السمّ في التربة والمياه: إبادة بيئية ممنهجة في جنوب لبنان

يوثّق التقرير حجم الأضرار البيئية الناتجة عن العدوان الإسرائيلي على لبنان، وتأثيرها العميق على التربة والمياه والتنوع البيولوجي وصحة الإنسان على المدى الطويل.

  • السمّ في التربة والمياه: إبادة بيئية ممنهجة في جنوب لبنان
    السمّ في التربة والمياه: إبادة بيئية ممنهجة في جنوب لبنان

يواصل جيش الاحتلال الإسرائيلي عدوانه على لبنان، مستهدفاً مقوّمات الحياة بشكل ممنهج. فقد كثّفت "إسرائيل" قصفها بالقذائف الفسفورية على البلدات الجنوبية منذ توسّع عملياتها في 2 آذار/مارس 2026، مستخدمة الفسفور الحارق في الأيام الأولى فوق منازل مدنية. وأفادت الوكالة الوطنية للإعلام باستهداف بلدات الناقورة، حامول، البياضة، يحمر، وشمع بهذه المادة. كما وثّقت منظمة "هيومن رايتس ووتش" استخدام قذائف مدفعية من طراز (M825) عيار 155 ملم، تحتوي على الفسفور الأبيض.

وليس هذا التصعيد معزولاً عن سياق أوسع من العدوان البيئي، إذ سبقه رش مبيد الأعشاب "الغليفوسفات" في جنوب لبنان مطلع شباط/فبراير 2026، في استمرار لسياسات تستهدف البيئة ومقومات العيش. ولا يقتصر أثر هذا العدوان على الأراضي الزراعية، بل يمتد ليطال التربة والمياه والحيوانات، وصولاً إلى الإنسان نفسه.

وبحسب تقرير مشترك لمنظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو)، ووزارة الزراعة اللبنانية، والمجلس الوطني للبحوث العلمية، قُدّرت خسائر الماشية حتى تشرين الثاني/نوفمبر 2024 بنحو 41,447,263 دولاراً، فيما بلغت خسائر مصايد الأسماك 3,909,407 دولاراً، وتجاوزت خسائر تربية الأحياء المائية مليون دولار. كما سُجّلت أضرار في قطاع الثروة الحيوانية تُقدّر بـ48 مليون دولار، إضافة إلى خسائر في الإنتاج الحيواني بلغت نحو 41 مليون دولار.

في هذا التحقيق، نسعى إلى تسليط الضوء على ما هو أوسع من الأضرار التي لحقت بالقطاع الزراعي، لا سيما بعد العدوان الأخير في شباط/فبراير الماضي، الذي استهدف أحراج واراضٍ واسعة من خلال رش الـ "غليفوسفات" على قرى الحافة الأمامية.

اقرأ أيضاً: العدوان الكيميائي على القرى الحدودية: إبادة زراعية جنوبيّ لبنان

في حديثٍ لـ"الميادين نت"، يقول مؤسس جمعية "الجنوبيون الخُضر" والناشط البيئي هشام يونس إن بقايا الذخائر والشظايا أسهمت بشكل كبير في تلويث التربة والمياه، لاحتوائها على معادن ثقيلة مثل الرصاص (Pb)، والنحاس (Cu)، والنيكل (Ni)، والكروم (Cr)، والزنك (Zn)، فضلاً عن بقايا المواد الحارقة والمركّبات الكيميائية. ويُثير ذلك مخاوف جدية من تسرّب هذه العناصر إلى التربة والمياه السطحية والجوفية. وقد وثّق فريق "الجنوبيون الخُضر" 259 اعتداءً بالفسفور الأبيض بين تشرين الأول/أكتوبر 2023 وتشرين الثاني/نوفمبر 2024.

ويرى يونس أن أخطر ما خلّفه العدوان هو الضرر العميق الذي أصاب بنية النظام البيئي في المناطق المستهدفة، في سياق يهدف منذ البداية إلى "تفريغ" المناطق الحدودية من مقوماتها الحيوية وتحويلها إلى حزام ميت.

ومن المهم الإشارة إلى أن العناصر المكوِّنة للقذائف والذخائر تتراكم في التربة وتؤدي إلى تسمّمها، ما يُضعف النشاط الميكروبي الضروري لخصوبتها. كما أن هذه المواد لا تتحلّل بسهولة، ويؤدي تراكمها إلى تدهور البنية الفيزيائية والكيميائية للتربة، وقد يتسبّب بعقمها، إضافة إلى تسمّم المنتجات الزراعية إن وُجدت.

وفي بحث نُشر بتاريخ 20 كانون الثاني/يناير 2025، حدّدت منظمة "مرصد النزاعات والبيئة" (CEOBS)، بالتعاون مع "المعونة الشعبية النرويجية"، الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية البيئية الحيوية جنوبي لبنان. وتبيّن وجود نحو 173 مبنىً متضرراً تحمل مؤشرات على مخاطر بيئية محتملة، من بينها محطات وقود، ومحطات معالجة مياه الصرف الصحي، ومستودعات، وذلك ضمن رصد للحوادث والأضرار بين 7 تشرين الأول 2023 و5 كانون الأول 2024 في جنوب لبنان.

