استهداف التراث الإيراني.. حين تتحول المعالم التاريخية إلى قضية هوية وذاكرة
تحوّل استهداف المواقع التاريخية الإيرانية خلال الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية إلى قضية تتجاوز الأضرار المادية، إذ ربطه كثير من الإيرانيين بالهوية الوطنية والذاكرة الجماعية، وسط جهود رسمية وشعبية للترميم والمساءلة الدولية.
-
قصر كلستان تعرض لعدوان إسرائيلي أميركي ألحق به أضراراً جسيمة
لم تكن الأضرار التي لحقت بالمعالم التاريخية الإيرانية خلال العدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران على مدار أربعين يوماً، مجرد خسائر معمارية أو سياحية بالنسبة إلى كثير من الإيرانيين، إذ تحوّلت سريعاً إلى قضية اجتماعية مرتبطة بالذاكرة الوطنية وهوية المجتمع. فوفق معطيات وزارة الثقافة الإيرانية، تضرّر 149 موقعاً تاريخياً و64 منشأة سياحية في 18 محافظة بينها طهران العاصمة، بينما لم تحسم حتى الآن التقديرات النهائية لحجم الأضرار.
في الوعي الاجتماعي الإيراني، لا تُختزل القصور والمتاحف والأحياء القديمة في كونها مباني أثرية فحسب، بل تُعدّ جزءاً من المخيلة التي تربط الإيرانيين بتاريخهم الطويل. فزيارة مواقع مثل قصر كلستان أو مجمّع سعد آباد أو قصر الأربعين عموداً لا تُنظر إليها باعتبارها نشاطاً ثقافياً فحسب، بل بوصفها تواصلاً مباشراً مع صورة إيران التي تتوارثها الأجيال.
ومن هنا، بدا استهداف هذه المواقع بالنسبة إلى قطاعات واسعة من الإيرانيين وكأنه مساس بجزء من ذاكرتهم اليومية، لا مجرد استهداف لمبان تاريخية معزولة عن المجتمع.
خسائر تتجاوز الحجر
تشير السلطات الإيرانية إلى أن 54 متحفاً، وسبعة أماكن عمرانية تاريخية، وخمسة مواقع مسجلة على قائمة التراث العالمي تعرضت لأضرار خلال الاعتداءات، فيما سجلت طهران العدد الأكبر من الخسائر بواقع 70 إصابة، تلتها محافظات مثل أصفهان وكردستان وخوزستان وكرمانشاه.
ومن بين المواقع التي طالتها الأضرار: قصر كلستان، وقصر سعد آباد، إلى جانب أجزاء من المعالم التاريخية لوسط طهران، ومبان تاريخية في محافظة سنندج، منها عمارات آصف وسالار سعيد وخسروآباد، فضلاً عن مواقع في أصفهان وخرم آباد، من بينها متحف قلعة فلك الأفلاك وكنيسة القديس نيكولاس الأرثوذكسية.
ويقول أكبر كنجي للميادين نت وهو يعمل كدليل سياحي؛ إن هذه المواقع التاريخية تكتسب أهمية كبيرة في المخيال الاجتماعي الإيراني تتجاوز قيمتها الأثرية، لأنها تمثل أماكن ارتبطت بالرحلات العائلية والبرامج المدرسية والذاكرة البصرية للإيرانيين. لذلك، فإن تضررها يُقرأ اجتماعياً على أنه خسارة لجزء من المشهد الذي يربط الأفراد بتاريخهم المشترك.
لذا لم يكن الحديث في إيران بعد استهداف هذه المواقع مقتصراً على حجم الخسائر، بل امتد إلى التساؤل حول دلالات استهداف أماكن تُعدّ ممنوعة دولياً لأنها جزء من التراث الإنساني بغض النظر عن اسم البلد.
وفي هذا السياق، يرى علي مجيدي أستاذ التاريخ في جامعة طهران في حديثه للميادين نت أن "الهدف الخفي للأعداء من مهاجمة التراث الثقافي والتاريخي الإيراني يتمثل في خلق بيئة تدفع نحو نسيان الخلفية التاريخية والهوية الوطنية للإيرانيين"، معتبرا أن "تعريض المواقع التاريخية للخطر يمسّ بصورة مباشرة بالذاكرة الوطنية".
كما عبّر أكاديميون إيرانيون في منشورات على صفحاتهم بشبكات التواصل أن المعالم التاريخية ليست ملكاً لدولة بعينها فقط، بل تشكل جزءاً من الإرث الإنساني المشترك، وهو ما يجعل حمايتها ضرورة وواجب من قبل الجميع حتى خلال النزاعات المسلحة. ويستحضر بعضهم تجارب عالمية، مثل تدمير تماثيل بوذا في باميان بأفغانستان، بوصفها أمثلة على كيف يمكن لاستهداف الرموز التاريخية أن يترك أثراً اجتماعياً طويل المدى يتجاوز حدود المكان.
