التطبيع الإسرائيلي مع لبنان يصطدم بالمجتمع والذاكرة

التطبيع مع "إسرائيل" في لبنان يصطدم ببنية اجتماعية وتاريخية وقانونية راسخة تجعله خياراً غير قابل للحياة برغم أي طرح سياسي.

  • التطبيع الإسرائيلي مع لبنان يصطدم بالمجتمع والذاكرة
    التطبيع الإسرائيلي مع لبنان يصطدم بالمجتمع والذاكرة

لا تبدو مسألة التطبيع مع "إسرائيل" في لبنان، بمسمياتها المختلفة (سلام، نظام استقرار مستدام للحدود...)، خياراً سياسياً مختلفاً عليه فحسب، بل هي أقرب إلى مسألة تصطدم ببنية اجتماعية وتاريخية وقانونية تجعلها غير قابلة للتحوّل إلى مشروع عام ذي قابلية للحياة. فرفض التطبيع في الحالة اللبنانية لا ينطلق فقط من خطاب أيديولوجي أو اصطفاف حزبي، بل هو، في جوهره، أقرب إلى تراكب ثلاثة مستويات متداخلة.

ذاكرة الحرب والاحتلال والاعتداءات، والتموضع القانوني الرسمي الذي ما زال يتعامل مع "إسرائيل" بوصفها عدواً، ثم الإدراك المجتمعي الواسع بأن أي انتقال إلى علاقات طبيعية في ظل استمرار الاحتلال والاعتداءات المتكررة والملف الفلسطيني المفتوح، سيكون انتقالاً قسرياً لا يخطو نحو تسوية تاريخية. ثم إن الجرائم الدائمة التي تصر "إسرائيل" على ارتكابها ضد الفلسطينيين والسوريين والإيرانيين، إضافة إلى اللبنانيين، تجعل الخطر الإسرائيلي حاضراً بقوة في الوجدان اللبناني أكثر من أي احتمالٍ لتسوية سياسية رومانسية. التوسع الإسرائيلي في المنطقة، والتهديدات التي يطلقها القادة الإسرائيليون في كل اتجاه، بموازاة غياب عوامل القوة الكافية لدى لبنان كدولة، كلها عوامل تؤدي إلى عدم قابلية مشروع التطبيع للحياة. 

أول ما يجب التوقف عنده هو أن الرفض الشعبي في لبنان هو أكثر من معطى انفعالي عابر، إنه موقف اجتماعي واسع يمكن قياسه. فوفق عرض معهد الدوحة لنتائج مؤشر الرأي العربي 2024-2025 الخاص بلبنان، هناك رفض كاسح بنسبة 89% لاعتراف لبنان بـ"إسرائيل"، ويُرجع التقرير هذا الموقف إلى النظر إلى "إسرائيل" باعتبارها كياناً ذا طابع استعماري وتوسعي، لا إلى اعتبارات دينية أو ثقافية صرف. وفي التقرير نفسه، اعتبر 97% من اللبنانيين أن سياسات "إسرائيل" تشكل مصدراً رئيسياً للتهديد لأمن المنطقة واستقرارها، بينما قال 99% إنهم يشعرون بالغضب تجاه "إسرائيل" بعد الحرب (خريف 2024)، كما أفاد 84% بأن تلك الحرب فرضت عليهم ضغطاً نفسياً شديداً. هذه الأرقام مهمة لأنها تكشف أن رفض التطبيع ليس موقف نخب أو أحزاب فقط، بل بنية شعورية وإدراكية واسعة في المجتمع اللبناني نفسه.

إلى جانب ذلك، تُظهر بيانات كثيرة على المستوى الإقليمي أن مناخ ما بعد 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 لم يفتح الباب أمام ما يسمة بالسلام الدافئ، بل أغلقه أكثر. فمنصة "آراب باروميتر" تشير في استطلاع أجرته في سبع دول عربية خلال عامي 2023-2024 إلى أن نسبة المؤيدين للتطبيع لم تتجاوز 13%، وتذكر صراحة أن اللبنانيين يقعون ضمن هذا القاع الإقليمي في التأييد. ولا يعني ذلك أن كل اللبنانيين يملكون الموقف نفسه من قضايا السلاح أو الدولة أو الاستراتيجية الدفاعية، لكنه يعني أن القاعدة الاجتماعية الواسعة لا ترى في التطبيع مع "إسرائيل" خياراً طبيعياً أو مرغوباً.

