ابتكار اقتصادي قسري: الركام مصدر دخل وسوق بديل في غزة
في ظل الدمار والحصار، حوّل الغزيون أنقاض منازلهم إلى مصدر رزق وبقاء، ليظهر ما يُعرف بـ"اقتصاد الركام" كاستجابة قسرية لانهيار المهن وغياب المواد واشتداد الأزمة الإنسانية في قطاع غزة.
-
ابتكار اقتصادي قسري: الركام مصدر دخل وسوق بديل في غزة
مع انهيار الأسواق التقليدية وشح المواد الخام وتوقف عجلة الإنتاج، وجد آلاف الغزيين أنفسهم مضطرين لإعادة النظر في كل ما حولهم من مواد ووسائل للبقاء، فالحجارة المكسّرة وحديد التسليح وأبواب المنازل المدمّرة، وحتى الأسلاك الكهربائية القديمة، لم تعد مجرد مخلفات، بل تحوّلت إلى مواد أولية يُعاد تدويرها بطرق بدائية لتلبية الاحتياجات الأساسية.
في قطاع غزة، حيث تحاصر الحرب البشر والموارد، لم يعد الركام نهاية المشهد، بل أصبح نقطة انطلاق لاقتصاد مختلف. فمع تزايد حاجات المواطنين، نشأ سوق اضطراري يجمع الحديد والخشب وأدوات السباكة والإلكترونيات وأسلاك الكهرباء من تحت الأنقاض.
هكذا تشكّل ما يعرف محلياً بـ "اقتصاد الركام"، يعكس قدرة الغزيين على تحويل الخسارة والدمار إلى وسيلة للبقاء في واحدة من أصعب تجارب الصمود الإنساني.
إعادة التدوير
يدق الفلسطيني عماد مسعود (45 عاماً)، عامل بناء سابق من شمال غزة، أعمدة الحديد والأخشاب في خيمة أحد جيرانه، محاولاً تثبيتها لمواجهة قوة الرياح وتأمين مأوى مؤقت، إذ يستخدم في ذلك ما تبقّى من أنقاض المنازل المدمرة، معيداً تدوير المواد لتكون بديلاً عن مواد البناء التي يمنع الاحتلال إدخالها إلى القطاع.
يقول مسعود بنبرة يغلبها الإصرار للميادين نت: "لم يعد لدينا عمل، ولا مواد بناء، لكن الناس بحاجة لإصلاح ما تبقى من بيوتها المدمرة جزئيًا أو بناء مأوى مؤقت"، مضيفاً: "نبحث في الركام، نفصل الحديد، ونكسر الأخشاب لتصبح أعمدة بديلة عن الباطون، نبيعها أو نستخدمها بأنفسنا، وهذا ما ينقذ السكان في مثل هذه الظروف وكذلك يوفر لنا مصدر رزق لإعالة أسرنا".
ويلفت إلى أنّ تدوير الركام أضفى بعداً إنسانياً واقتصادياً، إذ أصبح مورداً للبقاء يحوّل السكان إلى مبتكرين ومقاولين، ويحول الحطام إلى فرصة لإعادة البناء وتلبية الاحتياجات اليومية.
تلبية الاحتياجات وسط الخراب
في أحياء غزة المدمرة، تنتشر على البسطات مواد متنوعة تم استخراجها من تحت الأنقاض، من الأخشاب والحديد والملابس وأدوات المطبخ والبلاستيك وأسلاك الكهرباء، وصولاً إلى الفرش والأغطية والأجهزة الكهربائية والإلكترونية.
المواطن محمود رياض يحيط نفسه بألواح الخشب وأعمدة الحديد، ويبيع هذه المواد للسكان بأسعار منخفضة لتلبية احتياجاتهم اليومية وسط ندرة الموارد والدمار.
