العدوان على إيران يعيد تعريف "ماغا": أميركا أولاً أم الهيمنة الخارجية؟

انقسام داخل حركة "ماغا" يكشف أزمة هوية بين شعار "أميركا أولاً" وسياسات ترامب الخارجية، خصوصاً بعد الحرب على إيران.

  • العدوان على إيران يعيد تعريف
    العدوان على إيران يعيد تعريف "ماغا": أميركا أولاً أم الهيمنة الخارجية؟

"سنظل معذّبين بهذا الأمر مدةً طويلة. أنا سأظلّ كذلك، وأودّ الاعتذار بسبب تضليلي الناس. أنا وأنت وكل من دعمه (...) متورطون في هذا بالتأكيد". هكذا اعتذر الإعلامي الأميركي تاكر كارلسون عن الدور الذي أدّاه في إيصال دونالد ترامب إلى رئاسة الولايات المتحدة. جاء ما قاله كارلسون خلال حلقة من برنامج البودكاست الخاص به "The Tucker Carlson Show"، في وقت يشهد تصاعداً للأصوات المعارضة لترامب من داخل حركة "ماغا"، التي مثّلت وعودها رافعة ترامب إلى الرئاسة. 

جاء هذا أيضاً بعد تصريحات لترامب هاجم فيها كلاً من كارلسون، والإعلامية ميغين كيلي، والمعلّقة كانديس أوينز، ومقدّم البرامج أليكس جونز. وفي منشور عبر منصته "تروث سوشال"، وصف ترامب هؤلاء بـ"ذوي معدلات ذكاء منخفضة، أغبياء، مجانين، مثيري شغب وفاشلين". لكن الأبرز في منشور الرئيس الأميركي لم يكن الإهانات الكثيرة التي وجّهها، بل كلمتين تلخّصان رؤيته تجاه من صاغوا خطاب حركته وشكّلوا وعي قاعدتها الشعبية: "ليسوا ماغا".

وبحسب تعريفه، "تعني ماغا القوة والفوز في عدم السماح لإيران بامتلاك الأسلحة النووية". ويتّسق هذا القول لترامب مع تصريح أدلى به بعد خطف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في كانون الثاني/يناير الماضي، ويوضح رؤيته أكثر: "ماغا تحب ما أقوم به. ماغا تحب كل شيء أقوم به. ماغا هي أنا".

 مهندسو إمبراطورية "ماغا" الإعلامية: أميركا ليست أولاً

في كانون الأول/ديسمبر 2016، قبيل بدء ولايته الرئاسية الأولى، صرّح ترامب قائلاً: "سنتوقف عن التهافت لإسقاط أنظمة أجنبية لا نعرف عنها شيئاً، وينبغي لنا ألا نتدخل في شؤونها". منذ ذلك الحين، تمحور جزء أساسي من خطابه حول استنكار الحروب التي شنّتها الولايات المتحدة، وإطلاق الوعود بعدم الانخراط في مواجهات عسكرية جديدة، كما في العراق وأفغانستان، ليكون شعار "أميركا أولاً" الركيزة لحملته الانتخابية والسياسية.

حظي التوجه الذي عبّر عنه ترامب في خطابه بقبول لدى من سيصبحون ضمن حركة "ماغا" (MAGA, Make America Great Again). عبّر هؤلاء عن معارضتهم للحروب ومقتل عناصر من الجيش الأميركي في بلدان تبعد آلاف الأميال عن الولايات المتحدة. كما أعربوا عن استيائهم من إرسال المليارات من أموال الضرائب إلى الخارج، في حين تعاني قطاعات عديدة داخل الولايات المتحدة من الإهمال وارتفاع التكاليف، إلى الحدّ الذي جعل كثيرًا من الأميركيين غير قادرين على تحمّل الأعباء المعيشية.

وبينما شارف العام الأول من ولايته الرئاسية الثانية على الانتهاء، عاد ترامب ليؤكد في استراتيجيته للأمن القومي، الصادرة في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، "أننا نضع أميركا أولًا في كل ما نقوم به". وفي الوثيقة نفسها، أعلنت إدارته أن "المبرر التاريخي لتركيز الولايات المتحدة على الشرق الأوسط آخذ في التلاشي"، وذلك لدى الحديث عن إيران وغربي آسيا، وتأثير الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران في حزيران/يونيو الماضي.

