عام دراسي على وقع الحرب.. كيف تستعيد مدارس جنوب لبنان تعليمها؟

مع انطلاق العام الدراسي، يعود طلاب جنوب لبنان إلى التعليم وسط أضرار لحقت بالمدارس، وفاقد تعليمي متراكم، وأعباء اقتصادية ومخاوف أمنية لا تزال قائمة.

  • أضرار كثيرة لحقت بمدارس جنوب لبنان
    أضرار كثيرة لحقت بمدارس جنوب لبنان، بينها ما يمكن تأهيله وأخرى تحتاج إلى وقت أطول

مع بدء العام الدراسي، يواجه التعليم في جنوب لبنان واحدة من أصعب مراحل ما بعد الحرب، في ظل أضرار طالت المدارس، وفاقد تعليمي تراكم بفعل انقطاع الدراسة، وأعباء اقتصادية متزايدة تثقل كاهل الأسر، فيما لا يزال الوضع الأمني هشاً.

وبينما تحاول الإدارات التربوية والبلديات تأمين عودة الطلاب إلى مقاعد الدراسة، تتجه مبادرات أهلية إلى سدّ بعض فجوات الدعم وتخفيف كلفة التعليم. لكن التحدي الأبرز يبقى ضمان تعليم منتظم وآمن لطلاب يعيشون تداعيات الحرب يومياً.

أضرار جسيمة وفاقد تعليمي متراكم

يكشف واقع التعليم في جنوب لبنان حجم الأضرار التي خلفتها الحرب، في وقت تتقاطع تداعياتها مع أزمة تعليمية متراكمة وفاقد تعليمي يثقل كاهل التلامذة والمدارس.

وبحسب وزارة التربية والتعليم العالي، تضررت 352 مدرسة رسمية وخاصة جراء الحرب، بينها 26 مدرسة دُمرت بالكامل، وطالت الأضرار أكثر من 125 ألف طالب، إضافة إلى 35 مؤسسة للتعليم المهني والتقني، بينها 4 مؤسسات دُمرت كلياً. وفي الجنوب، دُمرت 8 مدارس في بنت جبيل، و7 في مرجعيون، و4 في صور، وواحدة في النبطية، فيما تحتاج نحو 100 مدرسة إلى أعمال ترميم وصيانة.

وفي تقييم أجرته الوزارة بدعم من اليونيسف، تبيّن تضرر 340 مدرسة وتدمير 17 مدرسة بالكامل، مع تحذير من احتمال عدم عودة نحو 100 ألف طفل إلى مقاعد الدراسة إذا لم تُنجز أعمال التأهيل المطلوبة.

وتتجاوز تداعيات الحرب الأضرار المادية إلى فجوات تعليمية تراكمت خلال سنوات الأزمة. فبحسب تقرير للمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في بيروت، تأثر نحو نصف مليون تلميذ و45 ألف معلم، وحُرم أكثر من 250 ألف تلميذ من التعليم، فيما خسرت المدارس 3 أيام تعلم من أصل كل 5 أيام.

وخلال الحرب، تحولت 50% من المدارس الرسمية إلى مراكز إيواء، ودُمرت أو تضررت بشدة أكثر من 100 مدرسة. كما لم يلتحق أكثر من نصف الأطفال النازحين بالتعليم الابتدائي، فيما لم يلتحق 6 من كل 10 مراهقين بالتعليم الثانوي، واحتاجت أكثر من 8 من كل 10 أسر نازحة إلى الإنترنت والأجهزة الرقمية لمتابعة التعليم.

وامتدت التداعيات إلى الصحة النفسية، إذ كان الدعم النفسي والاجتماعي من أبرز الاحتياجات غير الملباة لأكثر من 40 ألف طفل في مراكز الإيواء، بما يعكس عمق الأزمة التي خلّفتها الحرب على قطاع التعليم، وحاجة الأطفال إلى حماية حقهم في التعلم خلال الطوارئ.

شهادات الأهالي: نستعد للعام الدراسي برغم المخاطر

برغم المخاطر الأمنية وارتفاع كلفة التعليم، يستعد أهالي القرى الجنوبية لعام دراسي جديد، باعتبار التمسك بالتعليم جزءاً من الصمود في مواجهة تداعيات الحرب والاحتلال.

توضح سماح عطوي، وهي أم لولدين من بلدة الناقورة التي تحتلها القوات الإسرائيلية حالياً، أن المدرسة تعمل على إيجاد مبنى بديل في موقع آمن ضمن منطقة صور، وقد باشرت استطلاع آراء الأهالي عبر استبيان لتحديد احتياجاتهم وتفضيلاتهم.

وبالتوازي، تعمل البلدية على تأمين حسومات على أسعار القرطاسية لأبناء البلدة، في ظل الأعباء الاقتصادية المتزايدة التي تواجه الأسر.

وتلفت عطوي إلى أن أبرز تحديات العام الدراسي تتمثل في ضمان عدم تجدد الحرب وتأمين الاستقرار والأمان للتلامذة، وتجنب التعليم عن بُعد بسبب الفاقد التعليمي المتراكم، إضافة إلى تردي الأوضاع المعيشية وما يفرضه من أعباء على الأسر، ولا سيما النازحة منها.

وتؤكد أن تمسك الأهالي بحق أبنائهم في التعلم، برغم المخاطر الأمنية والظروف الاقتصادية، يمثل فعلاً من أفعال الصمود.

