دمشق تعيد تسليم الحوالات بالليرة.. جوة الصرف تلتهم أموال العائلات
أثار قرار مصرف سوريا المركزي إلزام شركات الصرافة بتسليم الحوالات الخارجية بالليرة السورية جدلاً واسعاً، وسط مخاوف من خسائر كبيرة للمواطنين وعودة الاعتماد على السوق السوداء.
-
ارتفع سعر الدولار اليوم في سوريا الأربعاء 27 مايو/أيار 2026، في السوق الموازية (السوداء) بمختلف المدن
أمام مقر شركة "الفؤاد" للصرافة في شارع بغداد وسط العاصمة السورية دمشق، يقف سامر الأقرع (63 عاماً) حائراً بعد استلامه حوالة من ابنه في ألمانيا تبلغ 200 دولار أميركي.
وعلى عكس الحالة الطبيعة، استلم الأقرع هذه المرة الحوالة بالليرة السورية بدلاً من الدولار الأميركي، بعد قرار صدر مؤخراً من مصرف سوريا المركزي يفرض تسليم الحوالات الخارجية بالليرة السورية بدلاً من العملات الأجنبية.
والمفاجئ بالنسبة للرجل كان استلام المبلغ وفقاً لسعر المصرف المركزي المحدد بـ11250 ليرة سورية، في حين يبلغ سعر الصرف في السوق السوداء 13500 ليرة، أي أن الرجل خسر من الحوالة مبلغ 200 ألف ليرة عن كل مئة دولار.
يقول الأقرع للميادين نت: "هذه الحوالة هي مصدر دخلي الوحيد شهرياً، وجرت العادة أن أستلمها بالدولار الأميركي، لكن هذه المرة تفاجأت بالقرارات الجديدة الصادرة عن المصرف المركزي، ما يعني أننا نعود إلى قرارات مماثلة كانت سائدة في عهد النظام السابق، تقضي بتسليم الحوالات الخارجية بسعر أقل بكثير من سعر السوق السوداء".
ويتابع الأقرع: "خلال الأشهر الماضية تم الإعلان عن إلغاء العقوبات الاقتصادية الغربية عن سوريا، واعتقدنا أن الأوضاع المعيشية في طريقها للتحسن، لكن يبدو أننا ندور في حلقة مفرغة"، وتساءل: "كيف يمكن للمواطن أن يوازن بين تكاليف المعيشة المضنية والدخل شبه المعدوم؟ ولماذا تعمل الحكومة على فرض مثل هكذا قرارات في ظل الظروف التي يواجهها السوريون الذين يعيشون على الحوالات الخارجية؟".
حال سامر الأقرع كحال الكثير من السوريين الذين يعتمدون على الحوالات الخارجية في تأمين مصروفهم اليومي، لكنهم وجدوا أنفسهم مؤخراً أمام قرار اعتبروه "غير واقعي"، نظراً للأزمات المعيشية التي تفوق إمكانياتهم على تحملها.
قرار مثير للجدل
قبل أيام، أصدر مصرف سوريا المركزي قراراً يُلزم جميع المصارف وشركات الصرافة المتعاقدة مع شبكات التحويل العالمية مثل "موني غرام" و"ويسترن يونيون" و"سويفت" بتسليم الحوالات الخارجية للمستفيدين بالليرة السورية فقط، مع تحديد سعر صرف الدولار الأميركي بحسب النشرة الرسمية للمصرف.
وأثار القرار مخاوف كبيرة بين السوريين، في ظل القلق من انعكاساته السلبية على القدرة الشرائية للمواطنين في ظل الفجوة بين القيمة التي أعلنها المصرف المركزي لسعر الصرف، والقيمة في السوق السوداء، وهو ما يُعيد إلى الأذهان القرارات التي كانت سائدة في ظل النظام السابق، عندما كان الفرق بين السعرين يصل إلى نحو 4000 ليرة للدولار الواحد.
هذا الأمر قد يدفع الكثير من المغتربين لإلغاء الاعتماد على القنوات الرسمية في إرسال حوالاتهم، واللجوء إلى قنوات غير نظامية لإيصال الأموال لذويهم، ما قد يُساهم في تعزيز قبضة السوق السوداء على أسعار الصرف.
وجاء القرار الأخير بعد تخبط إداري بين المصرف المركزي وشركات الحوالات، حيث أصدرت إحدى الشركات الخاصّة قراراً، نقلاً عن المصرف، باعتماد الليرة السورية لتسليم الحوالات الخارجية، قبل أن يخرج المصرف المركزي لنفي صحة هذا القرار، قبل أن يعود لاحقاً وينشر بياناً ويؤكد فيه صحة القرار المُتداول، ما يكشف حالة من الارتباك في إدارة السياسة النقدية داخل مصرف سوريا المركزي.