لكن الفعل الذي أقدمت عليه الولايات المتحدة، تحت إدارة ترامب وبالتنسيق مع الاحتلال الإسرائيلي، في شنّ الحرب مرةً أخرى على إيران في نهاية شباط/فبراير الماضي، سرعان ما بدّد ذلك، وأثار استنكاراً ومواقف تتّهم ترامب بنكث وعده بإنهاء "الحروب الأبدية" والتركيز على حل المشكلات الداخلية. وجاءت الانتقادات الأقسى والأبرز من داخل "ماغا"، وعبّر عنها من يُوصفون بأنهم "مهندسو إمبراطورية ماغا الإعلامية".

 تاكر كارلسون وصف الحرب بـ"المقززة والشريرة للغاية"، محذّراً من أنها ستُحدث خللاً عميقاً في مسار الحركة السياسية التي يقودها ترامب. وتُظهر تصريحاته أنه يتبنى الرأي القائل إن هذه الحرب هي "حرب إسرائيل، لا الولايات المتحدة"، معتبراً أن الأخيرة "لم تكن من اتخذ القرار في هذه المسألة، بل إن بنيامين نتنياهو هو من فعل ذلك"، وأن ترامب "يضع مصالح إسرائيل قبل مصالحنا". وعبّرت ميغين كيلي عن الرؤية نفسها، ومن بين ما قالته إنها لا تعتقد أن الجنود الأميركيين الذين قُتلوا في هذه الحرب "ماتوا دفاعاً عن الولايات المتحدة، بل ماتوا من أجل إيران، أو من أجل إسرائيل".

بدورها، وصفت كانديس أوينز ترامب بـ"الشيطاني"، ودعت إلى تفعيل المادة 25 من الدستور لتنحيته، فيما رأى أليكس جونز أنه يرزح تحت "تأثيرات شيطانية". أصوات أخرى محافظة أبدت في السابق تأييدها لترامب وروّجت له تبنّت آراءً مشابهة، متراجعةً عن ذلك الدعم. ومن بين هؤلاء مقدّم البودكاست ثيو فون، الذي وصف أعضاء إدارة ترامب بـ"الإرهابيين"، وجو روغان، الذي قال إن أفعال الرئيس الأخيرة تجعل من دعموه يشعرون بـ"الخيانة".

 انقسام متجدد في "ماغا"

الوضع القائم في "ماغا" ليس جديداً، وليس وليد هذه الحرب على إيران. فقد تفشّت الشكوك داخل الحركة تزامناً مع ولاية ترامب الثانية، وهي تعود إلى الاعتقاد بأن ترامب يستخدمها لخدمة مصالح الأغنياء وأصحاب النفوذ على حساب مؤيديه.

من بين القضايا التي فجّرت خلافات "ماغا" المتعلقة بالسياسة الخارجية علناً الحرب السابقة على إيران، وقصف الولايات المتحدة منشآت نووية إيرانية. امتدت تلك الحرب 12 يوماً، واقترنت بالحرب التي يشنّها الاحتلال الإسرائيلي بدعم أميركي على غزة ولبنان، فساهم ذلك في تسريع وتيرة خطاب مناهض لـ"إسرائيل" في صفوف "ماغا".

إضافةً إلى ذلك، أثارت الجرائم الجنسية التي ارتكبها جيفري إبستين وسياسيون وأصحاب نفوذ اضطرابات داخل تحالف ترامب، وغضباً تجاه إدارته مع تراجعها عن وعدها بالإفراج عن جميع الوثائق المتعلقة بالقضية، على الرغم من إصدار الكونغرس قراراً يلزم بذلك. غذّى المؤثرون في "ماغا" وعود ترامب السابقة بأنه سيكشف عن شبكة خفية من فساد النخبة واستغلال الأطفال جنسياً، إلى أن أعلنت وزارة العدل الأميركية أن إبستين مات منتحراً في السجن و"لم يمتلك قائمة عملاء". وكان الحدث الأبرز في "ماغا" فيما يتعلق بهذه القضية استقالة النائبة عن ولاية جورجيا مارجوري تايلور غرين من الكونغرس، لتصبح عرضةً أيضاً لهجوم ترامب، بعد أن كانت من أشرس مؤيديه وحلفائه.

