أوروبا في مواجهة تآكل دولة الرفاه
تواجه أوروبا أزمة اجتماعية واقتصادية متفاقمة بفعل ارتفاع تكاليف المعيشة والطاقة والسكن، وتراجع القدرة التنافسية، وضغوط الإنفاق الدفاعي، ما يهدد استدامة دولة الرفاه ويعمّق فجوة الثقة بين المواطنين والمؤسسات.
-
أوروبا في مواجهة تآكل دولة الرفاه
في شوارع باريس وبروكسل وميلانو ولشبونة، تتحرك الأرض هذه الأيام. يطالب الأوروبيون بزيادة الأجور وتحسين المدارس وخفض الإيجارات. هذا كله معتاد على قارة وصلت مستوى الرفاه المرغوب والمحسود من شعب العالم الثالث. لكنهم أيضاً يطالبون، من دون أن يقولوا ذلك صراحة، باستمرار اتفاق تاريخي ربما لم تعد القارة قادرة على الوفاء بشروطه، وهو أن يعيش كل جيل أفضل من الجيل الذي سبقه، وأن تضمن الدولة حداً مرتفعاً من الأمان الاجتماعي، كما أن يبقى العمل طريقاً معقولاً إلى السكن والاستقرار وتكوين الأسرة.
ذلك الاتفاق، الذي شكّل جوهر النموذج الاجتماعي الأوروبي بعد الحرب العالمية الثانية، يتعرض اليوم لاختبار يتجاوز أزمة الموازنات وارتفاع الأسعار. فالمجتمعات التي اعتادت توزيع ثمار النمو تجد نفسها مطالبة بتوزيع تكاليف التراجع النسبي. والأسوأ أن الحكومات تطلب من مواطنيها قبول التضحيات في اللحظة التي تتقلص فيها قدرتها على إقناعهم بأن تلك التضحيات ستنتج مستقبلاً أفضل.
في الوقائع، البداية كانت من فرنسا التي شهدت تظاهرات شارك فيها أكثر من 550 ألف شخص وفق تقديرات وزارة الداخلية، وامتدت الاحتجاجات إلى إيطاليا والبرتغال وبلجيكا. وفي بروكسل، سبق ذلك تحرك في التاسع من تشرين الأول/أاكتوبر، شارك فيه نحو 30 ألف شخص وفق الشرطة، و50 ألفاً وفق النقابات، احتجاجاً على إجراءات التقشف والإصلاحات الاجتماعية. أما إسبانيا، فتشهد تعبئة متصاعدة حول أزمة السكن. وبرغم اختلاف المطالب والظروف الوطنية، تتقاطع هذه الحركات عند إحساس واحد يفيد بأن المؤسسات الأوروبية لم تعد قادرة على حماية مستوى الحياة الذي وعدت به.
الجيل يرى انطفاء الضوء في آخر النفق
اللافت في الموجة الحالية أكثر من حجمها، هو تركيبها الاجتماعي. ففي فرنسا، بدأت الاحتجاجات من المدارس الثانوية، حيث يعترض الطلاب على نقص المعلمين وتدهور المرافق التعليمية، قبل أن تنضم النقابات والعمال وقطاعات أخرى. وفي بلجيكا، يرفض الطلاب إصلاحات تعليمية تجعل استمرار الدعم الجامعي أكثر ارتباطاً بسرعة إنجاز الدراسة، برغم اضطرار كثيرين منهم إلى العمل لتغطية نفقاتهم.
وفي البرتغال، تحولت أزمة السكن إلى احتجاج على استحالة الاستقلال الاقتصادي للشباب. وتشير البيانات التي أوردتها صحيفة "الغارديان" البريطانية إلى ارتفاع أسعار المساكن بنسبة 124% بين عامي 2015 و2024.
هذه الحال، بمعالمها البائنة، ليست أزمة فقر بالمعنى التقليدي. بل إنها تنحو باتجاه أزمة المسافة المتسعة باطّراد بين ما يعد به المجتمع والدولة، وما يستطيع الفرد تحقيقه في واقعه الفعلي.
في هذه البلدان، كان التعليم والعمل والادخار تشكّل سلّماً اجتماعياً يمكن صعوده والترقّي على درجاته. أمّا اليوم، فيكتشف الشاب الأوروبي مجدداً أنّ الحصول على شهادة جامعية لا يضمن عملاً مستقراً أو امتلاك منزل، وأنّ الاقتطاعات الضريبية المرتفعة لا تضمن بالضرورة تحسّن الخدمات العامة.
هذا الاكتشاف الجديد في درجته الحالية، يدفع المتظاهرين إلى الدفاع عن إمكانية بناء حياة مستقلة، وإذا فشلوا في ذلك، فإن سؤال الشرعية الاجتماعية للحكم يصبح أكثر إلحاحاً.
