بعد عامين من الغياب القسري: "خدج غزة" يعودون إلى أحضان عائلاتهم
عودة أطفال خدّج من مصر إلى غزة بعد سنوات من الفراق تختصر مأساة الحرب وقسوتها، وتعيد الأمل لعائلات عاشت بين الفقد والانتظار.
-
بعد عامين من الغياب القسري: "خدج غزة" يعودون إلى أحضان عائلاتهم
لم تكن عودة 8 أطفال خدّج من مصر إلى قطاع غزة مجرد عودة عادية، بل كانت ومضة نور تشقّ عتمة عدوان إسرائيلي طال لأكثر من عامين، غيابٌ قاسٍ فرضته قلة الإمكانات ووحشية الحرب، قبل أن يعود هؤلاء الصغار محمولين على أجنحة النجاة، من غرف العناية الفائقة إلى أحضان أمهاتهم التي أنهكها الانتظار.
في تلك اللحظة، داخل مجمع ناصر الطبي بمدينة خان يونس جنوبي القطاع، لم يكن المشهد مجرد عودة أطفال، بل لحظة استعادة للحياة نفسها. هناك، التقت بعض العائلات بأطفالها للمرة الأولى منذ عامين، بعد إجلائهم في ظروفٍ قاسية فرضتها الحرب، فاختلطت الدموع بالدهشة، والحنين باليقين.
مأساة الخدّج
تعود حكاية هؤلاء الأطفال إلى الأيام الأولى من حرب الإبادة على قطاع غزة، حين اقتحمت قوات الاحتلال مجمع الشفاء الطبي غربي مدينة غزة في 16 تشرين الثاني/نوفمبر 2023، في عملية عسكرية استمرت عشرة أيام متواصلة.
خلال ذلك، تعرّضت الطواقم الطبية للاعتقال، وأُجبر المدنيون على النزوح القسري، فيما قُتل آخرون، وتعرّضت أقسام المستشفى ومبانيه لتدمير واسع.
وفي قلب هذا المشهد الكارثي، أعلنت منظمات دولية إجلاء 31 طفلاً خدّجاً من داخل المستشفى، الذي كان يرزح تحت سيطرة الاحتلال ويواجه استهدافاً مباشراً، إلى جانب انهيار شبه كامل في الخدمات الصحية، ونقصٍ حاد في الأجهزة والمستلزمات الطبية والرعاية المتخصصة لحديثي الولادة.
السوار يكشف مصير الطفلة
احتضنت الأم سندس الكرد طفلتها بيسان فور وصولها إلى صدرها، بعد عامين ونصف من الغياب القسري، لم تعرف خلالهما عنها شيئاً، سوى قلق مفتوح على كل الاحتمالات.
تقول الكرد في حديثها إلى الميادين نت: "خبر نجاة بيسان ووصولها إلى مصر كان مفاجأة غير متوقعة بعد أشهر طويلة من الحزن والانتظار، حينها عاد إليّ جزء من حياتي فجأة، وكأن الظلام الذي خيم علينا بدأ يتلاشى بوميض من الأمل".
تعود الحكاية إلى 22 تشرين الأول/أكتوبر 2023، في مشروع بيت لاهيا شمال قطاع غزة، حين انهار منزل العائلة فوق ساكنيه، فأُصيبت سندس (29 عاماً) بجروحٍ بالغة وهي في شهرها الثامن من الحمل، حيث نُقلت على وجه السرعة إلى المستشفى الإندونيسي، ثم إلى مجمع الشفاء الطبي، حيث خضعت لعملية قيصرية طارئة وسط القصف وانهيار الإمكانات.
أنجبت الكرد طفلتها في تلك الظروف القاسية بدون أن تراها؛ نُقلت الرضيعة مباشرة إلى الحضانة، بينما أُدخلت هي إلى العناية المركزة تصارع بين الحياة والموت، لتبدأ منذ اللحظة الأولى حكاية فُصلت فيها الأم عن ابنتها قسراً.
ومع اقتحام مجمع الشفاء الطبي وتشديد الحصار وتعطّل الأجهزة، جرى إجلاء عدد من الأطفال الخدّج، لتتلاشى آثار بيسان وسط الفوض، بينما في الخارج، كانت العائلة تغرق في خساراتٍ متلاحقة، فيما خرجت سندس مثقلة بإصاباتها لتبدأ رحلة نزوح قاسية، حاملةً سؤالاً واحداً لا يفارقها: هل ما زالت ابنتها على قيد الحياة؟
ظل مصير الطفلة بيسان مجهولاً حتى أيار/مايو 2025، حين جاء خيط أمل من خبر عن طفلة من قطاع غزة تتلقى العلاج في القاهرة بلا هوية. ومن خلال سوار الولادة الذي حمل اسم الأم، تتابع الكرد: "لم أعلم طوال عام كامل إن كانت طفلتي على قيد الحياة، وظننت أنني فقدتها، إذ بدأت رحلة البحث بالتواصل مع المؤسسات الدولية، حتى علمت أنها في مستشفى العريش، حينها عاد إليّ جزء من حياتي".
وفي يوم اللقاء، أحضرت سندس لابنتها حلوى وبالوناً أخضر لإدخال البهجة، لكنها كانت قلقة من أن الطفلة لن تتعرف عليها بعد طول الغياب، مشيرة إلى أنّ التعارف سيكون خطوة خطوة، ومع مرور الأيام، ستتعرف على والديها تدريجياً.
