرٍ أو أسيرة ما، وكثيرًا ما يتوقف الوقت، والفرح والحزن والأيام بانتظار أن يخرج الأسير فينضم إلى ركب عائلته.

 بهذا يتحول قانون الإعدام إلى هندسة للمستقبل الفلسطيني، وسياسة استباقية لقتل الأمل، وإغلاقٍ لزمن الفرج وانتصارات التبادل، فلطالما شكل الأسر في الوعي الفلسطيني حالة "الزمن المؤجل" بارتباط نهايته بصفقة تبادل محتملة، أو بإفراجٍ سياسي ما، وفقًا لمبدأ "باب السجن عمره ما بسكر على حدا"، وهو الذي لطالما اتخذته الأمهات دليلًا لعقلنة عاطفتهن ومخاوفهن على أولادهن الأسرى.

اليوم، وبقانون بن غفير، يتحول الأسر إلى عقوبة نهائية مؤكدة، وينقل الأسرى وعائلاتهم من الأمل إلى عدم اليقين، ويعيد تشكيل سلوك مجتمعٍ بأكمله، إما نحو التصلب أو نحو الانفجار، فلطالما علمنا تاريخ الشعوب المقهورة، وحركاتها الأسيرة، من إيرلندا وحتى جنوب إفريقيا، أن القمع منُتج للهوية الجمعية المقاومة بدلًا من تفكيكها.

خوفٌ آخر...خوفٌ أخير

في الظلال، هناك خوفٌ آخر يكتنف قلوب الأهالي وحدهم، لا يجمعهم فيه أحد، تقول إحداهن: "خايفة من اللحظة اللي يسمعوا فيها الأسرى بالخبر"، يتسرب الصمت إلى الأمهات المعتصمات وسط الميدان، لتبدأ كلٌ منهم في تأمل صورة ابنها الأسير وتخيل ملامحه ومخاوفه في آنٍ واحد.

هذا الارتياب الذي يجعل من المعلومة خوفًا، ومن غيابها خوفًا، ومن حضورها خوفًا أكبر، يتمثل في مراحل مختلفة في حياة الأسرى، ويتعاظم منذ الطوفان، نتيجة فصل الأسرى عن العالم الخارجي، وحرمانهم الزيارات والاتصال والرسائل وسماع الأخبار وقراءة الصحف.

يعبث بن غفير على وتر هذا الخوف، فيجعل تنفيذ العقوبة بيد ضابطٍ ملثم، على أن يُستبق التنفيذ بعزلٍ تام لـ 90 يومًا في زنازين انفرادية تحت الأرض، يُمنع الأسرى خلال العزل فيها من الزيارات والأخبار والرسائل حتى لحظة الصعود إلى حبل المشنقة.

لا يعني ذلك البتة أن الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال في نعيمٍ مقيم، فخلال العامين الأخيرين استشهد أكثر من 88 أسيرٍ فلسطيني، من أصل 321 أسيرًا منذ عام 1967، ناهيك عن أسرى الإخفاء القسري. اللافت هُنا أن حكم الإعدام طبق بحق الأسرى قبل أن يغدو قانونًا، عبر الإهمال الطبي والقتل والتنكيل، ما جعل آخر عامين بمثابة طفرة زمنية في قتل الأسرى، وفضاء "إسرائيلي" متسارع لإفنائهم.

بالمحصلة، يتحول اليوم مجتمعٌ بأكمله إلى حافة الفقد فهاويته، تتفكك سرديات الصبر والغياب، وتفقد الزوجات أدوارهن تحت وطأة قانون يحكم عليهن بالموت جنبًا إلى جنب أزواجهن، بعد عقودٍ من "الزواج المعلق"، بينما يغيب أمل أطفالٍ في الالتقاء بآبائهن، منهم 112 طفلًا ولدوا عبر النطف المحررة، سيهدد القانون آبائهن بالمحو والغياب.

يمر المجتمع الفلسطيني عبر هذا القانون في مخاض مقاومته ووجوده، فإما أن يثور فيحيا ويحيى أبناؤه، وإما أن يستكين فيُعدم أبناؤه، ويُعدم معهم حُلمه وغده.

اخترنا لك