عملية بارسكيل.. الهندسة الخفية للرأي العام الأميركي (2)
تثير محاولات التأثير في القرار الأميركي عبر حملات النفوذ الرقمية وشبكات المؤثرين أسئلة متزايدة حول سيادة الولايات المتحدة، خصوصاً في ملفات الحرب والسياسة الخارجية.
-
عملية بارسكيل.. الهندسة الخفية للرأي العام الأميركي (2)
في الحالة التي تمثلها عملية بارسكيل الهادفة إلى التأثير في صناعة القرار الأميركي وفي مجتمع مؤيدي الرئيس، لا تكمن الخطورة الأساسية في أن الرسالة مؤيدة لـ"إسرائيل" أو معارضة لإيران. فالأميركيون يرون أن من حق الدول الدفاع عن سياساتها، ومن حق الأميركيين تبني الموقف الذي يرونه مناسباً. لكن الخطر يبدأ عندما تستخدم دولة أجنبية المال والبيانات وشبكات المؤثرين لاستهداف جماعات أميركية بعينها بغرض تغيير حسابات القيادة السياسية في قضايا الحرب والسلام، ويرتفع الخطورة إلى حدٍ حرج حين يقود هذا التأثير الدولة إلى الحرب!
أولاً: التأثير في قرار استخدام القوة
إذا كانت الحملة تهدف إلى دفع قاعدة ترامب نحو تأييد موقف إسرائيلي من إيران، أو إلى معاقبة الرئيس سياسياً عندما يتجه إلى تسوية لا ترضي حكومة نتنياهو، فإنها تقترب من صميم السيادة الأميركية، لأنها تمس الأسئلة الكبرى. من يقرر متى تحارب الولايات المتحدة، ومتى تتفاوض؟
القرار العسكري هو أكثر القرارات السيادية حساسية، لأنه يتعلق بحياة الجنود، والإنفاق العام، والاقتصاد، والاستقرار الداخلي، ومكانة الولايات المتحدة الدولية. وعندما تحاول حكومة أجنبية هندسة ضغط داخلي لدفع الرئيس إلى الحرب أو منعه من التسوية، فإنها لا تمارس مجرد دبلوماسية عامة، بل تسعى إلى تعديل حساب التكلفة السياسية الذي يبني عليه الرئيس قرارات الأمن القومي.
وقد كان من المثير للاهتمام في هذا السياق توجيه نائب الرئيس جي دي فانس اتهاماتٍ مباشرة إلى جهات في الحكومة الإسرائيلية بمحاولة التأثير في الرأي العام الأميركي وإدامة الحرب مع إيران وتقويض جهود التسوية، وقد أشار في هذا السياق إلى عقد بارسكيل. وسواء كانت هذه الاتهامات موضع اتفاق داخل الإدارة أم لا، فإن صدورها عن نائب الرئيس يعكس وصول المسألة إلى مستوى صراع داخل مركز القرار الأميركي نفسه.
ثانياً: اختراق الدائرة المحيطة بالرئيس
الخطر الثاني هو أن بارسكيل ينتمي إلى البيئة السياسية والشخصية التي ساهمت في صناعة الترامبية. فالتأثير القادم عبر شخصيات سابقة في حملة الرئيس أكثر قدرة على تجاوز الحواجز التي تواجه الدبلوماسيين أو جماعات الضغط التقليدية.
كما أن وجود مسؤول انتخابي سابق، يمتلك علاقات وثيقة داخل الحزب الحاكم وقاعدة الرئيس الإعلامية، على رأس حملة تمولها حكومة أجنبية يخلق هامشاً واسعاً للمناورة بين الاستشارة التجارية، والعمل السياسي، والنفوذ الخارجي. ولا يشترط لحدوث الخطر أن يتلقى الرئيس أو مساعدوه أوامر مباشرة، إنما يكفي أن تنجح الحملة في خلق انطباع بأن القاعدة غاضبة، وأن المؤثرين انقلبوا، وأن استمرار مسار تفاوضي معين سيؤدي إلى خسارة انتخابية. عندها قد يُعاد تشكيل القرار الرسمي استجابة لبيئة سياسية مصطنعة جزئياً.
ومن يراقب عملية صنع القرار في البيت الأبيض هذه الأيام، يدرك بوضوح أن هذه الضغوط تثمر في زيادة توتر الرئيس، وجنوحه نحو الاستجابة للحماسة التي يبديها الصقور حيال الأزمة الإيرانية، في حين أن هؤلاء يكونون عادةً وكما تقول التجربة، أول المشاركين في إعدام الرئيس معنوياً إذا انقلبت عليه الحرب بمخرجاتها.
