"السيستم معطل".. مصريون عالقون بين رقمنة المعاشات وضيق المعيشة
تؤخر أعطال منظومة التأمينات الاجتماعية في مصر صرف مستحقات متقاعدين وأرامل وأيتام، وتعرقل معاملات ومشاريع صغيرة، وسط شكاوى من تداعيات التحول الرقمي وتحركات برلمانية وتصريحات رسمية عن تطوير الخدمات.
-
"السيستم معطل".. مصريون عالقون بين رقمنة المعاشات وضيق المعيشة
في منتصف صالة مزدحمة بأحد مكاتب التأمينات في منطقة الوايلي بوسط القاهرة، يقف فوزي إبراهيم، البالغ نحو 63 عاماً، وهو معلم لغة عربية متقاعد من إحدى مدارس منطقة غمرة الثانوية، مستفسراً عن أسباب عدم تحويل مكافأة نهاية الخدمة إلى حسابه المصرفي، رغم مرور عدة أشهر على تقاعده.
ولا تبدو حالته معزولة؛ إذ تأتي ضمن شكاوى متضررين من تأخر إنجاز معاملات تأمينية، في أعقاب إطلاق الحكومة المصرية مشروعاً لرقمنة نحو 6 مليارات سجل تأميني، بهدف تحديث قواعد البيانات وتطوير الخدمات المقدمة للمؤمن عليهم وأصحاب المعاشات والمستحقين عنهم.
وبحسب شهادات متضررين، بدأت الأزمة تتفاقم مطلع عام 2026، مع الانتقال إلى المنظومة الرقمية الجديدة، ما أدى إلى تأخير معاملات تشمل إجراءات المعاشات وتحديث البيانات واستخراج المستندات التأمينية. وبينما يُفترض أن تسهم الرقمنة في تسريع الخدمات، بات انتظار استكمال بعض الإجراءات عبئاً إضافياً على أسر تعتمد على هذه المستحقات لتغطية نفقاتها الأساسية، ووصلت تداعيات الأزمة إلى البرلمان.
تأخر المستحقات يفاقم معاناة المتقاعدين
يشكو فوزي إبراهيم من تأخر صرف مكافأة نهاية الخدمة المستحقة له بعد 30 عاماً من العمل في التعليم، ما اضطره إلى الاقتراض لتأمين نفقات الطعام والعلاج والفواتير.
ويقول للميادين نت: "أتردد يومياً على مكتب التأمينات بلا جدوى. هذه مستحقاتي، وهي أموال خاصة بالمشتركين وليست صدقة من الحكومة".
ويضيف: "ننتظر تحويل المنظومة إلى نظام إلكتروني منذ كانون الثاني/يناير الماضي. هل نموت من الجوع والمرض إلى أن تنتهي؟"، معتبراً أن الحكومة لا تستجيب لشكاوى المتضررين رغم تفاقم معاناتهم.
ويواجه حسن عبد الرحيم، الموظف السابق في هيئة النقل العام، وضعاً مشابهاً؛ إذ تقاعد قبل عشرة أشهر، ولم يتسلّم أي مبلغ من معاشه حتى الآن، بحسب روايته.
في شقة صغيرة مستأجرة بحي السيدة زينب في القاهرة، يجلس عبد الرحيم، البالغ 66 عاماً، بين أوراق تحمل بياناته ومستحقاته التأمينية، فيما تتراكم عليه الديون لتأمين الإيجار والغذاء والدواء.
ويقول للميادين نت: "كل شهر أذهب إلى مكتب التأمينات، ولا أسمع سوى: انتظر. لم يُدخَل الملف على السيستم، ويجب رقمنته أولاً".
ويضيف: "مع تأخر المستحقات تراكمت علينا الديون، وأعيش في ضيق دائم بعد كل سنوات العمر التي قضيتها في خدمة البلد والناس". ويتساءل: "كيف تُوضَع كرامة كبار السن أمثالي على المحك؟ نود أن نعيش باقي أعمارنا بكرامة".
وتسلط الحالتان الضوء على أثر تأخر المعاملات في أشخاص يعتمدون على مستحقاتهم لتغطية نفقاتهم بعد التقاعد، ويضطر بعضهم إلى الاستدانة في انتظار صرفها.