خسارة الطاقة الروسية: انهيار إحدى ركائز الازدهار
كثيرة هي العوامل التي يمكن إدراجها في سياق تفسير الظاهرة الأوروبية الحالية. لكن هناك مفترق طرق أساسي شهدته القارة العجوز قبل أقل من خمس سنواتٍ بقليل. ولا يمكن فهم المأزق الأوروبي من دون العودة إلى المعادلة الاقتصادية التي سمحت للقارة بتمويل دولة الرفاه لعقود طويلة.
استفادت الصناعة الأوروبية، والألمانية خصوصاً، من الغاز الروسي منخفض التكلفة نسبياً، ومن السوق الصينية الواسعة، ومن المظلّة الأمنية الأميركية التي خفّفت الحاجة إلى الإنفاق العسكري الكبير، ووفّرت للطرف الأوروبي في حلف الناتو شعوراً بالأمن الاستراتيجي، على الأقل من الناحية المعنوية. وقد سمحت هذه التركيبة بتوجيه موارد ضخمة نحو الصحة والتعليم والتقاعد والحماية الاجتماعية. لكن الحرب الأوكرانية جاءت لتكسر أحد أهم أضلاع هذه المعادلة.
فقد أدى تقليص الاعتماد على الطاقة الروسية إلى إعادة تشكيل تكاليف الإنتاج، خصوصاً في الصناعات الكيميائية والصلب والأسمدة والزجاج. وبرغم انخفاض الأسعار عن ذروتها في 2022، تؤكد بيانات يوروستات أن أسعار إنتاج الطاقة الصناعية في الاتحاد الأوروبي كانت في كانون الأول/ديسمبر 2025 أعلى بنسبة 66.3% من مستواها في كانون الثاني/يناير 2021. ولهذا كله ثمن باهظ بطبيعة الحال.
والمفارقة أن الانفصال لم يكتمل. فوفق وكالة الاتحاد الأوروبي لتعاون منظمي الطاقة، ظلّ الغاز الروسي يمثل نحو 12% من الطلب الأوروبي في 2026، مع استمرار عقود توريد طويلة الأجل في عدد من الدول.
المشكلة إذن ليست مجرد استبدال مورد طاقة بآخر؛ بل في خسارة ميزة تنافسية تاريخية، في وقت تحتاج فيه الصناعة إلى استثمارات هائلة لإزالة الكربون وتحديث خطوط الإنتاج ومنافسة المنتجات الآسيوية. وكل يورو إضافي تنفقه المؤسسة الصناعية على الطاقة هو مورد لا تستطيع توجيهه بسهولة إلى الأجور أو البحث والتطوير أو التوسع. ومن طبيعة الأشياء أن يؤدي تراجع أرباح الشركات أو نقل استثماراتها إلى الخارج، إلى تقلص القاعدة الضريبية التي تموّل دولة الرفاه.
وهكذا تنتقل أزمة جيوسياسية بدأت على حدود أوكرانيا إلى قلب المجتمعات الأوروبية التي أرهقت ميزانياتها السنوية بالمساعدات لأوكرانيا، وهذا ما يمكن تحسسه في المستشفى والمدرسة وحساب التقاعد داخل المدن الأوروبية.
تائهون بين واشنطن وبكين
لكن خسارة الطاقة الروسية ليست سوى جزء من مأزق أوسع. فأوروبا تواجه ضغطاً أميركياً متزايداً لتقليص اعتمادها التكنولوجي والاستراتيجي على الصين، في الوقت الذي تحتاج فيه إلى السوق الصينية وسلاسل توريدها وقدراتها الصناعية.
تريد واشنطن من حلفائها الأوروبيين المشاركة في احتواء الصعود الصيني، لكنها تنافسهم اقتصادياً في الوقت نفسه، عبر الرسوم الجمركية والسياسات الصناعية الجاذبة للاستثمارات. وقد أشار معهد "بروغل" إلى أن الاتفاق التجاري الأميركي-الأوروبي لعام 2025 فرض رسوماً أساسية بنسبة 15% على كثير من الصادرات الأوروبية إلى الولايات المتحدة.
وفي المقابل، تواجه الشركات الأوروبية منافسة صينية متقدمة في السيارات الكهربائية والبطاريات والآلات والتقنيات الصناعية. وقد كشفت مفاوضات بروكسل وبكين خلال تشرين الأول/أكتوبر الحالي عن عن حجم الاختلال؛ إذ يقدر بروغل العجز التجاري الأوروبي مع الصين بنحو 360 مليار يورو. أرقامٌ هائلة، لكن وقعها الملموس في المجتمع يصبح مع الوقت أكثر التهاباً ومولداً للأحداث المشتعلة.
