استحضار "الوقف العثماني" في سوريا.. مشروع قانوني أم استيلاء بالقوة؟

تصاعد الجدل في سوريا حول استخدام أرشيف "الوقف العثماني" لإعادة حصر الأملاك، وسط مخاوف شعبية من مصادرة عقارات خاصة برغم تأكيدات رسمية بعدم المساس بالملكيات القانونية.

0:00
  • استحضار
    استحضار "الوقف العثماني" في سوريا.. مشروع قانوني أم استيلاء بالقوة؟

لم يعد ما يجري في سوريا، وتحديداً ما يتعلق بـ "الملكيات الشخصية" مجرد قضية قانونية أو إدارية، خصوصاً مع الحديث عن نية وزارة الأوقاف الاستعانة بوثائق تاريخية من أرشيف "الدولة العثمانية" في تركيا، ضمن ما يُعرف باسم "الوقف العثماني"، ما أثار مخاوف لدى آلاف العائلات السورية من خسارة أملاكهم وعقاراتهم لمصلحة وزارة الأوقاف.

ويشير مصطلح "الوقف العثماني" إلى المرحلة التي بدأت عام 1516 مع دخول السلطان سليم الأول إلى دمشق، حيث أنشأت الدولة العثمانية نظاماً مركزياً متقدماً لإدارة الأوقاف، اعتمد على الدفاتر الرسمية "الوقفيات والطابو".

وتشير المعلومات إلى أن هذه الوقفيات شملت أسواقاً تاريخية كاملة أو أجزاء منها مثل: سوق الحميدية التاريخي وسوق مدحت باشا في دمشق، إضافة إلى حمامات عامة وقنوات مياه وأراضٍ زراعية واسعة في غوطة دمشق وحلب، إضافة إلى أسواق تاريخية في حمص وحلب وحماة.

ما يثير المخاوف اليوم، هو احتمال أن يكون هدف وزارة الأوقاف السورية من الحصول على تلك السجلات، هو وضع يدها على المنازل والعقارات والمواقع الأثرية، التي تخضع لملكية المدنيين في سوريا وفق وثائق رسمية مسجلة في المؤسسات الرسمية.

تصريح حرّك كل شيء

عاد ملف "الوقف العثماني" إلى الواجهة مؤخراً، بعد إعادة نشر تصريحات صادرة عن معاون وزير الأوقاف في الحكومة الانتقالية، سامر بيرقدار، لقناة "الإخبارية" السورية، قال فيها: "إن وزارة الأوقاف في عهدي حافظ وبشار الأسد تحولت من مؤسسة ذات طابع اجتماعي إلى أداة ضمن منظومة التمويل غير الرسمي للسلطة، عبر استثمارات وعقود طويلة الأمد مع رجال أعمال مرتبطين بالنظام، وبأسعار تقل كثيراً عن القيمة الحقيقية لعقارات في مواقع استراتيجية بدمشق وحلب وغيرهما من المدن".

وأوضح بيرقدار أنه جرى بيع أصول وقفية ببدل مالي، والاستيلاء على أراضٍ وقفية بقوة النفوذ، وعقود استثمار مباشرة لصالح مقربين، ونقل ملكيات وإعادة تسجيلها ضمن إجراءات "التحديد والتحرير" لمصلحة جهات مرتبطة بالسلطة، مشيراً إلى أن التقديرات تتحدث عن 37 ألف عقار وقفي، منها في حلب حوالى 19 ألف عقار، وفي دمشق نحو 8500 عقار، مؤكداً أنه تمت استعادة عدد من العقارات البارزة، من بينها مجمع "يلبغا" وأرض معرض دمشق الدولي القديم في العاصمة دمشق.

بيرقدار تحدث صراحةً عن طلب وزارة الأوقاف نسخة من الأرشيف العثماني، بهدف استعادة أملاك الوزارة من "المستولين عليها"، وهو ما أثار جدلاً كبيراً لدى الرأي العام السوري، فمعظم العقارات التي يتم الحديث عنها، لديها سجلات نظامية وأوراق ثبوتية مسجلة في الدوائر الحكومية منذ عشرات السنين، وقيام وزارة الأوقاف بهذه الخطوة حالياً يعني طرد مُلّاك العقارات والاستيلاء عليها.

وتزامن تداول تصريحات نائب وزير الأوقاف مع انتشار معلومات عن نية الحكومة الانتقالية منح آلاف العقارات الوقفية في دمشق وغيرها إلى تركيا، ما دفع بيرقدار للتوضيح لاحقاً بأن الوقف في سوريا هو ملكية سورية خالصة ولا علاقة لتركيا به، نافياً بشكل قاطع أيّ حديث عن استعادة أنقرة لأوقاف عثمانية داخل البلاد.

وقال إن الاستعانة بالأرشيف العثماني يقتصر على هدف فني وقانوني يتمثل في معرفة الأملاك التي كانت مسجلة تاريخياً كأوقاف، في إطار عملية حصر وتدقيق الملكيات، وتوثيق الانتهاكات.

