غضب فلاحي القمح في سوريا.. تسعيرة حكومية تشعل الاحتجاجات

احتجاجات واسعة لفلاحي القمح في سوريا رفضاً لتسعيرة حكومية اعتبروها أقل من تكاليف الإنتاج، وتهدد مستقبل الأمن الغذائي والزراعة في البلاد.

0:00
  • غضب فلاحي القمح في سوريا.. تسعيرة حكومية تشعل الاحتجاجات
    غضب فلاحي القمح في سوريا.. تسعيرة حكومية تشعل الاحتجاجات

حاملين سنابل القمح في أيديهم، ومرددين هتافات تُطالب بحماية أراضيهم؛ خرج فلاحو الرقة السورية في احتجاجات غاضبة جابت شوارع وأحياء المدينة، اعتراضاً على القرار الحكومي الأخير المتعلق بتحديد سعر شراء القمح من الفلاحين.

الحكومة الانتقالية في سوريا حددت سعر شراء طن القمح القاسي للعام الحالي، بـ 46 ألف ليرة سورية جديدة، وهو ما أثار موجة استياء عارمة بين الفلاحين، الذين اعتبروا أن السعر لا يُغطي تكاليف الإنتاج المرتفعة، كما أنه يهدد استمرار زراعة القمح في منطقة "الجزيرة" التي تُعتبر سلّة سوريا الغذائية.

وبحسب القرار الذي أعلنته وزارة الصناعة، فإن السعر المحدد لا يتجاوز فعلياً 330 دولاراً للطن الواحد، وفق أسعار الصرف المحلية، إذ وصل سعر صرف الدولار الأميركي في السوق السوداء إلى 13900 ليرة للدولار الواحد.

القرار الأخير أثار موجة من الاحتجاجات الواسعة في الرقة والحسكة ودير الزور شمال شرق البلاد، كما امتدت التظاهرات لاحقاً إلى درعا وإدلب، وهي المدن المشهورة بزراعة القمح في سوريا.

وأقدم فلاحون محتجون على قطع بعض الطرق الرئيسية في الرقة ودير الزور، مطالبين بتعديل القرار ورفع سعر شراء القمح، لأن التسعيرة الحالية بنظر الكثير من الفلاحين "ظالمة ومجحفة".

وحول هذا الموضوع أكد الفلاح فارس الخلف من مدينة الرقة للميادين نت أن الاحتجاجات الشعبية لن تتوقف حتى تتراجع الحكومة عن قرارها الظالم بحق الفلاحين، الذين تعهدوا بعدم بيع محاصيلهم للدولة في حال الإبقاء على التسعيرة الحالية.

وأضاف الخلف بأن فلاحي الجزيرة واجهوا هذا العام ارتفاع تكاليف البذور والسماد والمحروقات وأجور النقل وأجور العمال، وبدلاً من أن تقف الحكومة إلى جانبهم، أصدرت قراراً يقضي على أراضيهم ومحاصيلهم.

ويشير خلف إلى أن تكاليف إنتاج طن واحد من القمح في الظروف الحالية تصل إلى قرابة 50 ألف ليرة من العملة الجديدة (ما يُعادل 5 ملايين من العملة القديمة)، "فكيف تقوم الحكومة بتسعير طن القمح بـ 46 ألف ليرة؟ وكيف للفلاح أن يبيع الحكومة محصوله بهذا السعر؟"، يتساءل.

الأحلام تبخرت

شهد موسم زراعة القمح هذا العام تحسناً ملحوظاً مقارنة بالأعوام الماضية، نتيجة الأمطار الغزيرة التي تساقطت خلال فصل الشتاء، ما وفّر على الفلاحين الكثير من الجهد في تأمين المياه، وهو ما ساهم أيضاً في زيادة المساحات المزروعة وتحسن الكميات المُنتجة.

كل ذلك ضاعف الآمال لدى الفلاحين بتعويض خسائر سنوات الجفاف الماضية، ولذلك، كان مزارعو القمح ينتظرون موعد تسليم القمح هذا الموسم بفارغ الصبر، لكنهم صُدِموا بالقرار الذي قضى على آمالهم بالكامل، ودفع عدداً منهم إلى التفكير في ترك زراعة القمح.