ثالثاً: تحويل الانقسام الداخلي إلى مدخل خارجي
تؤكد تقارير المؤسسات الأمنية الأميركية بصورةٍ مستمرة أن الجهات الأجنبية تستغل الانقسامات الاجتماعية والسياسية الموجودة أصلاً، ولا تحتاج دائماً إلى اختراعها. وقد حذرت أجهزة الاستخبارات والأمن الأميركية في تقارير سابقة من أن روسيا وإيران والصين تنظر إلى فترات الانتخابات باعتبارها لحظات ضعف يمكن خلالها تعميق الاستقطاب وتقويض الثقة بالمؤسسات.
حسناً، ينطبق هذا المنطق من حيث الآلية، لا من حيث النية أو التحالف، على أي حملة أجنبية تستهدف جناحاً حزبياً ضد جناح آخر، أو تستخدم الخلاف بين المحافظين التقليديين والمحافظين الانعزاليين لتوجيه السياسة الأميركية.
وتزداد الخطورة عندما تصبح العلاقة مع "إسرائيل" جزءاً من حرب الهوية داخل اليمين الأميركي، بين من يرى دعم "إسرائيل" التزاماً دينياً وأمنياً، ومن يرفع شعار "أميركا أولاً" ويرفض التورط في حروب خارجية. في هذه الحالة، تتجاوز الحملة الإسرائيلية محاولة تحسين صورة دولة في الخارج، لتصبح تدخلاً في عملية إعادة تشكيل الهوية الأيديولوجية لأحد الحزبين الكبيرين. وبالمناسبة، هذا الموضوع تحديداً يتوسع فيه النقاش داخل أميركا في الآونة الأخيرة.
رابعاً: إضعاف صدقية مكافحة التدخلات الأجنبية
لا تستطيع واشنطن إقناع مواطنيها بأن النفوذ الروسي أو الصيني أو الإيراني يمثل خطراً وجودياً، ثم تتعامل بتساهل مع أدوات مشابهة عندما تستخدمها حكومة حليفة. والمشكلة هنا ليست أخلاقية فقط، بل مؤسساتية. فالانتقائية تقوض الثقة في الاستخبارات ووزارة العدل والكونغرس، وتسمح لكل طرف باتهام الدولة العميقة بأنها لا تكافح التدخل الأجنبي، بل تكافح التدخل الذي يضر بمعسكر سياسي معين وتتغاضى عن التدخل الذي يخدمه.
وإذا أصبح معيار قبول التدخل الأجنبي هو هوية الدولة المتدخلة، لا طبيعة السلوك الذي تمارسه، فإن مفهوم الأمن القومي سيتحول إلى أداة للصراع الحزبي. عندها سيعدّ الجمهوري التدخل الروسي مقبولاً إذا خدم مرشحه، فيما سيرى الديمقراطي بعض أشكال النفوذ القادم من الدول الحليفة مشروعة إذا انسجمت مع سياساته. وبهذا، تفقد الدولة قدرتها على بناء معيار موحّد يحمي مجالها السياسي من التدخلات الخارجية، بصرف النظر عن مصدرها.
خامساً: تلويث الأفكار
وصفت وزارة العدل عمليات النفوذ الخفي بأنها محاولات لتشويه "سوق الأفكار"، عبر إخفاء المصدر الحقيقي للرسالة وزرع الانقسامات وتقديم خطاب أجنبي على أنه موقف محلي مستقل.
والمشكلة وفق الفهم الديمقراطي التقليدي ليست في أن تتنافس الأفكار، بل في أن يدخل طرف إلى المنافسة بعلمٍ مزيف، أو بنقل بهويةٍ زائفة. فإذا عرف المواطن أن إعلاناً ممول من حكومة "إسرائيل" أو روسيا أو إيران، يستطيع تقييمه على هذا الأساس. أما عندما تصل الرسالة عبر مؤثر أميركي، أو حسابات مصطنعة، أو محتوى جرى تحسينه خوارزمياً، فإن المواطن يشارك في نقاش لم تُكشف له قواعده ولا ممولوه. وهذا يضر بقدرة المجتمع على تكوين آرائه السياسية من دون عملية هندسة خفية مدارة تنفذها جهات خارجية.