ويقول إبراهيم أبو عطا، الأمين العام لنقابة أصحاب المعاشات، إن الشكاوى الواردة من بعض فروع الهيئة تشمل تأخر تحديث البيانات، وإجراءات إثبات استحقاق الورثة، واستخراج الإفادات الرسمية، فضلاً عن المستندات التأمينية اللازمة لتأسيس الأنشطة الاقتصادية.
ويُعد نظام التأمينات الاجتماعية في مصر أحد أنظمة الحماية الاجتماعية واسعة النطاق، إذ يعتمد على اشتراكات المؤمن عليهم وأصحاب الأعمال، إلى جانب مساهمات الدولة وعوائد استثمار أموال التأمينات. ووفق تصريحات رسمية، تتراوح قيمة المعاشات الشهرية بين 48 و50 مليار جنيه مصري.
وبحسب تصريحات سابقة لرئيس الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي، اللواء جمال عوض، يبلغ عدد المؤمن عليهم نحو 14 مليوناً، فيما يصل عدد أصحاب المعاشات إلى 9.5 مليون، ويبلغ إجمالي المستفيدين، بمن فيهم المستحقون عن أصحاب المعاشات، نحو 11.5 مليون مواطن. ولا تعني هذه الأرقام أن جميع المستفيدين متضررون من الأزمة، لكنها تبرز اتساع نطاق النظام الذي يجري تحديثه.
أرامل ينتظرن المعاش.. ومشروعات معلّقة
تواجه الأرملة فاطمة عبد الحميد ضغوطاً معيشية منذ وفاة زوجها قبل أشهر، إذ تعيل بناتها الثلاث، إحداهن من ذوات الهمم، من دون أن تتمكن من استكمال إجراءات صرف المعاش، وفق إفادتها.
وتوضح عبد الحميد للميادين نت أن زوجها كان موظفاً في إحدى شركات قطاع الأعمال المصرية، وأن معاشه يمثل مصدر الدخل الأساسي للأسرة. لكنها لا تزال عاجزة عن صرف المستحقات أو معرفة قيمتها، فضلاً عن تعذر حصولها على مستحقات تأمينية مرتبطة بوفاته.
وتواجه مايسة الكيلاني، وهي في الأربعينيات من عمرها وتقيم في إحدى قرى محافظة الجيزة، معاناة مشابهة منذ وفاة زوجها العامل في القطاع الخاص. وتضطر إلى التردد أسبوعياً على مكاتب التأمينات لاستكمال إجراءات نقل المعاش إليها وإلى أبنائها الثلاثة.
وتقول للميادين نت: "رحل زوجي وترك لي ثلاثة أطفال في مراحل تعليمية مختلفة. ذهبت لتعديل الاستحقاقات ونقل المعاش باسمي وباسم الأبناء، لكن تحديث البيانات يعوقنا، ولا يزال مصدر الدخل الأساسي للأسرة غائباً. التحول الرقمي، بدلاً من تسهيل حياتنا، أصبح سبباً في تكديرها".
أما تيسير فؤاد، فتقول إن بطء النظام والأعطال المرتبطة بنقل البيانات حالا دون صرف معاش زوجها الذي توفي حديثاً، وكان يعمل في قطاع النسيج.
وتوضح فؤاد، المقيمة في منطقة الساحل بالقاهرة، للميادين نت: "كان يجب تخصيص مسار سريع لهذه الحالات. التحول الرقمي وُجد لراحة الناس، لا لإجهادهم".
ولا تقتصر الشكاوى على المتقاعدين والأسر التي فقدت معيلها، بل تمتد إلى أصحاب المشروعات الذين يحتاجون إلى مستندات تأمينية لاستكمال إجراءات التمويل.
فمحمود علي، وهو في الثلاثينيات من عمره، كان يأمل في إنشاء ورشة نجارة صغيرة بتمويل مصرفي، لكن معاملته تعطلت بسبب اشتراط بنك ناصر الاجتماعي تقديم "برنت تأميني"، وهي وثيقة تتضمن بيانات الرقم التأميني وجهات العمل السابقة ومدد الاشتراك لدى كل جهة.
ويقول محمود: "كل أوراق المشروع جاهزة، من الترخيص إلى السجل التجاري، لكن أحلامي توقفت بسبب هذا المستند. الورشة مغلقة ولم أبدأ العمل حتى الآن".