الذاكرة أيضاً ترفض

السبب الثاني لعدم القابلية الاجتماعية للتطبيع هو أن "إسرائيل"، في الوعي اللبناني المعاصر، فكرة غير مجردة، هي تعبير عن خبرة معيشية حية يمكن تذكر تفاصيلها، والحروب المتتالية أثناء حياة الجيل نفسه تثبت تلك الصورة عن "إسرائيل". من الاحتلال السابق لجنوب لبنان من 1978 إلى 2000، ثم حرب 2006، وصولاً الحرب الممتدة منذ أواخر 2023 وما تلاها. كلها محطات عمقت صورة "إسرائيل" بوصفها فاعلاً مدمراً للحياة اليومية، وطرف غير قابل للاندماج في تسوية مجتمعية إقليمية. 

وقد أدى الاعتداءات الإسرائيلية في الحربين الأخيرتين على لبنان إلى نزوح أكثر من 1.2 مليون شخص كل مرة، إضافة إلى قتل الآلاف وجرح الآلاف في كل مرة. كما تم توثيق تدمير منهجي للبلدات الحدودية، كما يحدث الآن، ومنع الأهالي من العودة إلى قراهم. إن خبرة المجتمع اللبناني مع "إسرائيل" مرتبطة بالقتل والنزوح والبيوت المهدمة. وهذه خبرة لا يمكن تجاوزها عند إتيان الحلول السياسية، من خلال استسهال طروحات حول السلام والتطبيع، كما لو أن الحديث يدور عن صراعٍ بعيد لا علاقة للشعب المعني بالتطبيع به. إنها فكرة ترتبط بالذاكرة الحية للناس، وتصطدم بها.

ولا يقف الأمر عند فئة واحدة من المجتمع أو منطقة واحدة. الأمر لا يتعلق هنا بأبناء الجنوب اللبناني، أو بالمسلمين الشيعة وحدهم، برغم أن هؤلاء يشكلون البيئة المجتمعية المتاخمة للحدود، وهو ما أثر على هوية قوى المقاومة التي تولت الدفاع بوجه الخطر الإسرائيلي. الأمر هنا مرتبط بذاكرة اجتماعية واسعة تمتد إلى كل الفئات اللبنانية من دون استثناء، وبمستويات تتأثر منطقياً بدرجة القرب من الخطر، لكنها تبقى على شمولها وحدتها.

ومع أن حركة النزوح الداخلي وحدة الخطاب السياسي المغذى خارجياً، هي عوامل تزيد من الحساسيات الطائفية والمناطقية، غير أن مؤشر الرأي العربي أظهر أن 88% من النازحين شعروا بأنهم لاقوا ترحيباً في مناطق نزوحهم، وأن 87% من المجتمعات المضيفة وصفت التجربة بأنها إيجابية. وهذه مفارقة بالغة الدلالة، إذ إن الحرب قد تفاقم التوترات الداخلية، لكنها في الوقت نفسه تُنتج وعياً لبنانياً مشتركاً بأن "إسرائيل" مصدر التهديد الخارجي المباشر. وهذا يعمق، لا يضعف، الأساس الاجتماعي الرافض للتطبيع.

الرفض ترجمة لبيئة قانونية موجودة

العامل الثالث هو أن الرفض الاجتماعي يجد ترجمة قانونية ومؤسساتية في الدولة اللبنانية برغم كل النقاش الدائر حول التفاوض المباشر مع "إسرائيل"، والضغوط الخارجية التي تركز على هذا الحدث. فوزارة الاقتصاد اللبنانية ما زالت تعرض رسمياً على موقعها إطار مقاطعة "إسرائيل" بوصفه وسيلة مشروعة وسلمية، وتشرح أن مكتب مقاطعة "إسرائيل" يعمل تحت إشراف الوزير لتنفيذ القوانين والأنظمة ذات الصلة ومنع دخول "إسرائيل" إلى السوق اللبنانية "بأي وسائل غش أو تزوير أو تهريب".

كذلك تنص المادة الثانية من قانون 1955 الخاص بمقاطعة "إسرائيل" على حظر دخول البضائع والمنتجات الإسرائيلية إلى الأراضي اللبنانية وحظر تداولها أو الاتجار بها. كما أن منظومة من القوانين اللبنانية، تشمل قانون المقاطعة وقانون العقوبات وقانون القضاء العسكري، تجعل مختلف أشكال الاتصال والتعامل مع ال"إسرائيل"يين محظورة وقد تصل العقوبات فيها إلى مستويات شديدة جداً. معنى ذلك أن الرفض الاجتماعي ليس خارج الدولة، بل الدولة نفسها كرسته قانونياً لعقود.

ويزداد هذا العامل وزناً حين نلحظ أن حتى القوى الرسمية غير المحسوبة على محور المقاومة لا تجد هامشاً سياسياً للدفاع عن التطبيع. فالتصريحات الرسمية اللبنانية لاتزال تشير إلى أن الحال بعيدة عن التطبيع الديبلوماسي أو الاقتصادي مع "إسرائيل"، ولاتزال بوصلة الموقف الرسمي اللبناني الجامع، باستثناء تصريحات جديدة خارج التاثير الفعل، تؤكد ارتباط ذلك بالمبادرة العربية للسلام وبقيام دولة فلسطينية.

