الولادة القيصرية في مصر: حين تتحوّل الجراحة إلى "بيزنس"!

تكشف شهادات أمهات وخبراء في مصر تحوّل الولادة القيصرية إلى ممارسة تجارية واسعة، تسببت بمضاعفات صحية خطيرة للأمهات والأطفال، وسط نسب قياسية تخالف توصيات منظمة الصحة العالمية وتحركات حكومية متأخرة للحد منها.

  • الولادة القيصرية في مصر: حين تتحوّل الجراحة إلى
    الولادة القيصرية في مصر: حين تتحوّل الجراحة إلى "بيزنس"!

لم تكن تدري عبير محمود أنّ ولادة نجلها عبر الجراحة القيصرية داخل مستشفى خاص في القاهرة ستصيبها بمضاعفات خطيرة كادت أن تودي بحياتها، بعدما تعرّضت لنزيف حاد مكثت على إثره خمسة أيام داخل وحدة العناية المركزة. 

داخل شقة متواضعة بوسط القاهرة، تشير السيدة الثلاثينية، في حديثها للميادين نت، إلى أنها كانت تتمنى أن تلد طفلها الثاني "مالك" ولادةً طبيعية قبل عام، لكن طبيبها أقنعها بالقيصرية باعتبارها أسرع وأسهل وتجنّبها آلام المخاض. إلا أنها تصف التجربة اليوم بأنها "مغامرة لم تكن ضرورية"، خصوصاً أن تكلفة العملية بلغت نحو 50 ألف جنيه (1200 دولار أميركي)، بخلاف أتعاب الإقامة في العناية المركزة.

"بيزنس" الولادات القيصرية

تجربة مريرة بدّلت حياة عبير منذ الولادة. فإلى جانب احتياجها عدة أشهر للتعافي من الجراحة القيصرية، أُصيبت بالتهابات في موضع الجرح بعد خروجها من المستشفى، حيث ظل الجرح مفتوحاً لأسابيع من دون أن يلتئم، ما اضطرها لتناول كميات كبيرة من الأدوية. في المقابل، قضى طفلها ثلاثة أيام في وحدة رعاية حديثي الولادة (الحضّانات)، ما كلّف الأسرة عشرات الآلاف من الجنيهات. ويعاني الطفل حالياً من حساسية تنفّسية تتطلب دخوله المستشفى لتلقي العلاج بجهاز استنشاق البخار الدوائي، خصوصاً خلال فصل الشتاء، وهي من مضاعفات الولادة القيصرية.

وتضيف عبير: "الولادة القيصرية أصبحت تجارة وبيزنس.. الأطباء يقنعون الأمهات بأوهام عن عذابات الولادة الطبيعية وخطرها على صحتهن والجنين، لكنني تعلمت من تجربتي ولن أكررها".

ووفق إحصاءات رسمية عام 2018، تشكّل الزيادة الكبيرة في معدلات الولادة القيصرية عبئاً ضخماً على الموازنة المصرية، إذ تُقدَّر تكلفتها بنحو 120 مليار جنيه سنوياً، مع تسجيل ارتفاع كبير في أسعارها خلال السنوات الأخيرة.

وخلال السنوات الخمس الماضية، أصبحت مصر من أعلى دول العالم في معدلات الولادة القيصرية، إذ بلغت نسبتها نحو 72% مقابل الولادات الطبيعية، في مخالفة واضحة لتوصيات منظمة الصحة العالمية التي توصي بنسبة تتراوح بين 10% و15% فقط.

خداع الأمهات لتحقيق الأرباح

آية بدر الدين، وهي فتاة عشرينية، تعرّضت للتخويف من آلام الولادة الطبيعية على عكس رغبتها. تقول لـلميادين نت: "قالوا لي إن القيصرية سهلة بدون توضيح مضاعفاتها، وأنني سأدخل غرفة الولادة وأجد ابني إلى جواري من دون آلام، لكن هذه الجراحة أفقدتني صحتي".

وفي قسم النساء والولادة بأحد المستشفيات الخاصة في القاهرة، تحكي أم لطفلين سابقين، في حديثها لـلميادين نت، أنها شعرت بالتضليل من طاقم التمريض وطبيب الولادة، فوافقت على الجراحة القيصرية، مشيرة إلى أن الطبيب كان يجري أكثر من ولادة يومياً، وترك خياطة موضع العملية لمساعده، ما أدى إلى إصابتها بفتق أُربي في جدار البطن نتيجة خطأ طبي، واضطرت على إثره للخضوع لجراحة ثانية كلّفتها مبالغ كبيرة.

وتستطرد: "قضيت عاماً كاملاً أتعافى من الجراحتين، شعرت بالموت، والآن أخشى الحمل مرة أخرى". وتوجّه نصيحة للنساء قائلة: "الولادة الطبيعية أضمن للأم والجنين، وآلامها قبل الوضع لا تُقارن بمضاعفات القيصرية بعد الولادة".

ووفق وزارة الصحة المصرية، فإن العمليات القيصرية غير الضرورية تُعرّض الأمهات لمخاطر الإصابة بالالتهابات والنزيف ومشكلات الرضاعة الطبيعية، فضلاً عن التصاقات المشيمة في الحمل المستقبلي. كما قد تُسبب للأطفال أضراراً محتملة، من بينها ارتفاع معدلات الجراثيم المعوية، والسمنة، والحساسية، والتوحد، والسكري، وأمراض المناعة التي تظهر في مراحل عمرية مختلفة.

وبحسب الأرقام الرسمية، تبلغ نسبة الولادات القيصرية في المستشفيات الخاصة في مصر نحو 81%، مقابل 25% في المستشفيات العامة، وتصدّرت محافظة بورسعيد القائمة بنسبة 91.3% من إجمالي مواليدها.