ليست العملية الأولى
ومع ذلك كله، لا تظهر حملة بارسكيل من فراغ. ففي عام 2024، كشفت تقارير أخرى أن وزارة شؤون الشتات الإسرائيلية موّلت حملة رقمية استخدمت حسابات مزيفة ومحتوى مولداً بالذكاء الاصطناعي لاستهداف أعضاء في الكونغرس والجمهور الأميركي، وحثّهم على دعم الموقف الإسرائيلي في حرب غزة. كما أعلنت "أوبن أي آي" تعطيل نشاط لشركة إسرائيلية تدعى STOIC استخدمت نماذج الذكاء الاصطناعي في عملية تأثير سرية.
وفي حملات أخرى مسجلة بموجب قانون FARA أيضاَ، استُخدمت تقنيات الاستهداف الجغرافي للوصول إلى كنائس ومؤسسات دينية في الولايات المتحدة برسائل مؤيدة لإسرائيل، ما أثار اعتراضات تتعلق بالخصوصية ومراقبة التجمعات الدينية.
كما أفادت تقارير أخرى خلال العام الحالي بأن شركات مرتبطة ببارسكيل عملت على إنتاج ونشر محتوى مصمم لكي يظهر بكثافة في نتائج البحث، وربما يدخل ضمن المواد التي تعتمد عليها أنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدي، بهدف جعل إجابات هذه الأنظمة أكثر انسجاماً مع الرواية الإسرائيلية. ولم يثبت أن هذه الجهود نجحت في تغيير مخرجات أنظمة الذكاء الاصطناعي بصورةٍ جوهرية، لكن مجرد محاولة التأثير في البنية المعرفية التي يستقي منها الجمهور معلوماته تمثل تطوراً نوعياً في حروب النفوذ.
الأمر إذاً أننا هنا أمام انتقال من الدعاية الموجهة إلى الأفراد إلى محاولة التأثير في الوسط المعلوماتي نفسه. أي في نتائج البحث، والمحتوى المرجعي، والخوارزميات، والمصادر التي تستند إليها نماذج الذكاء الاصطناعي.
المفارقة الإسرائيلية حاضرةٌ دوماً في أميركا
لطالما تمتع النفوذ الإسرائيلي داخل الولايات المتحدة بغطاء استثنائي نابع من التحالف الاستراتيجي، والتقارب العسكري والاستخباري، والدعم القوي لـ"إسرائيل" داخل الحزبين، وتأثير الجماعات الإنجيلية، وشبكات الضغط السياسي والتمويل الانتخابي.
لكن التحالف لا يلغي تعارض المصالح. قد تريد "إسرائيل" ضربة عسكرية ضد إيران في لحظة ترى فيها الإدارة الأميركية أن التسوية أفضل. وقد ترغب حكومة إسرائيلية في استمرار حرب ترى قطاعات أميركية أنها تستنزف الولايات المتحدة. وقد تسعى إلى تحييد أصوات داخل الكونغرس أو الحزب الجمهوري تعارض سياساتها. من هنا، فإن السؤال ليس ما إذا كانت "إسرائيل" حليفاً أم خصماً، بل ما إذا كان سلوكها يحترم استقلال القرار الأميركي أم أنه يحاول بصورةٍ مافيوزية ومتواصلة تجاوز حدود التحالف المعلن، والعمل على التحكم في القرار في أقوى دول العالم، لكن متى؟ في لحظة صراعها الكبير الذي تسعى فيه باستماتة إلى عدم فقدان الوضع الاستثنائي لها في قمة النظام الدولي. هنا تخاطر "إسرائيل" بمستقبل أميركا كله، حين تحاول توجيهه لمصلحتها، وهو ما استشعرته حاسة جزء وازنٍ من "ماغا" بوضوح.
تاريخياً، يركز الخطاب الأمني الأميركي على ما يصفه بـ"النفوذ الخبيث" الآتي من الخصوم، لأن هؤلاء يسعون إلى إضعاف الولايات المتحدة. أما الحليف فيقول عادة إنه يحاول تعزيز التحالف أو شرح موقفه. لكن النية المعلنة لا تلغي أثر الأداة المستخدمة. فاستهداف الناخبين، وتمويل المؤثرين، وإخفاء المصدر الفعلي للرسالة، واستخدام بيانات سياسية دقيقة، كلها قد تؤدي إلى النتيجة السيادية نفسها. وهي تغيير السياسة الداخلية لمصلحة حكومة خارجية.