وفي القليلة، المحاذية لما يُعرف بـ"الخط الأصفر"، تستعد مريم نصر الله، وهي أم لخمسة أبناء، للعام الدراسي وسط أجواء أمنية غير مستقرة.

وتؤكد نصر الله أن أبناءها يستعدون للعودة إلى المدرسة بحماس، برغم المخاطر المحيطة وأصوات الغارات والقصف على قرية المنصوري المحتلة المجاورة.

وترى أن تجدد الحرب يبقى التحدي الأكبر، لما يرافقه من مخاوف أمنية وأعباء اقتصادية، خصوصاً أن العائلات ادخرت ما استطاعت لتأمين تسجيل أبنائها وشراء المستلزمات المدرسية.

وتؤكد أن الأولوية بالنسبة إلى الأهالي هي استقرار الوضع الأمني، بما يتيح لأبنائهم متابعة عامهم الدراسي بأمان ومن دون نزوح أو انقطاع عن التعليم، مشيرة إلى عدم تسجيل أي مبادرات حتى الآن لمساعدة الأهالي في تحمل تكاليف العام الدراسي.

المدارس وتحديات العودة

مع اقتراب انطلاق العام الدراسي، تواجه مدارس الجنوب تحديات متشابكة، فيما تعمل إدارات المدارس على إعادة تجهيز المؤسسات وتأمين عودة الطلاب إلى مقاعد الدراسة.

توضح الأستاذة نايفة فقيه، مديرة مدرسة الشهيد محمد زعرور الرسمية في صريفا، للميادين نت أن المدرسة كانت مركزاً لإيواء النازحين خلال الحرب، قبل أن تتسلّمها الإدارة مجدداً مطلع أيلول/سبتمبر الحالي، ضمن خطة لإعادة تجهيزها واستقبال الطلاب مع انطلاق العام الدراسي في 15 أيلول/سبتمبر.

وبلغ عدد التلامذة 179 تلميذاً، مقابل 21 معلماً في العام الماضي، مع توقع ارتفاع العدد نتيجة انتقال طلاب من المدارس الخاصة والتحاق طلاب من القرى الحدودية.

وتشير فقيه إلى أن عودة أبناء البلدة كانت واسعة، بدعم من التكافل الاجتماعي، إذ أقام أصحاب المنازل المهدمة لدى أقاربهم أو في مراكز الإيواء.

وتؤكد أن الفاقد التعليمي يمثل أحد أبرز التحديات، مع إمكانية إجراء امتحان تشخيصي في بداية العام لتحديد مستويات الطلاب وحاجاتهم، مشددة على أهمية الدعم التعليمي، لأن التعليم عن بُعد لا يعوّض التعليم الحضوري.

أما الهواجس الأمنية، فتبقى التحدي الأكبر أمام استقرار العام الدراسي، فيما تستعد الإدارة لخطة بديلة للتعليم عن بُعد عند الضرورة.

وفي موازاة ذلك، تعمل وزارة التربية على مسح شامل لأوضاع الطلاب والأساتذة واحتياجاتهم، تمهيداً لتحديد التدخلات المطلوبة.

مبادرات بلدية وأهلية لضمان استمرار التعليم

في ظل ارتفاع كلفة التعليم وغياب الاستقرار الأمني، تتجه البلديات والأهالي في عدد من قرى الجنوب إلى إطلاق مبادرات لدعم الطلاب وتخفيف الأعباء عن عائلاتهم، بما يساعد على ضمان استمرارية التعليم.

وتتولى بلدية عيترون جانباً أساسياً من دعم الطلاب، فتتكفل بتغطية نفقات تسجيلهم في المراحل التي توفرها ثانوية الشهيد حسين عواظة، وتعمل على تأمين مبنى بديل وآمن في منطقة صور ومحيطها، مع اعتماد التعليم الحضوري أو المدمج وفق الظروف.

كما تلتزم البلدية بتأمين النقل لطلاب الثانوية إلى موقع التعليم المستحدث، وتتيح لأبناء البلدة التسجيل مجاناً في متوسطة الشهيد سعيد مواسي الرسمية، مع تغطية تكاليف النقل عند اعتماد التعليم الحضوري، في محاولة لضمان استمرارية التعليم برغم الظروف الأمنية والاقتصادية.

وبالتوازي، برزت مبادرات أهلية لتخفيف كلفة التعليم، أبرزها مجموعات "واتساب" في صريفا لتبادل الكتب والقرطاسية والمستلزمات المدرسية مجاناً أو بأسعار رمزية، إلى جانب حملة تبرعات أطلقها تجمع شباب معركة لتأمين القرطاسية للطلاب.

كما أطلقت التعبئة التربوية حملة "علم ينشر" لدعم تعليم الطلاب المتعففين، عبر جمع مساهمات مالية تساعد في تغطية احتياجاتهم التعليمية، بما يخفف عن أسرهم جزءاً من أعباء العام الدراسي.

وتشمل المبادرة أيضاً تقديم منح دراسية للراغبين في الالتحاق بمعاهد التعليم المهني، وإنشاء مكتبات إعارة في عدد من المناطق تتيح الحصول على الكتب المستعملة بأسعار رمزية، وتشجع العائلات على التبرع بالكتب التي لم تعد تحتاج إليها، بما يعزز شبكة الدعم المجتمعي ويخفف الأعباء عن الأسر.

اخترنا لك