ويوضّح رياض في حديثه إلى الميادين نت أنّ الخشب المكسر أصبح بديلاً عن الوقود، حيث يستخدمه المواطنون للتدفئة وطهي الطعام، فيما تُستغل ألواح الخشب الطويلة وأعمدة الحديد لتثبيت خيمة أو إعادة تأهيل بيت مفرغ من الداخل، مبيناً أنّ "هناك طلب كبير على هذه المواد بعد منع الاحتلال إدخالها، وهكذا يعيد السكان تدوير الاستخدام بشكل مبتكر".
ويؤكد رياض أنّ العمل في هذا السوق الطارئ على أنقاض المنازل لم يعد مجرد مصدر رزق له بعد فقدان متجره، بل أصبح وسيلة لتلبية احتياجات السكان الإنسانية ومساعدتهم في سدّ الفجوة الناتجة عن الدمار، مشيراً إلى أنّ "الغاية ليست مجرد كسب الرزق، بل تحويل الركام إلى حياة تمنح الناس فرصة للبقاء".
أما محمود عياد، فيشتري من المواطنين الأجهزة الكهربائية والإلكترونية والمواد القابلة لإعادة الاستخدام، سواء كانت صالحة أم تالفة، مثل المراوح، الغسالات، أجهزة التلفاز والكمبيوتر، وأجهزة المطبخ الصغيرة، بالإضافة إلى أسلاك الاتصالات، والبطاريات، وألواح الطاقة الشمسية.
يقوم عياد باستصلاح الأجهزة التالفة التي يعثر عليها السكان في بقايا منازلهم، ويفككها ليستخلص القطع الصالحة، ثم يعيد بيعها بأسعار منخفضة، ما يجعلها متاحة للفئات الأكثر تضرراً، ويمنحهم فرصة للبقاء وسط الدمار ونقص الموارد.
يصف عياد عمله للميادين نت بأنه ابتكار وحل بديل لسد النقص وتعويض فقدان المواد، خصوصاً في ظل انقطاع معظم الموارد وارتفاع الأسعار.
واقع مهني جديد
وبعد توقف جميع أعمال البناء والإعمار في غزة، وجد السباك وليد الهندي نفسه أمام واقع مهني جديد، فبعد أن كان يركّب شبكات السباكة للمنازل، اضطر إلى البحث عن بدائل للعمل وإعالة أسرته وسط الخراب الناتج عن تدمير المنازل.
ويشير الهندي للميادين نت إلى أنّه يجمع قطع السباكة من الركام، بما في ذلك الحنفيات، الوصلات، المحابس، المواسير، وحتى القطع المعدنية الصدئة، إذ يشترى هذه المواد بأسعار زهيدة، ثم ينظفها ويفككها لإعادة بيع القطع الصالحة للسكان بأسعار منخفضة، ما يجعلها متاحة لمن فقدوا القدرة على شراء جديد ويتيح لهم إصلاح ما تبقى من بيوتهم.
الورش تواجه الحصار
يواجه الحرفيون في غزة تحديات مضاعفة بفعل الحصار والقصف المستمر، إذ يمنع الاحتلال إدخال قطع غيار السيارات والمعدات الأساسية، ما جعل عمل الورش صعباً ومعقداً إلى حد دفع أصحابها للبحث عن قطع مستعملة في الأسواق المحلية أو انتشالها من الركام والمنازل المدمرة لإنجاز أعمالهم.
الحرفي مهند عاشور، صاحب ورشة تصليح في أحد أحياء غزة، يقول في حديثه إلى الميادين نت: "كنت أعمل هنا منذ أكثر من 15 عاماً، واليوم كل شيء مبعثر، والمعدات التي أعتمد عليها أصبحت غير صالحة، وأي محاولة للعودة للعمل تحتاج وقتاً وموارد لا أملكها".
ويشير عاشور إلى أنّ الورشة فقدت عدداً كبيراً من زبائنها بسبب نزوح العائلات أو فقدان القدرة المالية على الإصلاح، مبيناً أنّ "إغلاق الورش لن يؤثر فقط على عملي، بل على حياة الأسر التي تعتمد على دخل السيارات التي نصلحها يومياً، وإذا توقفت الورش، من سيعيد تشغيل حياتهم؟".