هدية الحياة بعد الغياب
وفي مشهدٍ مؤثر، يصف أحمد الهرش إعادة طفله إليه بأنّه "هدية الحياة"، معبّراً عن فرحته الغامرة التي امتزجت بالحزن العميق، إذ لم يتعرّف الطفل عليه بسبب طول الفراق وفقدان والدته التي ارتقت خلال حرب الإبادة، ليجمع بين فرحة استعادة جزء من روحه وألم الفقدان.
ويقبل الهرش طفله ويضمه إلى صدره بشغف وحنين، كأن جزءاً من قلبه الضائع عاد إليه فجأة، إذ يقول للميادين نت بصوتٍ يختلط فيه الألم بالأمل: "سنتان مرا كأنهما عقود، كنت أعيش كل لحظة من الغياب كأنه عمر كامل، وكل يوم يمر بدون أن أراه كان يثقل قلبي أكثر، وأتساءل هل سيصل إليّ سالماً؟ ولا أعرف ماذا أجيب حين يسألني عن أمه التي ارتقت خلال العدوان".
يصمت الأب لحظة، وتنهال دموعه حين يستذكر الأيام العصيبة التي نُقل فيها الأطفال للعلاج خارج غزة، مضيفاً: "وُلِد ابني في أحلك أيام الاجتياح؛ كنا نشاهد الأجهزة تتوقف مع انقطاع الكهرباء، والأطباء يكافحون لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وكنت أشعر حينها أنني أضع ابني بين يدي المجهول".
ويتابع بعد صمت قصير: "وعندما احتضنته أخيراً، شعرت أن جزءاً من روحي الذي ضاع عاد إليّ فجأة، ودموعي اختلطت بالفرح، وكأن سنوات الألم كلها ذابت في لحظة واحدة، إذ تلك اللحظة لم تكن مجرد لقاء، بل ولادة جديدة لي ولطفلي وعهد بأن أكون له السند والحماية التي فقدها".
رحلة الفقد وعودة الروح
الفلسطينية روان الوادية التقت بطفلتها شام للمرة الأولى منذ ولادتها، شمّت رائحتها واحتضنتها بعناق مشبع بالحنين والاشتياق، كأن كل لحظة فُقدت ذابت في دفء الحضن، وعادت إليها أجزاء من قلبها الذي طال انتظاره.
وتؤكد الوادية للميادين نت أن شام خرجت من غزة وهي رضيعة تبلغ سبعة أشهر، ولم تكن تعلم إنّ كانت على قيد الحياة أم استشهدت، وبعد نحو شهر، صادفت صورها على منصات التواصل الاجتماعي، قادمة من أحد المستشفيات المصرية، فزاد قلبها شوقاً وأملاً، وحلمت باليوم الذي تحتضنها فيه.
وتصف الوادية لحظة اللقاء بأنّها "عودة الروح إلى الجسد"، مشيرة إلى أنّها كانت تعد الأيام والساعات بانتظار هذه اللحظة، مؤكدةً أنّ طفلتها، التي كبرت بعيداً عنها، ستحتاج وقتاً لتعتاد على حضنها مجدداً، لكن الأهم أنها عادت سالمة من رحلة الموت واللجوء القسري، لتكتب فصلاً جديداً من الحياة والأمل بعد سنوات من الخوف والفقد.
15 طفلاً يعودون من بين الغياب والموت
وفي السياق ذاته، يؤكد الدكتور أحمد الفرا، مدير مبنى الأطفال والولادة بمستشفى ناصر الطبي، أنّ الأطفال الخدج الذين أُجلوا من مستشفى الشفاء خلال اقتحامه في تشرين الثاني/نوفمبر 2023، واجهوا ظروفاً صعبة وخطرة، موضحاً أنّ إجمالي الأطفال داخل الحضانات بالمجمع كان 33 طفلاً، توفي منهم 5 نتيجة انقطاع الكهرباء وصعوبة النقل بسبب القصف.
ويقول الفرا في حديثه إلى الميادين نت، إنّ "28 طفلاً أُجلوا إلى مصر بتاريخ 19 تشرين الثاني/نوفمبر 2023، توفي منهم 7 أثناء النقل والعلاج، فيما عاد 4 أطفال في فترات سابقة، و11 آخرون في 30 آذار/مارس الماضي، بينما يتبقى 6 أطفال خارج غزة مع ذويهم وهم بصحة جيدة".
ويبيّن أنّ عملية الإجلاء كانت "صعبة للغاية"، وتمت رعاية الأطفال بوسائل بدائية قبل نقلهم لتلقي العلاج المتخصص في مصر، مشيراً إلى أنّهم خضعوا للفحوصات فور وصولهم إلى مجمع ناصر وهم بصحة جيدة لكن بحاجة لرعاية خاصة.
ويشدد الفرا على حرص وزارة الصحة الفلسطينية على متابعة حالات الأطفال بشكل مستمر وتقديم الدعم الطبي اللازم لهم ولأسرهم، برغم التحديات الكبيرة التي تواجه رعاية الأطفال الخدج في ظل الظروف الإنسانية الصعبة.