وليس هذا الجدل جديداً في إيران، إذ أعيد التذكير خلال الأزمة الحالية بتصريحات سابقة للرئيس الأميركي دونالد ترامب عام 2020 وتهديده باستهداف 52 موقعاً ثقافية وتاريخياً إذا أقدمت طهران على الرد على اغتيال قائد قوات القدس الجنرال قاسم سليماني.
تحركات رسمية وشعبية
في محاولة لحماية مواقعها التاريخية، عمدت إيران خلال الحرب إلى تثبيت علامة "الدرع الأزرق" في أكثر من 120 متحفاً وموقعاً تاريخياً. ويُعد هذا الرمز إشارة دولية أقرّتها اتفاقية لاهاي لعام 1954، وتُستخدم للتعريف بالمواقع الثقافية والتاريخية التي ينبغي تحييدها أثناء الحروب والنزاعات المسلحة.
غير أن وجود هذه العلامة لم يمنع الهجمات الأميركية والإسرائيلية عليها ووقوع أضرار في العشرات من المواقع. ووصف الأمين العام للجنة الوطنية الإيرانية لليونسكو، حسن فرطوسي، حجم الأضرار بأنه ليس من السهل تقديره، وتقييم الخسائر يحتاج وقتاً طويلاً.
وعلى المستوى الشعبي، وجّهت 51 جمعية تراثية إيرانية رسالة إلى المديرة العامة لليونسكو، مطالبة بتحرك دولي لمنع تكرار استهداف المواقع التاريخية، وإرسال خبراء لمتابعة الأضرار.
وأعلنت وزارة الثقافة الإيرانية أنها ستتابع الملف أمام الهيئات الدولية، معتبرة أن استهداف المواقع التاريخية يدخل ضمن الانتهاكات التي تستوجب المساءلة القانونية، لا سيما أن القانون الدولي ينظر إلى التدمير المتعمد للتراث الثقافي، باعتباره جريمة حرب.
ترميم الحجر واستعادة المعنى
ومع استمرار تقييم الخسائر، بدأت السلطات الإيرانية وضع خطة لإعادة ترميم المواقع المتضررة، بمشاركة أكثر من 300 باحث وخبير لدراسة حجم الأضرار وآليات الإصلاح.
وبحسب المسؤولين، تقوم خطة إعادة الإعمار على أربع مراحل تشمل: توثيق الأضرار عبر الصور والفيديو، وتقدير الخسائر بدقة، وتأمين التمويل من داخل إيران وخارجها، ثم بدء عمليات الترميم انطلاقاً من المواقع الأكثر تضرراً.
وأشار النائب محسن فتحي في تصريح للميادين نت، إلى توجيهات من رئاسة الجمهورية تدعو إلى ترميم سريع للمواقع المتضررة، مع الاستفادة من خبرات الإيرانيين المقيمين في الخارج، باعتبار ذلك فرصة لتوحيد الإيرانيين حول قضية ترتبط بالهوية الوطنية.
ويذهب الخطاب الرسمي الإيراني إلى أن حماية هذه المواقع لا ترتبط بالماضي فقط، بل بالمستقبل أيضاً. فبحسب وزير الثقافة الإيراني، رضا صالحي أميري، تمثل الحضارة الإيرانية شرف الإيرانيين وشهادتهم التاريخية ومصدر قوتهم الناعمة، فيما تسعى المؤسسات التعليمية إلى تعزيز ارتباط الأجيال الجديدة بهذه المواقع من خلال تشجيع الزيارات الميدانية وتعميق المعرفة بتاريخ البلاد على أن يدون ذلك ضمن سجل سياحي يكون ملزماً لكل طالب.
من هنا لم يُنظر في إيران إلى استهداف المعالم التاريخية باعتباره ضرراً أصاب مباني قديمة أو مواقع سياحية فحسب، بل بوصفه حدثاً ترك أثراً نفسياً واجتماعياً لدى شريحة واسعة من الإيرانيين، الذين رأوا في تلك الأماكن جزءاً من ذاكرتهم الشخصية والشعبية. فبالنسبة لكثيرين، بدا الأمر وكأن هناك محاولة متعمدة للمساس بجزء من السيرة التي تربطهم بتاريخهم، وهو ما ولّد مشاعر غضب لديهم.
وفي المقابل، دفعت هذه المشاعر إلى حالة من التعبئة الاجتماعية والرسمية، إذ برزت دعوات من مسؤولين وفنانين ومختصين في الترميم، إلى جانب أكاديميين وممولين، لتحويل هذه الخسارة إلى مشروع استعادة. فإعادة ترميم ما تضرر لن تكون عملية مادية وهندسية فقط، بل محاولة لترميم جزء من الذاكرة الجماعية وحماية العناصر التي يرى كثير من الإيرانيين أنها تشكل أحد أعمدة هويتهم الوطنية وتمنحهم شعوراً بالاستمرارية وسط عواصف التحولات والأزمات.