برغم الصعوبات، يواصل عاشور العمل، يصلح ما يمكن إصلاحه من أنقاض المركبات، محافظاً على استمرارية حياة المدينة، مؤكداً أنّ التزامه بالمهنة ليس مجرد وظيفة، بل واجب يومي تجاه المجتمع الذي يعيش فيه.
الاحتلال عقبة التنمية
ودمر العدوان الإسرائيلي الاقتصاد في غزة، حيث انهار الناتج المحلي بنسبة 81% وفقد ثلثا السكان وظائفهم، وأصبح 80% يعتمدون على المساعدات، بحسب منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية "أونكتاد".
وأكدت المنظمة أنّ هذا الوضع يتطلب تدخلاً عاجلاً من المجتمع الدولي لوقف التدهور الاقتصادي ورفع الحصار عن القطاع، مؤكدة أنّ الاحتلال يشكل العقبة الرئيسية أمام التنمية.
بطالة وانهيار المهن
وفي الإطار ذاته، يرى رئيس الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين، سامي العمصي، أنّ الوضع في غزة تجاوز الكارثة، مشيراً إلى أنّ نسبة البطالة تجاوزت 95%، وأن معظم القطاعات تلاشت، بما فيها الورش والمزارع ومجال الصيد.
ويؤكد العمصي في حديثه إلى الميادين نت أنّ انهيار المهن والشركات دفع العمال إلى البحث عن مصادر رزق بديلة، مثل جمع ركام المنازل والأنقاض وبيعها لإعالة أسرهم، في ظل معاناتهم من فقر شديد واعتمادهم على المساعدات الإنسانية.
ويشير إلى أنّ القطاع كان يضم أكثر من 4000 منشأة صناعية وآلاف الورش الصغيرة، لكن معظمها دُمر بالكامل أو جزئياً، ما أدى إلى تسريح عشرات الآلاف من العمال وفقدانهم لأرزاقهم.
الأنقاض مصدر دخل
بدوره، يؤكد المحلل الاقتصادي أحمد أبو قمر أن قطاع غزة يشهد اليوم تشكّل ما يُعرف بـ"اقتصاد الركام"، نتيجة الدمار الهائل الذي خلفته الحرب، والذي تجاوز 61 مليون طن من الأنقاض.
ويبين أبو قمر للميادين نت إلى أنّ انهيار سوق العمل وارتفاع البطالة إلى أكثر من 83% دفع آلاف السكان للبحث عن رزقهم بين الأنقاض، من خلال جمع الحديد، الأخشاب، قطع السباكة والإلكترونيات لإعادة تدويرها أو بيعها، ليصبح هذا النشاط مصدر الدخل الوحيد للعديد من العائلات التي فقدت منازلها وأعمالها.
وبرغم أنه نشأ قسرياً، يقدم "اقتصاد الركام" فوائد ملموسة، أبرزها إعادة استخدام المواد وتقليل النفايات، وخفض تكلفة إعادة الإعمار مستقبلاً، لكنه يظل نشاطاً غير منظم يعكس عمق الأزمة الاقتصادية، خاصة بعد انكماش الناتج المحلي بنسبة 83% تراجع نصيب الفرد إلى (161 دولاراً) سنوياً، بحسب أبو قمر.
ويوصف المحلل الوضع بأنّه "منهك إلى حد الانهيار"، مشيراً إلى أنّ 95% من السكان يعتمدون على المساعدات الإنسانية، فيما أدى إغلاق المعابر ومنع دخول المواد الخام إلى خلق اقتصاد هش تتحكم فيه السوق السوداء.
ويلفت أبو قمر إلى أنّ التعافي الجزئي ممكن بشرط فتح المعابر بشكل كامل، والسماح بدخول المواد الخام والسلع الأساسية بلا قيود، وكذلك تمويل المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وإطلاق إعادة إعمار شاملة، مشدداً على أهمية تقديم تعويضات لأصحاب المهن والتجار، ودعم برامج التدريب المهني، وإزالة القيود أمام عودة النشاط الاقتصادي.