البنية التحتية اللبنانية في مرمى العدوان: خنق المدنيين وقطع شرايين الحياة

يسعى العدوان الإسرائيلي إلى استهداف الجسور والبنى التحتية في جنوب لبنان والبقاع كجزء من استراتيجية لعزل السكان، خنق مقومات الصمود، ومنع الإنقاذ، بما يفاقم الكارثة الإنسانية ويخالف القانون الدولي.

  • البنية التحتية اللبنانية في مرمى العدوان: خنق المدنيين وقطع شرايين الحياة
    البنية التحتية اللبنانية في مرمى العدوان: خنق المدنيين وقطع شرايين الحياة

طال العدوان الإسرائيلي على لبنان الجسور والمدارس والمستشفيات ومحطات المياه، إضافة إلى الطواقم الطبية، منذ بداية الحرب في 2 آذار 2026، ضمن استراتيجية واضحة تهدف إلى عزل سكان المناطق الواقعة جنوب نهر الليطاني اجتماعياً، وحرمانهم من الخدمات والموارد الأساسية. ويأتي ذلك في سياق خلق واقع معيشي قاسٍ يُضعف قدرة الأهالي على الصمود، ويحول دون عودة من هُجّروا قسراً، بدءاً من منع وصول المساعدات والطواقم الإسعافية، وصولاً إلى إعاقة عمليات إعادة الإعمار والترميم، بما يزيد من حجم الأضرار الإنسانية والاقتصادية، عبر استهداف ممنهج لمقوّمات الحياة اليومية.

استهداف الجسور: أداة للعزل الاجتماعي وتعطيل محاولات الإنقاذ

يزعم جيش الاحتلال الإسرائيلي أنّ قصف جسور نهر الليطاني يهدف إلى قطع خطوط الإمداد العسكرية، غير أنّ الوقائع تشير إلى ما هو أبعد من ذلك، ليستهدف المدنيين بشكل مباشر.

ويُعدّ هذا النوع من الاعتداءات انتهاكاً للقانون الدولي الإنساني، لما ينطوي عليه من استهداف مباشر للبنية التحتية المدنية الحيوية، وما يترتّب عليه من آثار إنسانية جسيمة، بحسب القاعدة السابعة من مبدأ التمييز والتناسب (مبدأ التمييز بين المدنيين والمقاتلين)، حيث ينص القانون على التمييز بين الأهداف العسكرية والأعيان المدنية.

ومن المهم توضيح الآثار الاجتماعية والإنسانية لهذا النمط من التدمير، إذ يتمثل في فرض حصار مباشر على العائلات الصامدة في المناطق المستهدفة، ومحاولة عزلها اجتماعياً، تحت تهديد استهداف كل من يرفض النزوح. ويتجلّى ذلك، على سبيل المثال، في استهداف منزل عائلة جفّال التي رفضت مغادرة قريتها بعد تهديدات جيش الاحتلال لقرى جنوب نهر الليطاني، ما أدى إلى استشهاد المواطنة رُلى جفّال في بلدة البازورية.

كما تُحرم العائلات التي قررت البقاء في منازلها من المساعدات الغذائية، في سياق يستهدف تقويض مقومات الصمود ودفع السكان إلى الرحيل. ويُعدّ ذلك مخالفةً للمادة 8 من القانون الجنائي الدولي، لجهة عرقلة الإمدادات الإغاثية. وفي السياق نفسه، يُستخدم المدنيون كورقة ضغط سياسية وعسكرية، في انتهاكٍ للمادة 33 من اتفاقية جنيف لعام 1949، التي تحظر العقوبات الجماعية وأشكال التهديد والإرهاب.

ويؤدي هذا الواقع إلى تفريغ الأرض من سكانها، في محاولة لفرض واقع ديموغرافي جديد، بالتوازي مع منع وصول الطواقم الطبية وفرق الإسعاف لإنقاذ الجرحى وانتشال الضحايا المدنيين. كما تُقيَّد حركة الإعلاميين وتُمنع تغطيتهم في المناطق المستهدفة، في مسعى لحجب الانتهاكات، إضافة إلى استنزاف الموارد المحلية عبر تعطيل الإمدادات، ما يفاقم إنهاك القرى اقتصادياً.