وأكد أن الأحكام الشرعية تبين أن "الشاري حسن النية" لا تصادر ملكيته ولا يبطل عقده، وإنما يتم البحث عن البائع المغتصب، والبائع من أتباع النظام المخلوع الذي زوّر "السجلات" ليتم التعويض منه، مع التشديد على أن الملكيات المسجلة لا يمكن تعديلها أو تغييرها خارج الأطر القانونية.

كلام نائب الوزير يتعارض إلى حدٍ ما مع الإجراءات التي تتخذها وزارة الأوقاف على الأرض في الوقت الحالي، حيث تشير المعلومات إلى أن الوزارة بدأت بجمع المعلومات وإجراء الإحصائيات للأملاك والعقارات التي تتبع لـ "الوقف العثماني" في محافظة دمشق، وتحديداً ضمن المنطقة الممتدة من سوق "الحميدية" ومحيطها إلى "باب توما" في المدينة القديمة، والأمر نفسه يحدث في المدينة القديمة في حلب.

كذلك أوعزت وزارة الأوقاف إلى مديرياتها في المحافظات، بجمع معلومات حول الأملاك والعقارات التابعة لـ "الوقف العثماني" بهدف وضع اليد عليها.

منزول آل السباعي يثير الجدل في حمص

في مدينة حمص وسط سوريا، برزت قضية "منزول" آل السباعي بوصفها واحدة من أكثر الملفات حساسية، لما تحمله من أبعاد تاريخية وإنسانية تتجاوز مجرد نزاع عقاري، بين وزارة الأوقاف والأملاك الشخصية.

ويُعد "المنزول" واحداً من أقدم المعالم المتبقية في حمص القديمة، إذ ظل عبر القرون ملتقى لعائلة آل السباعي وأهالي المدينة القديمة، كما كان مقصداً للتكافل الاجتماعي بين الأهالي، منذ ثلاثينيات القرن الماضي.

وجاءت القضية عقب طلب مديرية أوقاف حمص من آل السباعي تسليم "المنزول" لها، في خطوة قوبلت برفض حاد من العائلة، التي وصفت القرار بأنه غير قانوني، وطالبت بتدخل عاجل من الجهات المعنية.

لاحقاً أصدرت مديرية أوقاف حمص قراراً بأن "منزول آل السباعي" هو عقار وقفي مسجل باسم الأوقاف بسند تمليك رسمي منذ عام 1933، وليس وقفاً ذرياً كما يُشاع، معتبرة إشغال العائلة له حالياً "بدون صفة قانونية"، وتضمن القرار تحويل "المنزول" إلى مصلى ومكتبة خيرية لعموم المسلمين.

ورداً على ذلك، أصدرت العائلة بياناً قالت فيه: "إن هذا الصرح ليس مجرد بناء، بل هو إرث تاريخي ووقف ذري موثق ارتبط باسم العائلة ودورها المجتمعي على مدى قرون، حيث يعود تاريخ بناء المنزول لأكثر منذ 800 عام، وقد أوقفته نائلة السباعي الملقبة بـ"رابعة العدوية" زوجة القائد نور الدين الزنكي، ليكون مركزاً اجتماعياً وثقافياً وخيرياً، ما يمنحه قيمة تاريخية وروحية خاصة ويجعله جزءاً أصيلاً من ذاكرة المدينة".

ودعا البيان رئاسة الجمهورية ووزارة الأوقاف للنظر في هذه المظلمة، مؤكداً أن العائلة لن تنصاع لأي قرار ظالم يُفضي لتسليم "المنزول" بهذه البساطة.

دعوات للاعتصام في حلب

برغم محاولات وزارة الأوقاف تهدئة المخاوف المتصاعدة، إلا أن السوريين بدأوا يعبرون عن قلق عميق من الإجراءات التي تتخذها وزارة الأوقاف وتتجاوز بمضمونها صلاحيات أيّ حكومة انتقالية، إضافة إلى كونها تشكّل تهديداً مباشراً للبنية الاجتماعية والملكيات الشخصية في سوريا.

في حلب، بدأ الخوف يتسلل إلى أسواق المدينة القديمة التي تُعتبر الشريان الحيوي للاقتصاد السوري، خاصّة مع تنفيذ موظفين حكوميين جولات على المحلات التجارية بهدف الحصول أوراق ثبوتية لمحالهم، وهو ما أثار المخاوف من احتمال وجود نية لدى الأوقاف السورية لوضع يدها على ممتلكاتهم.

وفي ظل الحديث المستمر عن نية الحكومة حصر أملاك "الوقف العثماني" في حلب ووضع اليد عليها، خرجت دعوات من ناشطين وأصحاب عقارات ومحال تجارية للاعتصام رفضاً للقرارات الحكومية، على غرار الاعتصام الذي جرى في العاصمة دمشق قبل أيام، في تصعيد شعبي واضح ضد السياسات التي تتبعها وزارة الأوقاف بحق الملكيات الشخصية.

اخترنا لك