ورغم أن ذلك يهتز عند كل إجراء كالتفاوض المباشر بين السفراء في واشنطن، أو عبر تصريحات من قيادات عليا في الدولة، إلا أن خروج الموقف اللبناني الرسمي برمته من أجل هذا المسار يبقى محكوماً بسقوفٍ عربية أيضاً، يتخذها اللبنانيون من السنة والمسيحيين بعين الاعتبار، خصوصاً الموقف السعودي الذي لا مصلحة له بالتخلي عن الثوابت التي أرساها اتفاق الطائف في الحكم.

وهذا ما يترجمه عدم تجرؤ أي مسؤولٍ لبناني بالدفاع عن التطبيع علناً، من دون أن يربطه بمسارٍ طويل، ويغلفه بالحديث عن الاستقرار والسلام وغير ذلك من عبارات التخفيف. ذلك أن سلوك هذا المسار من شأنه أن يزيد انقسام المجتمع لأن لا إجماع لبنانياً عليه، خصوصاً في ظل استمرار الاحتلال ال"إسرائيل"ي لأجزاء من الأراضي اللبنانية وغياب أي سلام فعلي بين الطرفين. هذا مهم لأن عدم القابلية الاجتماعية هنا لا يقتصر على الشارع، بل يقيّد حتى قدرة النخبة الحاكمة على تبني خطاب تطبيعي صريح.

ثم إن ملف فلسطين يبقى عنصراً بنيوياً في الوعي اللبناني، فالقضية ليست قضية خارجية. والأمر لا يرتبط فقط بدعم القضية الفلسطينية، بل أيضاً برفض توطين اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، واعتبار الأغلبية الساحقة من اللبنانيين ذلك تفخيخاً للمجتمع اللبناني، وتغييراً لتركيبته المجتمعية، إلى جانب كونه قضاء على حق الفلسطينيين بالعودة إلى بلدهم. هذا المعطى يفسر لماذا لا يُنظر إلى التطبيع في لبنان باعتباره ترتيباً حدودياً أو اقتصادياً محدوداً، بل باعتباره تموضعاً أخلاقياً وسياسياً ومصحلياً أوسع. فهل يُكافأ كيانٌ يُنظر إليه مجتمعياً بوصفه توسعياً واستعمارياً بعلاقات طبيعية، فيما لم تُحل القضية الفلسطينية ولم تتوقف الاعتداءات على لبنان نفسه؟ في هذا الإطار، يصبح التطبيع في الوعي الاجتماعي نوعاً من القطيعة مع الذات العربية والذاكرة الوطنية في آن واحد.

أكثر من ذلك، فإن الحروب الأخيرة لم تُنتج في لبنان شعوراً بأن التطبيع قد يكون ثمناً ضرورياً للاستقرار، بل عززت الشك في هذه الفكرة. فكثير من اللبنانيين ينظرون إلى الدعوات إلى محادثات سلام بعين الريبة، لا سيما في ظل الحرب الجارية، وقتل مئات الأشخاص في يوم واحد من الضربات، وتدمير البنية التحتية، ووجود أكثر من مليون نازح. ويبدو للبنانيين أو لأغلبهم على أقل تقدير أن "إسرائيل" تستخدم الحديث عن التفاوض لإنتاج غطاء سياسي في واشنطن أكثر من سعيها إلى سلام حقيقي. لأن اقتران خطاب السلام باستمرار القصف والاحتلال والاختلال الفادح في موازين القوة، يفقد قدرته على اختراق الوجدان الاجتماعي.

خلاصة القول إن عدم القابلية الاجتماعية في لبنان للتطبيع مع "إسرائيل" ناتج عن اجتماع ذاكرة الحرب مع التجربة المعيشية للعدوان، ومع التشريع الرسمي للمقاطعة، ومع التماهي الشعبي العميق مع القضية الفلسطينية، ومع غياب أي ثقة بأن "إسرائيل" تعرض سلاماً عادلاً أو نهائياً. لذلك، فإن أي محاولة لدفع لبنان نحو التطبيع، قبل تبدل جذري في الوقائع السياسية والأمنية والحقوقية، ستبدو في الغالب محاولة فوقية تصطدم بالمجتمع قبل أن تصطدم بالنظام السياسي وبالمقاومة. وبالمعنى السوسيولوجي الدقيق، المشكلة أن التطبيع تكمن في أنه غير قابل للاجتماع اللبناني بوصفه تسويةً طبيعية في الظروف الراهنة.

اخترنا لك