الحرب تثقل كاهل مزارعي جنوب لبنان.. خسائر وتحديات تهدد المواسم

دمّرت الحرب أراضي ومواسم ومصادر رزق آلاف المزارعين في جنوب لبنان، فيما لا تزال الديون ومخلفات الحرب والتلوث ونقص الدعم تعرقل عودتهم إلى الإنتاج.

  • الحرب تثقل كاهل مزارعي جنوب لبنان.. خسائر وتحديات تهدد المواسم
    الحرب تثقل كاهل مزارعي جنوب لبنان.. خسائر وتحديات تهدد المواسم

يستذكر المزارع أحمد سرور أرضه في بلدة طيرحرفا الحدودية، التي بدأ العمل فيها عام 1979، مستعيداً عقوداً من التعب قبل أن تُدمَّر خلال أشهر قليلة من الحرب.

بالنسبة إلى سرور، لم تكن الزراعة مجرد مهنة، بل إرثاً عائلياً عاش منه هو وأفراد أسرته. ففي أرضه كان يزرع البامية والباذنجان والملفوف والخس، إلى جانب الزيتون والصنوبر، وكان ينتج سنوياً نحو 20 كيلوغراماً من الصنوبر المقشّر المخصص للبيع.

لكن أكثر ما يؤلمه، بحسب وصفه، ليس خسارة موسم زراعي فحسب، بل تدمير كل ما بناه على مدى عقود. ويقول: "جُرِّف المنحل بالكامل، وكان يضم بين 80 و90 خلية نحل دُفنت بالتراب. لم يبقَ شيء، لا خلايا ولا معدات".

ولا تقتصر الخسائر على المنحل، إذ يشير سرور إلى تدمير الجرار الزراعي ومعداته، وآلات حراثة الأرض، وأدوات الرش، والبيوت البلاستيكية، إضافة إلى عدد كبير من أشجار الزيتون التي اقتُلعت أو تكسّرت.

ويعتبر أن خسارة الأدوات الزراعية والمنحل هي الأكثر قسوة، لأنها كانت تشكّل أساس عمله اليومي ومصدر دخله. ويؤكد أنه حتى اليوم لم تتواصل معه أي جهة رسمية لتقدير الأضرار أو تعويضه.

وبرغم ذلك، عاد إلى أرضه قبل نحو خمسة أشهر، محاولاً إنقاذ ما يمكن إنقاذه. أصلح بعض الأضرار واشترى خزاناً للمياه في محاولة لاستئناف العمل، إلا أن حجم الدمار، كما يقول، لا يزال أكبر من قدرته على التعافي بمفرده.

خسائر تتجاوز الأرض والموسم

لم تقتصر آثار العدوان في جنوب لبنان على المنازل والبنى التحتية، بل امتدت إلى الأراضي الزراعية التي تشكّل مصدر الرزق الأساسي لآلاف العائلات.

فبحسب وزارة الزراعة اللبنانية، تكبّد القطاع الزراعي خسائر وُصفت بالكارثية، إذ تضرر نحو 22.5% من إجمالي القطاع، في واحدة من أكبر الضربات التي يتعرض لها منذ عقود.

وشملت الأضرار المباشرة خسائر قُدّرت بنحو 41.2 مليون دولار، توزعت بين المحاصيل الزراعية والبنى التحتية وشبكات الري والمنشآت الزراعية، بما فيها البيوت البلاستيكية وأنظمة الطاقة الشمسية.

لكن الخسائر لم تتوقف عند حدود ما دمّرته الغارات، إذ واجه المزارعون تحديات أكثر تعقيداً، أبرزها تعذّر الوصول إلى الأراضي الزراعية، وضياع مواسم إنتاج كاملة، وانقطاع مصادر دخل اعتمدت عليها عائلات بأكملها.

ووفق تقييم مشترك أعدّته وزارة الزراعة والمجلس الوطني للبحوث العلمية ومنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة وبرنامج الأغذية العالمي، بالتنسيق مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، بلغت مساحة الأراضي التي تضررت مباشرة وتحتاج إلى أعمال تأهيل واستصلاح نحو 1380 هكتاراً، ما يفرض تنفيذ برامج متخصصة لإعادة تأهيلها واستعادة قدرتها الإنتاجية.