الأجيال الحالية تختار "القيصري" 

بعد قراءتها دراسة لمنظمة الصحة العالمية تربط الولادة القيصرية بزيادة خطر الإصابة بالتوحد بنسبة 20% نتيجة نقص البكتيريا النافعة المنقولة من المهبل إلى الطفل، تشعر فاطمة صلاح بالندم لخضوعها للجراحة القيصرية، بعدما أُصيب طفلها "محمود"، البالغ من العمر ثلاث سنوات، بطيف التوحد.

وتقول صلاح، التي تعمل في أحد البنوك بالقاهرة، لـلميادين نت: "أشعر بالذنب، وأتساءل يومياً هل إصابة نجلي كانت نتيجة تلك الولادة؟ لذا أنصح كل أم بالولادة الطبيعية إذا لم تكن "القيصرية" ضرورة، حفاظاً على صحتها وصحة مولودها".

وأكدت دراسة لمنظمة الصحة العالمية عام 2010 أن القيصرية قد تؤدي إلى وفاة بعض الأمهات أو إدخالهن إلى وحدات العناية المركزة، وأن معدلات استئصال الرحم كانت أعلى بثلاثة أضعاف مقارنة بالولادة الطبيعية.

من جهتها، تُحمّل زينب عبد المجيد، وهي سيدة ستينية، فتيات الأجيال الحالية جزءاً من المسؤولية، قائلة لـلميادين نت: "الفتيات الشابات مدلّلات ويفضّلن الولادة القيصرية لأنها أسهل، ويخشين آلام المخاض".

وتضيف: "صحيح أن القيصرية تتم بدون آلام، لكنّها تحدّ من عدد مرات الحمل المستقبلية، إذ لا تستطيع الأم الولادة أكثر من ثلاث مرات لأنها تُشكّل خطراً على حياتها".

"القيصرية" تضر بصحة جيل كامل

بدورها، تقول خديجة الفاوي إن المستشفيات الخاصة تفرض تسعيرات باهظة للولادة القيصرية من دون رقابة، وكأنها تجارة، إذ يتراوح سعرها بين 15 و30 ألف جنيه (315 إلى 631 دولاراً) كحد أدنى، وتزيد بحسب المستشفى، فيما تتراوح تكلفتها في المستشفيات الحكومية بين 3 و6 آلاف جنيه (63 إلى 162 دولاراً)، برغم أنها من المفترض أن تكون خدمة مجانية، متسائلة عن دور الرقابة ووزارة الصحة في مواجهة جشع بعض الأطباء.

ويعتبر جمال أبو السرور، الرئيس السابق للاتحاد العالمي لطب النساء والتوليد، في حديثه لـلميادين نت، أن "القيصرية أصبحت خياراً مريحاً للجميع، لكنها تضر بصحة جيل كامل"، مشيراً إلى أن لجوء السيدات إليها يعود إلى الخوف من آلام الولادة الطبيعية، ونقص الوعي، وعدم توافر خدمات الرعاية الطبيعية في المستشفيات، مؤكداً أن الولادة الطبيعية تفوق القيصرية إيجابيات، فيما تظل الأخيرة ضرورية فقط عند وجود دوافع طبية حقيقية.

تحركات حكومية

لمواجهة تفاقم الظاهرة، فرضت وزارة الصحة المصرية، في نهاية آب/أغسطس الماضي، معايير جديدة على القطاع الخاص لتعزيز الولادة الطبيعية وتقليل اللجوء إلى القيصرية غير الضرورية.

وألزمت الوزارة جميع المنشآت الطبية، الخاصة والحكومية، بإعداد تقارير شهرية عن نسب الولادات الطبيعية والقيصرية وتحليل أسبابها وفق نظام "روبسون" الدولي، واستخدام "البارتوجرام" لمراقبة المخاض، إلى جانب تدريب الأطقم الطبية، وتكليف مديريات الصحة بمتابعة التنفيذ.

ويقول حسام عبد الغفار، المتحدث باسم وزارة الصحة المصرية، إن مبادرة "الألف يوم الذهبية لتنمية الأسرة المصرية"، التي أُطلقت في آب/أغسطس 2023، تركّز على صحة الأم والطفل منذ الحمل وحتى بلوغ الطفل عامين، بهدف تعزيز الولادة والرضاعة الطبيعيتين وتحسين جودة وحدات رعاية حديثي الولادة.

من جانبها، تصف عبلة الألفي، نائب وزير الصحة ورئيسة المجلس القومي للسكان، زيادة معدلات الولادة القيصرية في مصر بـ"الكارثة"، موضحة أن مضاعفاتها رفعت نسب وفيات الأطفال حديثي الولادة من 14 إلى 18 طفلاً لكل ألف مولود.

مستشفيات غير مجهزة

أما "مؤسسة قضايا المرأة المصرية"، فتؤكد أن النساء بحاجة إلى معلومات واضحة حول خيارات الولادة، وحماية أجسادهن من أي استغلال أو توجيه قسري نحو الجراحة القيصرية من دون ضرورة طبية، وألا يتحولن إلى "ساحة لتحقيق أرباح مالية".

ويشير خالد أمين، عضو مجلس نقابة الأطباء وأخصائي النساء والتوليد، إلى أن المنظومة الصحية في مصر لا تدعم الولادة الطبيعية بسبب نقص التجهيزات الطبية اللازمة، مثل أجهزة متابعة نبض الجنين وانقباضات الرحم، مضيفاً أن الثقافة المجتمعية الحالية تدعم القيصرية وتروّج مفاهيم خاطئة عن الولادة الطبيعية.

اخترنا لك