تكسير الركام بأساليب بدائية: مصدر رزق محفوف بالمخاطر في غزة

بين الأنقاض والحديد المتشابك، يعمل عمال في غزة على تكسير الركام وفرزه وإعادة استخدامه، في مهنة فرضها الدمار وتحيط بها مخاطر الذخائر غير المنفجرة وانهيار المباني وغياب وسائل السلامة.

  • "تكسير الركام".. مهنة شاقة ومحفوفة بالمخاطر في غزة

تعلو أصوات المطارق فوق أكوام الإسمنت المتناثرة، وتتطاير سحب الغبار في الهواء مع كل ضربة، بينما يتنقّل العمال بحذر بين الحديد المتشابك وكتل الخرسانة، يبحثون عمّا يمكن تكسيره ونقله، في مشهد بات جزءاً من يوميات ما بعد الحرب. 

مهنة فرضها الدمار

وسط هذا الركام، ينحني خالد عبيد، أحد العاملين في مهنة "تكسير الركام"، لالتقاط قطعة خرسانية، يقلبها بين يديه ويفحصها سريعاً قبل أن يضعها جانباً، ثم يعود إلى تكسير الكتل المتبقية، إذ تبدو مهمته للوهلة الأولى مجرد عمل شاق لتفتيت الأنقاض، لكنها في غزة تتحول إلى مهنة محفوفة بمخاطر لا تُرى بالعين.

يمضي خالد ساعات طويلة بين الحديد الملتوي والخرسانة المتصدعة، يفرز ما يمكن تكسيره ونقله، واضعاً خطواته بحذر مع كل حركة، إذ لا يعرف ما تخفيه طبقات الركام التي يقف فوقها؛ فقد تكون قذيفة لم تنفجر، أو بقايا ذخيرة، أو قطعة حديد حادة، أو جسماً غريباً قد يتحول في لحظة إلى خطر قاتل.

يقول عبيد للميادين نت إنّ دخوله مهنة تكسير الركام لم يكن خياراً، وإنما نتيجة مباشرة لتراجع فرص العمل وتدمير مصادر الرزق في قطاع غزة، واصفاً العمل بأنّه "متعب وخطر"، لكنه يواصل يومه بين أكوام الخرسانة والحديد بحثاً عن دخل يعيل به أسرته.

ويضيف في حديثه أنّ الخطر ليس وحده ما يرافقه في عمله؛ فالركام الذي يكسره كان يوماً جزءاً من بيوت عاش فيها أصحابها حياتهم، وبينما يرفع قطعة خرسانة أو يزيح الحديد، قد يعثر على صورة أو غرض شخصي نجا من الدمار، فيتوقف للحظات قبل أن يواصل عمله.

ويشير إلى أنّ هذه المواقف تجعله يشعر بأنه لا يفتّت الخرسانة فقط، بل يمرّ بين بقايا حياة كاملة؛ غرف كانت تضم أصحابها، وأغراض كانت جزءاً من تفاصيلهم اليومية، قبل أن تتحول بفعل الحرب إلى ركام يحمل آثارهم وذكرياتهم.

وبعد لحظات التوقف، يعود خالد إلى مطرقته؛ يواصل تكسير الركام لأنه يحتاج إلى إطعام أطفاله، فيما يحمل كل يوم أمام عينيه آثار بيوتٍ هُدمت وحياةٍ تبددت، ليصبح العمل بالنسبة إليه طريقاً إلى لقمة العيش، وسط الأنقاض.

عمل شاق وقاسٍ

ولا يختلف حال محمد ناصر عن خالد؛ ففي موقع آخر، يقف أمام كومة جديدة من الركام، متابعاً عملية فرزها قبل أن تبدأ آلة التكسير بتحويل كتل الخرسانة إلى مواد قابلة لإعادة الاستخدام.

يقول ناصر للميادين نت إنّ العمل شاق جداً، ويتطلب قدرة كبيرة على التحمل، في ظل ساعات طويلة من العمل والحرارة والغبار والضجيج، إلى جانب حمل القطع الثقيلة والوقوف المستمر وغياب مقومات السلامة.