أما التأثير الأكبر، فتمثّل في الخسائر الإنتاجية التي امتدت إلى نحو 56,320 هكتاراً من الأراضي الزراعية، نتيجة تعذّر الوصول إليها وتراجع الأنشطة الزراعية وفقدان المواسم الإنتاجية، إلى جانب تعطّل سلاسل التوريد والتسويق.

وتُقدَّر القيمة الإجمالية لخسائر الإنتاج الزراعي بنحو 530.5 مليون دولار، في رقم يعكس حجم الضربة التي تلقاها الاقتصاد المحلي في جنوب لبنان، وانعكاساتها المباشرة على دخل الأسر الريفية التي تعتمد على الزراعة مصدراً رئيسياً للعيش.

تحديات المزارعين قد تصل إلى حدّ الموت

لا تنتهي معاناة المزارعين في جنوب لبنان حتى مع توقف العمليات العسكرية، بل تبدأ مرحلة جديدة من التحديات.

فإلى جانب خسارة مواسم زراعية كاملة وتدمير مساحات واسعة من الأراضي، ترى رئيسة مصلحة الزراعة في جنوب لبنان، سوسن حمزة، أن المزارعين يواجهون أزمة مالية خانقة نتيجة الخسائر التي تكبدوها والديون التي راكموها خلال الحرب، في وقت يحتاجون فيه إلى سيولة لشراء البذور والأسمدة والأدوية الزراعية استعداداً للمواسم المقبلة.

ولا تقتصر الصعوبات على الجانب المالي، إذ أدى النزوح واستشهاد عدد من العاملين في القطاع الزراعي إلى نقص في اليد العاملة، ما زاد من صعوبة استئناف النشاط الزراعي، ولا سيما في القرى الحدودية.

وتبقى المخاطر الأمنية أحد أبرز العوائق أمام عودة المزارعين إلى أراضيهم. ففي كثير من المناطق، ما تزال مخلفات الحرب تهدد حياتهم، سواء بسبب القنابل العنقودية غير المنفجرة أو احتمال وجود مواد ملوثة في التربة.

ويستحضر أبناء الجنوب حادثة استهداف عماد ياسين أثناء عمله في أرضه في بلدة عدشيت، باعتبارها مثالاً على المخاطر التي لا تزال ترافق المزارعين حتى بعد إعلان ما سُمّي بوقف إطلاق النار.

وتضيف حمزة أن تلوث التربة والمياه يثير مخاوف متزايدة، في ظل محدودية الفحوصات والتحاليل اللازمة لتحديد حجم الترسبات والملوثات الناتجة عن استخدام الذخائر المختلفة، بما فيها الفوسفور الأبيض والمعادن الثقيلة التي قد تخلّفها الصواريخ، وهو ما يطرح إشكالية سلامة الإنتاج الزراعي على المدى الطويل.

ولا تنحصر تداعيات هذه الأزمة بالمزارعين وحدهم، بل تمتد إلى الأمن الغذائي في لبنان. فالجنوب يُعدّ إحدى أهم السلال الغذائية في البلاد، إذ ينتج معظم الحمضيات ونحو 90% من محصول الموز، إلى جانب كميات كبيرة من الخضار والمونة التقليدية.

ومع استمرار تعذّر الوصول إلى عدد من القرى الحدودية وتراجع الإنتاج الزراعي، تزداد المخاوف من انخفاض العرض في الأسواق مقابل زيادة الطلب، وارتفاع الأسعار، وتعاظم الاعتماد على الاستيراد، بما يفاقم الضغوط على القدرة الشرائية للمواطنين.

محاولة لإنقاذ القطاع

تؤكد سوسن حمزة، لـلميادين نت، أن وزارة الزراعة تعمل بالتعاون مع منظمات دولية ومحلية واتحادات البلديات على تنفيذ خطة لإعادة إحياء القطاع الزراعي.

وتشمل الخطة إزالة مخلفات الحرب من الحقول، وإجراء فحوصات للتربة للتأكد من خلوها من الذخائر والمواد الملوثة، إلى جانب توزيع البذور والشتول والأعلاف، وتقديم مساعدات مالية للمزارعين المسجلين في السجل الزراعي، ضمن آلية تهدف إلى تعزيز الشفافية.

كما تتضمن الخطة إعادة تأهيل البنى التحتية الزراعية، ولا سيما قنوات الري وشبكات الطاقة الشمسية، والعمل على توفير قروض ميسّرة لصغار المزارعين، بهدف تمكينهم من استئناف الإنتاج واستعادة جزء من قدرتهم على الصمود.

اخترنا لك