ويشهد سعر صرف الليرة السورية مقابل الدولار الأميركي انهياراً حاداً، حيث انخفض من نحو 11500 ليرة للدولار الواحد إلى قرابة 13500 ليرة، مع ثبات سعر الصرف الرسمي عند حاجز 11250 ليرة.
وتشير المعطيات إلى أن سعر الصرف في طريقه للانخفاض أكثر خلال الفترة المقبلة نظراً لغياب المشاريع الاستثمارية، واستمرار الركود، وارتفاع معدلات البطالة والتضخم في البلاد.
وحول هذا الموضوع، يؤكد عدنان وهيب صاحب محل تجاري في منطقة "المهاجرين" بدمشق للميادين نت أن الأسواق تشهد حالة غير مسبوقة من الركود، وسط انخفاض عمليات البيع والشراء إلى مستويات متدنية للغاية، بمقابل ارتفاع تكاليف العمل بشكل كبير.
ويقول وهيب: "أسعار المواد الغذائية والاستهلاكية شهدت ارتفاعات قياسية خلال الأشهر الماضية، كما جاءت فواتير الكهرباء الفلكية لتضرب عصب الأسواق التجارية، وكل ذلك يُضاف إلى انخفاض القدرة الشرائية للسوريين، وهو ما يُعرّض التجار وأصحاب المحال لخسائر كبيرة قد تعصف بأعمالهم".
هل فرض المصرف المركزي ضريبة على الحوالات؟
خلال سنوات الحرب، اضطر ملايين السوريين للسفر خارج البلاد بحثاً عن حياة كريمة وهرباً من المعارك العسكرية، وقُدّر عدد السوريين في الشتات "المهاجرين واللاجئين" بنحو 8 إلى 10 ملايين شخص حول العالم، منهم أكثر من 6.5 مليون لاجئ مسجل لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين حتى أواخر 2024.
وأمام هذا الواقع، أصبح عدد كبير من السوريين في الخارج هم المعيلون لعائلاتهم داخل سوريا، عن طريق الحوالات المالية التي يتم إرسالها شهرياً إلى البلاد.
قبل سقوط نظام الأسد، لم تكن خدمة تسليم الحوالات بالدولار متاحة لأحد، وكان التسليم يتم بالليرة السورية، حسب السعر الذي يحدده المصرف المركزي، والذي كان يقلّ بمقدار 4000 ليرة عن سعر الصرف في السوق السوداء، لذلك كان المغتربون يلجؤون إلى طرق تحويل بديلة عن القنوات الرسمية لإيصال الأموال إلى عائلاتهم.
بعد سقوط النظام، تُركت حرية عمليات التحويل للشركات المرخصة، بحسب رغبة المستلم إن كانت بالدولار أو بما يوازيها بالليرة السورية حسب سعر صرف السوق السوداء، وانتهت هكذا ظاهرة التحويل خارج الأطر القانونية.
لكن ما فعله المصرف المركزي مؤخراً بإعادة قرار تسليم الحوالات بالليرة السورية، أعاد شبح السوق السوداء والفجوة المالية إلى السوريين.
وفي هذا السياق، حذّر خبراء من أن المصرف المركزي قد يكون فرض ضريبة "ضمنية" على الحوالات الخارجية، حيث يتم تسليم مبلغ الحوالة بسعر أقل من سعر السوق السوداء بمقدار ألفي ليرة، وهذا الفرق قد يكون "ضريبة" على عملية التحويل إلى سوريا.
ويضيف الخبراء بأن هذه "الضريبة" رُبما تُضاف إلى رسوم التحويل التي يتم اقتطاعها من المبلغ الأساسي، والتي تتراوح غالباً بين 4 إلى 5%، حيث يتم اقتطاع نحو 5 دولارات من كل 100 دولار محوّلة، وهذه الأعباء المالية تنعكس سلباً على كل من المُرسل والمُتلقي.
وبرغم التساؤلات الجوهرية التي خلّفها القرار الأخير، إلا أن المصرف المركزي لم يصدر توضيحات كافية حول المخاوف التي أبداها السوريون، ما يترك الباب مفتوحاً أمام الكثير من التكهنات، وخاصة تلك المتعلقة بإمكانية عودة التخبط الاقتصادي الذي كان سائداً أيام النظام السابق.