وبحسب بيانات المساحات المحترقة الصادرة عن النظام الأوروبي لمعلومات حرائق الغابات (EFFIS)، يُرجَّح وجود حالات استخدام إضافية للفسفور الأبيض لم يتم توثيقها.

  • المصدر: موقع The Conflict and Environment Observatory
    المصدر: موقع The Conflict and Environment Observatory

فيما يتعلق بالثروة الحيوانية، أشار يونس إلى أن تقرير "الفاو"، بالشراكة مع وزارة الزراعة اللبنانية (تشرين الأول 2023 - تشرين الثاني 2024)، رصد خسائر تُقدَّر بنحو 2.2 مليون طير داجن، و55,657 رأساً من الأغنام والماعز، و3,064 رأساً من الأبقار، إضافة إلى 49,850 خلية نحل. وعلى صعيد التنوع البيولوجي، تسبّبت الحرائق الواسعة بأضرار كبيرة في البيئات الطبيعية، إذ أدّى احتراق الغطاء النباتي إلى تهجير مباشر لعدد من الكائنات الحية، منها مجتمعات الوبر الصخري، وموائل ابن آوى، وجحور الغرير الأوراسي، فضلاً عن الثعالب الحمراء والخنازير، ما أسهم في اختلال التوازن بين الأنواع.

بدوره، يؤكد الخبير الدولي في البيئة والمياه، البروفيسور جلال حلواني، أن العدوان الإسرائيلي المستمر على لبنان يؤثر بشكل غير مباشر في التغير المناخي وتلوث الهواء. فالقصف باستخدام القنابل والصواريخ يؤدي إلى انبعاث كميات كبيرة من الغازات السامة والجسيمات الدقيقة (PM2.5 وPM10)، ما يرفع مستويات تلوث الهواء في المناطق المستهدفة. كما أن استهداف خزانات الوقود في المنشآت الصناعية يتسبب بحرائق ضخمة تُطلق ثاني أكسيد الكربون وأكاسيد النيتروجين والكبريت، وهي من أبرز مسببات الضباب الدخاني والتغير المناخي.

ويضاف إلى ذلك استخدام متفجرات تحتوي على معادن ثقيلة ومواد كيميائية سامة تنتشر في الهواء عند الانفجار أو الاحتراق. ومن هنا، يمكن القول إن تأثير العدوان على المناخ يتجلى في زيادة الانبعاثات الكربونية، إذ ترفع الحرب البصمة الكربونية للبنان بشكل ملحوظ نتيجة احتراق الوقود الأحفوري وتدمير البنية التحتية للطاقة، فضلاً عن تراجع الغطاء الأخضر بسبب احتراق الغابات والمراعي أو قصفها، ما يقلّل من قدرة البيئة على امتصاص الكربون ويُضعف التوازن البيئي.

من الأرض إلى الإنسان.. السلسلة الغذائية بخطر

ويضيف حلواني أن المياه الجوفية أكثر حساسية من التربة، كونها مصدراً مباشراً للشرب والري، وأي تلوّث فيها ينتقل سريعاً إلى الإنسان والنظام البيئي. فعندما تصل المواد الناتجة عن القذائف والذخائر أو المبيدات إلى هذه المياه، تصبح التأثيرات أشد خطورة، لأنها تمس مورداً أساسياً للشرب والزراعة والصناعة. ويمكن لهذه المواد أن تتسرّب عبر التربة إلى الطبقات الجوفية، ما يؤدي إلى تلوّث طويل الأمد يصعب معالجته.

كما أن المتفجرات الكيميائية مثل (TNT) و(RDX) قد تتحلّل جزئياً وتُطلق مركّبات سامة قابلة للذوبان، ما يجعل المياه غير صالحة للشرب لفترات طويلة، وينعكس سلباً على صحة الإنسان والحيوان. وفي ما يتعلق بالمبيدات الزراعية، يؤكد حلواني أنها قد تتسرّب إلى المياه الجوفية نتيجة الاستخدام المفرط أو في الأراضي ذات النفاذية العالية، حيث تصل المواد الكيميائية إلى الطبقات المائية. وينتج عن ذلك وجود بقايا مبيدات في المياه، ما يرتبط بزيادة مخاطر الإصابة بأمراض مزمنة، مثل السرطان واضطرابات الغدد الصماء، فضلاً عن تأثيره البيئي، إذ يؤدي إلى اختلال التوازن البيولوجي في المياه الجوفية، وقد يضر بالكائنات الدقيقة التي تعيش فيها.