وتُظهر هذه الحالة كيف يمكن لتأخر مستند واحد أن يعطّل مشروعاً قبل انطلاقه، ويحرم صاحبه من فرصة تحقيق دخل، وإن كانت الشهادات الفردية وحدها لا تكفي لتحديد حجم الخسائر الاقتصادية الناجمة عن الأزمة.
ويرى خبير التأمينات كمال السيد أن نقل سجلات المؤمن عليهم دفعة واحدة، بدلاً من تنفيذ العملية تدريجياً، أسهم في تحميل المواطنين تبعات التعثر. كما يعتبر أن إسناد المهمة إلى شركة أجنبية لا تمتلك، بحسب تقديره، الخبرة الكافية للتعامل مع قاعدة بيانات بهذا الحجم، فاقم المشكلة.
ويضيف للميادين نت أن التداعيات امتدت إلى قطاعات اقتصادية، من بينها تجارة السيارات، بسبب تأخر استخراج شهادات المخالصة، وقطاع المقاولات، نتيجة تأخر معاملات ترتبط بشهادات التأمينات.
تحركات برلمانية ووعود رسمية بالتطوير
مع تصاعد الشكاوى، تقدم 60 نائباً، وفق ما أورده التقرير، بطلبات إحاطة بشأن الأزمة، فيما طالبت نقابة أصحاب المعاشات بإنهاء معاناة المستفيدين في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة.
ودعا النائب رضا عبد السلام الحكومة إلى إعطاء أصحاب المعاشات أولوية في معالجة الأزمة، نظراً إلى اعتماد أسر عديدة على هذه المستحقات لتأمين احتياجاتها اليومية.
من جهته، قال النائب محمد فؤاد إن الأزمة تمس آلاف الأسر التي تعتمد على المعاشات، وتشمل أصحاب المعاشات والمستحقين الجدد بسبب الوفاة أو التقاعد، فضلاً عن انعكاساتها على معاملات الشركات وسداد اشتراكاتها التأمينية.
في المقابل، يركز رئيس الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي، اللواء جمال عوض، في تصريحاته على الخدمات التي أتاحتها المنظومة الجديدة. ويقول إن عدد المتعاملين معها تجاوز 8 ملايين مواطن، وإنها أتاحت إنجاز معاملات، من بينها صرف معاشات لنحو 167.5 ألف مواطن، فيما ترتبط حالات أخرى، سواء الناجمة عن الوفاة أو التقاعد، بنقص بعض البيانات أو المستندات المطلوبة.
ويضيف عوض، في تصريحات للميادين نت، أن المنظومة أتاحت خدمات إلكترونية تشمل توثيق عقود العمل واستخراج "برنت التأمينات"، وسداد اشتراكات المصريين العاملين في الخارج، واشتراكات مدد الإجازات الخاصة، إلى جانب تحديث قواعد البيانات.
ويشير إلى أن الهيئة تستهدف تقديم 95 خدمة إلكترونية جديدة، وأن العمل مستمر لاستكمال تحديث بيانات المواطنين في مختلف أنحاء الجمهورية، تمهيداً لإتاحة مزيد من المعاملات الحكومية بصورة فورية.
وتعكس التصريحات الرسمية والشهادات الميدانية جانبين من تجربة التحول الرقمي: توسيع نطاق الخدمات من جهة، والصعوبات التي يقول بعض المواطنين إنهم يواجهونها خلال الانتقال إلى النظام الجديد من جهة أخرى. ولا يكفي عدد المتعاملين مع المنظومة للحكم على مدى نجاحها في إنجاز جميع الطلبات، كما لا تعني الحالات الفردية أن الخدمات تعطلت بالكامل؛ إذ يتطلب التقييم بيانات عن أعداد المعاملات المتأخرة وأسبابها والمدة اللازمة لإنجازها.
وبينما تعمل الهيئة على تحديث قواعد البيانات وتوسيع الخدمات الإلكترونية، ينتظر متضررون استكمال معاملاتهم وصرف مستحقاتهم. وبالنسبة إليهم، لا يُقاس نجاح التحول الرقمي بعدد السجلات التي نُقلت أو الخدمات التي أُطلقت فحسب، بل بقدرته على إيصال الحقوق إلى أصحابها من دون تأخير يهدد معيشتهم وكرامتهم.