غير أن اختزال الأزمة في تلك الضغوط الخارجية لن يكتسب دلائله الكافية، إذا تجاوزنا تداخلها مع أزمات بنيوية أخرى. فأوروبا تعاني أيضاً ضعف الاستثمار الخاص، وبطء الابتكار، وتجزؤ أسواق رأس المال، والتعقيدات التنظيمية. وقد أقرت المفوضية الأوروبية في تقريرها السنوي للتنافسية لعام 2026 بأن القاعدة الصناعية الأوروبية تتآكل، وأن إغلاق المصانع وفقدان الوظائف أصبحا من مظاهر هذا التراجع.
هنا تظهر المفارقة الاستراتيجية، التي تقول إن أوروبا مطالبة بالاستقلال عن روسيا في الطاقة من جهة، وبالحذر من الصين في التكنولوجيا والصناعة من جهة ثانية، وهي أيضاً مطالبة بزيادة إنفاقها الدفاعي استجابة لتحولات العلاقة مع الولايات المتحدة، من جهة ثالثة، لكنها في الوقت نفسه لم تبنِ بعد قاعدة إنتاجية جديدة تستطيع تمويل هذه الاستقلالية. والنتيجة أن تكلفة إعادة التموضع الجيوسياسي لا تتحملها الحكومات وحدها، بل تنتقل تدريجياً إلى المواطنين.
دولة الرفاه أمام حساب غير مألوف
قامت دولة الرفاه الأوروبية على افتراض اقتصادي بسيط يدعي أن نمو الإنتاجية يسمح بزيادة الأجور والإيرادات الضريبية، بما يكفي لتمويل التقاعد والصحة والتعليم. أما اليوم فيتعرض هذا الافتراض للاهتزاز.
القاعدة متوالية بصورةٍ سلبية. فالتقدم في العمر يزيد الإنفاق على المعاشات والرعاية الصحية، فيما يتباطأ نمو الإنتاجية وتحتاج الحكومات إلى استثمارات إضافية في الدفاع والطاقة والبنية التحتية. ويحذر التقرير الاقتصادي الأوروبي لعام 2026 من أن استمرار ضعف الإنتاجية يهدد قدرة الاتحاد على تمويل نموذجه الاجتماعي نفسه.
ولذلك لا تبدو إجراءات التقشف مجرد قرارات مالية محايدة، بقدر ما تبدو كإعادة تفاوض على العلاقة بين الدولة والمجتمع. لأن خفض الحكومة للإنفاق على التعليم، ينقل جزءاً من تكلفة المستقبل إلى الأسر. أما رفع سن التقاعد، فإنه يعيد توزيع سنوات العمل والراحة بين الأجيال. فيما يؤدي تراجع قدرتها على ضبط أزمة السكن، إلى أن تحدد الثروة العقارية الموقع الطبقي أكثر مما يفعل الجهد المهني.
أما الأخطر فهو أن هذه التحولات تحدث داخل مجتمعات اعتادت اعتبار الخدمات العامة حقوقاً مكتسبة، لا امتيازات مشروطة بالدورة الاقتصادية. ومن هنا تنبع حدة الغضب عند الناس الذين لا يقارنون أوضاعهم بمجتمعات أفقر، بل يقارنون حاضرهم بالمستقبل الذي اعتقدوا أنهم سيرثونه.
تفتح هذه الأزمة أيضاً المجال أمام تحولات سياسية عميقة. فاليمين القومي يستطيع تفسير التراجع بالهجرة والعولمة وفقدان السيادة، بينما يفسره اليسار بتفاوت الثروة وتراجع الاستثمار العام وهيمنة المصالح الاقتصادية. وكلا الخطابين يجد جمهوراً لدى فئات تشعر بأن الأحزاب التقليدية لم تعد تمثلها. لكن المخاطر تتسع أيضاً عند النظر إلى زاوية انفصال الأجيال عن المؤسسات الديمقراطية نفسها، بعد فقدان الثقة بأن التصويت قادر على تغيير شروط الحياة اليومية.
يقود ذلك إلى القول إن المعنى الأعمق لهذه التظاهرات يكمن في أن الشارع الأوروبي يطالب الدولة بحماية العقد الاجتماعي، بينما تكتشف الدولة أن حماية هذا العقد أصبحت مرتبطة بقرارات استراتيجية تتجاوز حدودها الوطنية.
لقد استطاعت أوروبا، طوال عقود، تحويل قوتها الاقتصادية إلى أمن اجتماعي. أما التحدي الجديد فهو ما إذا كانت تستطيع تحويل أمنها الاجتماعي إلى مصدر قوة اقتصادية وسياسية، عبر التعليم والإنتاجية والابتكار، قبل أن يصبح الدفاع عن الرفاه صراعاً دائماً بين أجيال تتنافس على موارد تتباطأ في النمو. بالمختصر، الصورة في أوروبا قاتمة، ولا تبدو آفاق مبشرة لإيجاد حلولٍ مستدامة، مع فقدان القارة سيادتها، بصورةٍ شبه كاملة.