لكن الخطر الأكبر، بحسب محمد، يكمن فيما تخفيه طبقات الركام؛ فقد تبدو بعض الأجسام عادية، قبل أن يتضح أنها بقايا ذخيرة أو جسم خطِر، ما يفرض على العمال الحذر والابتعاد عن أي جسم مجهول.

وبرغم قسوة العمل، يرى ناصر في تكسير الركام ما يتجاوز تأمين لقمة العيش؛ إذ يعتبر إعادة استخدام الخرسانة فرصة لتحويل ما خلّفته الحرب إلى مادة يمكن أن تسهم في إعادة بناء ما تهدّم، ولا سيما في إصلاح الطرق والمواقع المدمرة.

وبينما يواصل محمد عمله وسط أكوام الركام، يبقى الأمل بإعادة البناء حاضراً؛ فما يراه اليوم بقايا منازل وطرق ومبانٍ مدمرة، يمكن أن يتحول غداً إلى جزء من طريق جديد أو مبنى جديد، إذا توفرت فرص العمل ووسائل السلامة، وبدأت عملية إعادة الإعمار.

عمل يدوي محفوف بالمخاطر

في خانيونس، حيث خلّفت الحرب دماراً واسعاً في المباني، لم تعد أصوات السكان تملأ المكان، وحلّت محلها ضربات المطارق المترددة بين أكوام الركام، فيما يعمل عشرات العمال على تفكيك ما خلّفته الحرب وتحويله إلى مواد قابلة لإعادة الاستخدام.

هناك، يشرف المقاول عمار الآغا على فريق يضم أكثر من عشرة عمال، يتولّون تكسير الكتل الخرسانية وفرز الحجارة واستخراج حديد التسليح، تمهيداً لإعادة استخدامه أو بيع ما يمكن الاستفادة منه، في ظل النقص الحاد في مواد البناء بالقطاع.

ويقول الآغا للميادين نت إنّ العمل يعتمد بصورة شبه كاملة على الأدوات اليدوية، من المطارق الثقيلة والأزاميل إلى أجهزة القطع "الديسك"، فيما يباشر العمال أعمالهم من دون خوذات أو نظارات واقية أو قفازات، بسبب عدم توفر معدات الحماية في الأسواق أو ارتفاع أسعارها بما يفوق قدرتهم على شرائها.

ويشير إلى أنّ الطلب على الحجارة المعاد تدويرها شهد ارتفاعاً خلال الأشهر الأخيرة، إذ تُستخدم في أعمال الردم وتسوية الطرق وبعض الأعمال الإنشائية، ما حوّل الركام من مخلفات الحرب إلى مورد اقتصادي تعتمد عليه أسر متزايدة لتأمين دخلها.

ولا تقتصر أعمال إزالة الأنقاض على المشاريع التي تنفذها المؤسسات، بل تمتد إلى منازل السكان المتضررة؛ إذ تتلقى فرق العمل طلبات من أصحاب البيوت لإزالة الكتل الخرسانية الآيلة للسقوط ورفع الركام الذي لا يزال يشكل خطراً على السكان، لتتحول إزالة آثار الدمار إلى مهنة توفر مصدر رزق، برغم ما يحيط بها من مخاطر.

خطر لا يُرى

ولا يتوقف الخطر الذي يرافق أعمال تكسير الركام عند احتمال وجود ذخائر غير منفجرة؛ فتكسير الخرسانة يطلق كميات كبيرة من الغبار، بينما قد تحتوي الأنقاض على مواد صناعية وطبية ومخلفات خطرة تشكل تهديداً للصحة والبيئة.

وكانت الأمم المتحدة قد حذرت في تقريرٍ لها من وجود الأسبستوس ومخلفات صناعية وطبية ومواد خطرة أخرى ضمن ركام المباني المدمرة في غزة، ما يجعل التعامل معه بحاجة إلى فرز وإدارة آمنة، وليس مجرد نقله بصورة عشوائية.