ومنذ فجر يوم الإثنين 2 آذار 2026، استهدفت الطائرات الإسرائيلية عدداً من الجسور والطرقات التي تُعدّ شرايين حيوية لحركة المدنيين والتجارة، من بينها:

- جسر القنطرة في وادي الحجير: استُهدف بتاريخ 12 آذار 2026، ويُعدّ ممراً أساسياً للتنقل بين القرى الجنوبية.

- جسر طرفيلسيه – الزرارية: قُصف في 13 آذار 2026، ويقع بين شمال نهر الليطاني وجنوبه، ويربط بين بلدات أقضية الزهراني والنبطية، وصور وبنت جبيل، وبحسب الوكالة الوطنية للإعلام فإن هذا الاستهداف هو الأول من نوعه لمنشأة رسمية تابعة للدولة اللبنانية. يُعتبر هذا الجسر محوراً أساسياً لتنقل المواطنين، ويستخدم لنقل البضائع والمواد الأساسية من مرفأ صور والمناطق الساحلية.

- جسر الخردلي: تعرض للقصف بتاريخ 14 آذار 2026، ويربط بين قضائي النبطية ومرجعيون.

- جسر القاسمية: تعرض للقصف في 22 آذار 2026، ويُعد أحد الشرايين الحيوية الرئيسية في جنوب لبنان، ويشكل حلقة الوصل للأوتوستراد الساحلي الرابط بمدينة صيدا والعاصمة بيروت حيث يمثل جزءاً أساسياً في الاتصال، ويربط ساحل صور بمناطق بنت جبيل، والنبطية، بين شمال نهر الليطاني وجنوبه، ما يجعله محوراً رئيسياً للحركة المدنية والتجارية. 

- قعقعية الجسر: وهو صلة الوصل بين قضائي النبطية وبنت جبيل. دمرته طائرات الاحتلال في 22 آذار 2026.

- جسر الدلافة: استُهدف في 23 آذار 2026، وهو يربط بين بين قضائي حاصبيا وجزين، حيث يصل الجنوب بالبقاع الغربي. ويُعد ممراً حيويّاً بين المناطق الساحلية والداخلية، كما يُستخدم لنقل المواد التجارية.

- جسر بين سحمر ومشغرة: استُهدف بتاريخ 3 نيسان 2026، ويُعدّ رابطاً أساسياً بين الطرق الداخلية في البقاع الغربي، إذ يستخدمه الأهالي للتنقّل اليومي، كما يشكّل ممراً حيوياً للحركة التجارية.

وقد سبق أن استهدفت الطائرات الإسرائيلية جسور نهر الليطاني في محطات سابقة، لا سيما خلال عام 1978 (عملية الليطاني)، وعام 1996 (عناقيد الغضب)، و2006 (حرب تموز)، في نمط متكرر من استهداف البنية التحتية الحيوية.

لم يقتصر العدوان الإسرائيلي تاريخياً على الجسور فقط، كاستهداف مباشر للبنى التحتية، ففي 14 نيسان 1996، قصف الاحتلال محطة تحويل رئيسية للكهرباء في منطقة الجمهور. أما بين أيلول وتشرين الثاني 2024، وبحسب منظمة هيومن رايتس ووتش، فقد احتل الجيش الإسرائيلي عدداً من المدارس وعمد إلى تخريب الممتلكات عمداً، حيث استخدم بعضها كثكنات عسكرية، ما يُخالف قواعد القانون الدولي الإنساني، إذ إن المدارس تُعد كأعيان مدنية.