وخلال الاحتجاجات الأخيرة التي شهدتها مناطق شمال شرق سوريا، هدد بعض الفلاحين بإتلاف محاصيلهم الزراعية وعدم بيعها للحكومة في حال الإصرار على القرار.

هذا التهديد يكشف حجم الألم والخذلان الذي يعيشه مزارعو القمح، فعندما يقرر الفلاح إتلاف مصدر رزقه الوحيد، فهذا يعني أن الخسارة أكبر من الألم، وهي لم تعد تقاس بالمال فقط.

وبحسب الكثير من الفلاحين، كان من المفترض أن يشكل الموسم الحالي فرصة للنهوض بالواقع الزراعي، لا أن يتحول إلى عبء جديد يدفع الكثيرين إلى ترك أراضيهم والهجرة من القطاع الزراعي.

كما انتقد الفلاحون السياسة الزراعية للحكومة الانتقالية، معتبرين أنها تنظر إلى محصول القمح بعقلية تجارية قائمة على الربح والخسارة، برغم أن القمح يعد من أهم المحاصيل الاستراتيجية المرتبطة بالأمن الغذائي في البلاد، وأن خسائر الفلاحين ستنعكس سلباً على مختلف القطاعات الحيوية في البلاد.

تكاليف الإنتاج بالدولار والتسعير بالليرة

تقول مصادر حكومية إن التسعيرة الجديدة لمحصول القمح استندت إلى عوامل عديدة، منها: الأسعار العالمية للقمح، وكلفة الاستيراد بالدولار، وواقع الموازنة العامة، وحجم الدعم الذي تتحمله الدولة في ملف الخبز.

إضافة إلى ذلك، تشير المصادر إلى أنّ الحكومة الانتقالية تعمل ضمن إمكانات مالية محدودة، ورفع السعر بشكل كبير قد ينعكس مباشرة على تكلفة الخبز، وأسعار المواد الأساسية الأخرى.

في المقابل، تحدث فلاحون سوريون للميادين نت عن فرق كبير بين تسعير القمح العام الحالي، والتسعيرة الحكومية العام الماضي، حيث حددت دمشق سعر شراء القمح الموسم الفائت بـ450 دولاراً للطن الواحد، بينما انخفض السعر خلال العام الحالي إلى 330 دولار للطن الواحد، وهو ما شكّل صدمة كبيرة للفلاحين، خصوصاً أن السعر لم يراعِ تكاليف الإنتاج المرتفعة.

وفي هذا السياق، قال الفلاح عبد الإله حمّادي من دير الزور للميادين نت إن أسعار البذور والأسمدة والمحروقات وأجور الحراثة وحراسة الأراضي ارتفعت هذا العام إلى مستويات قياسية.

وأضاف: "المشكلة الأكبر بالنسبة للفلاحين، كانت تسعير تكاليف الإنتاج بالدولار الأميركي، بينما يتم شراء المحاصيل من الفلاحين بالليرة السورية، وهو ما خلق فجوة كبيرة بين تكاليف الإنتاج وسعر الشراء، لذلك فإن العدل يكون بتسعير طن القمح بالدولار وليس بالليرة".

ولا تكمن المشكلة الأخطر على الفلاحين في الموسم الحالي فقط، بل في تعاظم مخاوفهم من المستقبل، إذ بات الكثير من المزارعين يفكرون في تقليص المساحات المزروعة بالقمح، والتحول إلى محاصيل أخرى أقل تكلفة وأكثر ربحية، وهو ما يهدد زراعة القمح داخل سوريا، في ظل غياب أيّ دعم حكومي للفلاحين.

أمام هذا الواقع، يجب التأكيد على أن القمح في سوريا ليس مجرد محصول زراعي، بل قضية أمن غذائي واستقرار اجتماعي واستراتيجي، وإن أيّ تراجع في زراعته مستقبلاً قد تكون كلفته أعلى بكثير مما تتخيّل الحكومة الانتقالية، التي يجب عليها التحرك سريعاً لمعالجة مشاكل الفلاحين.

اخترنا لك