فشل الحملة لا يلغي خطورتها
على الرغم من تلك الجهود كلها، ومخاطرها العالية، يسجل تقرير مجلة "تايم" فشل الحملة التي قادها بارسكيل في وقف تراجع التأييد لـ"إسرائيل" بين الشباب والمحافظين، بل يؤكد أن النتيجة أثارت غضب مسؤولين إسرائيليين رأوا أن الأموال الكبيرة التي أنفقت لم تحقق النتائج المطلوبة.
لكن فشل عملية النفوذ لا يجعلها أقل أهمية من الناحية الأمنية. فمحاولة الاختراق تبقى خطرة حتى عندما تفشل. كما أن قياس النجاح بعدد المؤيدين فقط قد يكون مضللاً؛ فقد تفشل الحملة في تحسين صورة "إسرائيل"، لكنها تنجح في وضع قضايا معينة على جدول النقاش، أو في الضغط على مسؤولين، أو في تأخير قرار، أو في تخويف سياسيين من كلفة اتخاذ موقف مستقل. بل إن الفشل نفسه قد يدفع الجهة الأجنبية إلى تبني أدوات أكثر تطوراً وسرية، واستخدام وسطاء جدد، أو الانتقال من المؤثرين المعروفين إلى شبكات حسابات صغيرة يصعب تتبعها.
وتكشف قضية بارسكيل تحولاً أوسع في السياسة الدولية. فعمليات التأثير لم تعد تنفذها أجهزة الاستخبارات والسفارات وحدها، بل شركات خاصة ومستشارون سياسيون وخبراء بيانات ومؤثرون ومنصات رقمية. هذا النموذج يمنح الدولة الأجنبية إمكان الإنكار، ويوسع المسافة بينها وبين العملية، ويجعل التمييز بين النشاط التجاري والنشاط السياسي أكثر صعوبة. كما يسمح للخبرات التي طورت داخل الحملات الانتخابية الأميركية بأن تباع لحكومات أجنبية، ثم يعاد استخدامها للتأثير في الجمهور الأميركي نفسه.
بهذا المعنى، يشبه مستشار الحملات الرقمية شركة أمنية خاصة، حيث يكتسب أدواته من العمل داخل النظام، ثم يعرضها في السوق الدولية، وقد تعود هذه الأدوات لاحقاً لتستخدم ضد البيئة التي أنتجتها.
ويبدو أن الولايات المتحدة تحتاج إلى التعامل مع النفوذ الأجنبي وفق معيار السلوك، لا وفق هوية الدولة. وهذا يقتضي توسيع متطلبات الإفصاح لتشمل المؤثرين والمقاولين الفرعيين، ووضع إشارات واضحة على المحتوى الممول من حكومات أجنبية، ومنع استخدام بيانات الناخبين الحساسة في حملات أجنبية، وتشديد الرقابة على انتقال مسؤولي الحملات الانتخابية السابقين إلى العمل لمصلحة دول أخرى.
كما تبدو حاجة واشنطن أكثر إلحاحاً للفصل القانوني بصورة أوضح بين الدبلوماسية العامة المشروعة وبين الحملات التي تستهدف تغيير قرارات الأمن القومي من خلال ضغط سياسي مخفي أو شبه مخفي. ولا يكفي أن تسجل الشركة الأم نفسها لدى وزارة العدل إذا كانت الرسالة تصل إلى المواطن مجردة من هوية ممولها.
إن مركز مكافحة النفوذ الأجنبي في مكتب مدير الاستخبارات الوطنية يعرّف مهمته بأنها مواجهة محاولات الجهات الأجنبية التأثير في الحكومة والرأي العام والسلوك، سواء بوسائل علنية أو سرية. وهذا التعريف ينبغي تطبيقه على الحلفاء والخصوم معاً، مع مراعاة اختلاف درجات التهديد والنية والوسيلة. لأن الخطر الحقيقي لا يتمثل فقط في أن دولة أجنبية تريد إقناع الأميركيين بموقفها. كل الدول تفعل ذلك.
الخطر يبدأ عندما تحاول هذه الدولة شراء الثقة الاجتماعية، وإدارة الضغط الحزبي، والتأثير في قرار الحرب، وتقديم مصالحها باعتبارها إرادة أميركية تلقائية. ليعلو الصوت بالسؤال الأشد خطورة الذي تواججه أميركا اليوم على مرمى حجرٍ من محطة انتخابية مفصلية. من يصنع الإرادة السياسية الأميركية، ومن يملك القدرة على جعل القرار الأجنبي يبدو كأنه صوت الداخل؟