ويحتل تشارلي كيرك مكاناً في ما تشهده "ماغا" أيضاً، فقد أدى مقتل مؤسس منظمة "Turning Point USA" إلى إقصاء شخصية ذات دور فعّال في إدارة التحالف. نجح كيرك في الربط بين شرائح مختلفة، إذ وفّر منصةً مشتركةً للمحافظين المؤسسيين والشعبويين المتشددين والشخصيات الهامشية، مع نجاحه في الوقت نفسه في احتواء الخلافات والحد من انتشارها إلى حد كبير. وعقب مقتله، انتشرت نظريات ترجّح أن لـ"إسرائيل" دوراً في ذلك، وكانت أوينز من بين مؤيديها.

 "ماغا" وأسئلة كبرى

أما في الوقت الحالي، فيغذّي الجدل حول الحرب على إيران أسئلةً أكبر تتعلق بعلاقة الولايات المتحدة و"إسرائيل"، ومواقف الأميركيين تجاهها، والأولويات التي تحكم السياسة الأميركية. وقد ازداد ذلك بفعل أحداث متتالية، أبرزها استقالة جو كنت من منصب رئيس المركز الوطني لمكافحة الإرهاب، وتهديد ترامب بـ"محو الحضارة الإيرانية"، ومهاجمته البابا ليو الرابع عشر واستهزاؤه بالسيد المسيح.

وعلى الرغم من بروز الأصوات المعارضة لـ"إسرائيل"، ثمة أيضاً أصوات تعبّر عن جناح آخر من "ماغا" مؤيد لها. مارك ليفين، مثلاً، وهو مقدّم أخبار على "فوكس نيوز" وأحد المحافظين الأكثر تأثيراً، يعبّر عن رؤية المؤيدين للحرب، الذين يجدون في أفعال ترامب توافقاً مع شعار "أميركا أولاً"، وأن عليه "إتمام المهمة والقضاء على النظام في إيران". ويحاول هؤلاء تصوير الحرب على أنها "ضرورة إنسانية" للشعب الإيراني و"ضرورة استراتيجية" تمثّل في نهاية المطاف مكسباً للولايات المتحدة.

محافظ آخر، هو بن شابيرو، قلّل من شأن هذه الانقسامات، معتبراً أن كارلسون وكيلي وأوينز وجونز "يمثّلون أقليةً هامشية"، على الرغم من امتلاكهم أعداداً كبيرة من المتابعين. وقال إن جماهير هؤلاء تُعد "هامشيةً مقارنةً بقاعدة الحزب الجمهوري الأوسع"، علماً بأن نسبة تأييد ترامب داخل الحزب الجمهوري نفسه آخذة في الانخفاض.

وربط شابيرو بين هذا الانقسام والانتخابات النصفية المرتقبة، معتبراً أن الجدل الحالي لن يكون العامل الوحيد المؤثر.

لكن خلف الجدل حول إيران، وأبعد من الانتخابات النصفية، تبرز معضلة أعمق: من يملك "ماغا"؟ هل تمثل حركةً سياسية تخدم الشعب الأميركي، أم أنها ائتلاف يتبع ترامب أينما قاده؟ وهل يعني "أميركا أولاً" التركيز على الداخل، أم التدخل الخارجي عند الحاجة؟

وفي حين يجد التحالف الذي أوصل ترامب إلى الرئاسة نفسه أمام هذه الأسئلة، عبّرت كيلي عن ثابت يحدد إطار موقفها، قائلةً: "حتى لو أسقط ترامب قنبلةً نووية، فسأظل أصوّت للجمهوريين بدلاً من الديمقراطيين".

اخترنا لك