كما يواجه العمال مخاطر انهيار أجزاء من المباني المتضررة، وسقوط الكتل الخرسانية، والإصابات الناجمة عن الحديد المتشابك وأدوات التكسير.

وبحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية "أوتشا"، تعرض نحو 92% من المنازل في قطاع غزة لأضرار أو دمار، فيما قدّر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي كمية الركام بنحو 55.7 مليون طن، وسط تقديرات تبلغ كلفة إعادة إعمار القطاع نحو 70 مليار دولار.

في السياق، يؤكد الناطق باسم جهاز الدفاع المدني في غزة محمود بصل، أنّ حجم الدمار الهائل، الذي خلّف عشرات ملايين الأطنان من الركام، إلى جانب نقص المعدات والآليات الثقيلة، دفع آلاف المواطنين إلى إزالة الأنقاض بوسائل بدائية، في ظل غياب متطلبات السلامة المهنية، ما جعل هذه الأعمال من أخطر المهن التي فرضتها الحرب.

ويقول بصل للميادين نت إنّ إزالة الركام بصورة آمنة تتطلب آليات ومعدات ثقيلة، إلى جانب إشراف هندسي وفني لتقييم المباني المتضررة وتحديد طريقة التعامل معها، محذّراً من أنّ بعض المباني تبدو متماسكة من الخارج برغم فقدانها استقرارها الإنشائي، ما يجعلها عرضة للانهيار المفاجئ.

ويشير إلى أنّ العمل بالأيدي والأدوات اليدويّة، في ظل غياب معدات الوقاية، يزيد مخاطر الإصابة، خصوصاً مع وجود الأسياخ المعدنية المكشوفة، والكتل الخرسانية الحادة، والفراغات غير المرئية، واحتمال وجود مخلفات خطرة تحت الأنقاض.

ويكشف بصل أن طواقم الدفاع المدني تتلقى بلاغات متكررة عن إصابات خلال إزالة الركام، تشمل كسوراً وجروحاً وإصابات في الرأس والأطراف، مشدداً على ضرورة تقييم المباني هندسياً وتوفير معدات الوقاية والإشراف المتخصص لحماية العمال والحد من الإصابات.

الركام.. تحدٍ أمام إعادة الإعمار 

بدوره، يرى المهندس ناجي سرحان، الوكيل السابق لوزارة الأشغال العامة والإسكان، أنّ ملف الركام يمثل أحد أكبر تحديات إعادة الإعمار، في ظل محدودية عمليات جمعه وتدويره واقتصار معظمها على فتح الطرق.

ويقدّر سرحان حجم الركام بنحو 60 مليون طن، فيما قد تصل تكلفة إزالته إلى نحو 500 مليون دولار، مشيراً إلى أنّ القطاع يحتاج إلى كسارات كبيرة، وآليات ثقيلة، وشاحنات ومساحات واسعة للتجميع والفرز والطحن.

ويبين للميادين نت أنّ الدمار طال نحو 340 ألف وحدة سكنية بشكل كامل، فيما لحقت أضرار جزئية بنحو 70 ألف وحدة، من أصل نحو 500 ألف وحدة كانت قائمة قبل الحرب، ما يجعل حجم الركام أكبر بكثير من تجارب الحروب السابقة.

ويؤكد سرحان أنّ عمليات التدوير الحالية لا تزال محدودة، في وقت يعمل العمال وسط الركام في ظروف صعبة تفتقر إلى متطلبات السلامة، ما يضيف مخاطر مهنية إلى واحدة من أكثر مراحل التعافي تعقيداً.

وبينما لا تزال عمليات تدوير الركام محدودة، يواصل العمال تكسيره بأدوات بسيطة وفي ظروف خطرة، بحثاً عن لقمة العيش بين أنقاض بيوتٍ وحياةٍ دمرتها الحرب.

اخترنا لك