وقد وُثق الدمار في المدارس داخل عدد من القرى في عيتا الشعب، وطير حرفا، والناقورة، ويارين، ورامية، وعيترون، وبني حيان. ومع توغل قوات الاحتلال داخل البلدات الجنوبية خلال العدوان الحالي، تتزايد مخاطر إلحاق الضرر بالبنى التحتية التعليمة المحمية تحت غطاء القوانين الدولية. فقد قصف الاحتلال محيط مدرسة الكوثر في النبطية الفوقا، إلى جانب محيط حضانة للأطفال في الأسبوع الأول من العدوان بحسب الوكالة الوطنية للإعلام. في حين أكد أهالي المنطقة أن مدرسة استُهدفت في القصف. كما شنت إحدى المسيرات غارة على حي الجامعات في النبطية، قبل أن تُستهدف كلية العلوم في الجامعة اللبنانية بمنطقة الحدث.

وانطلاقاً من منع وصول الطواقم الطبية والإسعافات إلى المناطق المهددة بعد تدمير الجسور، عمد جيش الاحتلال إلى استهداف فرق الإسعاف والإنقاذ، حيث سقط للهيئة الصحية الإسلامية منذ بداية العدوان نحو 30 شهيداً، وأكثر من 45 جريحاً، بالإضافة إلى 18 مركزاً تم استهدافه. كما تضررت 28 سيارة إسعافية. 

يشرح محمود كركي، المسؤول الإعلامي في الدفاع المدني التابع للهيئة الصحية، أسباب استهداف الطواقم الطبية، مشيراً إلى أنّه برغم الفاصل الزمني الذي يتركه عناصر الإسعاف بعد الغارة، يعود العدو لاستهدافهم. ويؤكد كركي للميادين نت، أنّ هذه ليست المرة الأولى التي تُستهدف فيها الطواقم الطبية، مستذكراً حادثة عام 1996 حين استهدف العدو سيارة تابعة للهيئة في بلدة المنصوري، ما أدى إلى استشهاد أطفال كانوا داخلها. 

ويسعى جيش الاحتلال من خلال هذا النوع من الاستهدافات إلى نزع الشعور بالأمان لدى المواطن، فيُحاول القضاء على الوسائل المتاحة لإنقاذ المُتضررين من جراء عدوانه.

وبحسب منظمة الصحة العالمية، فقد ارتقى نحو 30 عاملاً في القطاع الصحي بين 2 و15 آذار 2026، في 28 هجوماً على قطاع الرعاية الصحية. وحتى 26 آذار 2026، استهدفت طائرات الاحتلال مُختلف الفرق الطبية والإسعافية، من جمعية كشافة الرسالة الإسلامية، والصليب الأحمر اللبناني، وحتى الإسعاف التابع للبلديات في منطقة جنوب لبنان، حيث استشهد مسعفين من إسعاف النبطية ما رفع الحصيلة الإجمالية لضحايا الإسعاف والقطاع الصحي. وتنص المادة 24 من اتفاقية جينيف 1949 على حماية الطواقم العاملة في الخدمات الطبية المشتغلين في البحث عن الجرحى والمرضى أو جمعهم أو نقلهم أو معالجتهم.

لا تنفصل استراتيجية الاحتلال المُتبعة بتدمير البنى التحتية وجسور نهر الليطاني، عن أطماعه التاريخية للوصول إلى مياه الليطاني، وإنشاء منطقة عازلة، فمنذ بداية العدوان الإسرائيلي الحالي، عمد الجيش الإسرائيلي إلى استهداف ما لا يقل عن ثمانية مصادر مياه حيوية. وقد نشرت منظمة أوكسفام تقريراً ذكرت فيه مهاجمة الخزانات وشبكات الأنابيب ومحطات الضخ التي كانت تزود المياه لأكثر من 7000 شخص في محافظة البقاع وحدها.

وفي حديث للميادين نت، قال جمال شعيب، مسؤول وحدة الإعلام والاتصال في مؤسسة مياه لبنان الجنوبي، أن القوات الإسرائيلية استهدفت منشآت المياه وحقول الطاقة المرتبطة بالآبار في القرى الجنوبية، ما أدى إلى أضرار في الخزانات والمنشآت التابعة للمؤسسة. وأكد شعيب أن مهندسي المؤسسة يقومون حالياً بمسح الأضرار وتقييمها، ورفع التقارير اللازمة للمؤسسة لاتخاذ الإجراءات الضرورية لإعادة صيانتها.

اخترنا لك