وفي سياق التأثير على السلسلة الغذائية، يوضح حلواني أن المعادن الثقيلة، مثل الرصاص والكادميوم، لا تتحلّل بل تتراكم في النباتات، ثم تنتقل إلى الحيوانات التي تتغذى عليها، وصولاً إلى الإنسان. ويؤدي ذلك إلى تسمّم مزمن واضطرابات عصبية ومشكلات في الكلى والكبد. وينطبق الأمر ذاته على المبيدات الكيميائية التي قد تبقى في التربة والمياه، وتدخل إلى النباتات، ثم تتضاعف تراكيزها في الأسماك واللحوم ومنتجات الألبان عبر عملية التضخّم الحيوي (Bio-magnification).

كما أن الملوّثات العضوية الثابتة (POPs) تبقى في البيئة لفترات طويلة جداً، وتنتقل عبر السلسلة الغذائية حتى تصل إلى الإنسان، مسببة اضطرابات هرمونية وأمراضاً مزمنة، مثل السرطان واضطرابات الغدد الصماء ومشكلات الإنجاب.

تعافي طويل الأمد

يرى حلواني أن تعافي الأرض لا يخضع لمدّة زمنية ثابتة، بل يتراوح بين بضع سنوات وعقود، تبعاً لطبيعة الملوّثات ودرجة انتشارها. فبعض المبيدات الزراعية يمتلك "نصف عمر" يتراوح بين 20 و100 يوم في التربة، إلا أن الاستخدام المكثّف قد يُبقي آثارها لسنوات نتيجة تراكم نواتجها الثانوية. أمّا المعادن الثقيلة الناتجة عن الذخائر، فلا تتحلّل بيولوجياً، بل تبقى في التربة والمياه الجوفية لعقود، وقد تتطلّب إزالتها تدخّلات هندسية أو تقنيات المعالجة الحيوية. وكذلك الحال بالنسبة للمتفجّرات الكيميائية التي تتحلّل ببطء شديد، وقد يستمر أثرها لسنوات طويلة، لا سيّما في التربة الطينية أو قليلة النفاذية.

وفي ما يتعلّق بالأراضي المتضرّرة من الحروب، تُظهر التجارب السابقة في لبنان أن إعادة تأهيل الأراضي الملوّثة بالألغام والذخائر استغرقت أكثر من 25 عاماً من العمل المتواصل، حيث جرى تنظيف ما يزيد على 126 مليون متر مربع حتى عام 2021.

ولبدء مسار التعافي، يقترح حلواني الانطلاق من تقييمٍ أولي شامل، يليه إزالة المخاطر المباشرة، ثم الشروع في المعالجة البيئية، وصولاً إلى إعادة التأهيل الزراعي. ويؤكد أن مشروع التعافي يجب أن يكون متعدد المراحل، يجمع بين الأبعاد التقنية والبيئية والاجتماعية، إذ قد تمتد عملية التعافي من خمس سنوات إلى أكثر من ثلاثين عاماً، وفقًا لنوع الملوّثات وعمقها. ومن هنا، تبرز الحاجة إلى مشروع وطني–دولي مشترك يضمّ الجيش (لأعمال التطهير)، والوزارات (للتنظيم)، والجامعات (لتطوير التقنيات)، والمجتمع المحلي (لضمان الاستدامة).

ويؤكد الواقع مجدداً حجم الانتهاكات المرتكبة بحق البيئة ومقومات الحياة، من خلال استهدافها بدون تمييز بين النبات والحيوان والإنسان، بما يطال مختلف عناصر المنظومة الحيوية. كما يُسجَّل في هذا السياق استمرار خروقات القانون الدولي الإنساني، الذي ينص على حماية البيئة الطبيعية والحد من الأضرار التي تلحق بها خلال النزاعات المسلحة. فقد أضاف البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف نصاً خاصاً لحظر استخدام وسائل أو أساليب للقتال، يقصد بها أو قد يتوقع منها أن تلحق بالبيئة الطبيعية أضراراً بالغة واسعة الانتشار وطويلة الأمد. كذلك يحظر هجمات الردع التي تشن ضد البيئة الطبيعية من قبيل الانتقام.

وفي السياق نفسه، اعتمد المجتمع الدولي اتفاقية عام 1976 بشأن حظر استخدام تقنيات التغيير في البيئة لأغراض عسكرية أو لأي أغراض عدائية أخرى والتي غالباً ما يُشار إليها بمعاهدة "التغيير البيئي". إضافة إلى نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية لعام 1998، الذي اعتبر أن الأعمال التي تلحق ضرراً واسع النطاق وطويل الأجل وشديداً بالبيئة الطبيعية وتنتهك مبدأ التناسب، هي جريمة حرب، بحسب المادة 35(3) من البروتوكول الأول. وتحظر المادة 55 (2) من البروتوكول نفسه، الهجمات الانتقامية التي تشن ضد البيئة الطبيعية. عوضاً عن أحكام خاصة أخرى، تمنع تدمير الأراضي الزراعية ومرافق مياه الشرب بقصد إلحاق أضرار بالسكان المدنيين. 

اخترنا لك