أسطوانة الغاز تتحول إلى "ثروة" في غزة مع اشتداد أزمة الوقود
يعيش سكان غزة أزمة حادة في غاز الطهي نتيجة القيود الإسرائيلية على إدخاله، ما يضطر الأسر إلى تقنين استخدامه والاعتماد على الحطب، خصوصاً مع ارتفاع الطلب خلال شهر رمضان.
-
أسطوانة الغاز تتحول إلى "ثروة" في غزة مع اشتداد أزمة الوقود
يضطر أهالي قطاع غزة إلى تقنين استخدام أسطوانة الغاز المنزلي، والاعتماد على الحطب كبديل في طهي الطعام والاستخدامات اليومية. ومع حلول شهر رمضان، تتضاعف معاناة الأسر في تأمين احتياجاتها الأساسية وسط ضغوط اقتصادية ومعيشية شديدة، نتيجة محدودية كميات الوقود الواردة إلى القطاع، ما جعل السكان يعدّون هذه الموارد النادرة بمنزلة "ثروة".
وتنعكس هذه الأزمة بشكل مباشر على روتين الحياة اليومية للسكان، حيث يشهد السوق المحلي ارتفاعاً متواصلاً في أسعار الوقود والغاز، ما يزيد من صعوبة توفير احتياجات الأسر ويجعل الاعتماد على الحطب ضرورةً لا خياراً.
ويحذّر الخبراء من أنّ استمرار الاعتماد على الحطب قد يفاقم المخاطر في حال غياب حلول جذرية، في مشهد يعكس حجم المعاناة اليومية للفلسطينيين في غزة.
في الوقت الحالي، يعتمد الأهالي في غزة على نظام دورات هيئة البترول، الذي يخصص لكل أسرة 8 كيلوغرامات من الغاز وفقاً لجدول محدد، ما يضطر الكثيرين إلى الانتظار أسابيع طويلة قبل وصول دورهم.
الاحتفاظ بالغاز كـ"ثروة"
في منزله المدمّر جزئياً من جراء العدوان الإسرائيلي، يحمل الشاب خليل حسني أسطوانة الغاز متوجهاً نحو المطبخ المحاط بالشوادر بدلاً من الجدران، حيث تتكدس أدوات الطهي البسيطة إلى جانب أكوام الحطب المخصص للطهي، لتجسّد حجم الاعتماد على وسائل بدائية لتأمين الغذاء وسط أزمة الوقود المستمرة.
بينما يركّب الأسطوانة، يقول خليل للميادين نت: "تجارب العامين الماضيين من الانقطاع المتكرر أكدت لي أن لا شيء مضمون من قبل الاحتلال الإسرائيلي، ففي شهر آذار/مارس العام الماضي، كانت لدي دورة وسلّمت أسطوانتي، لكن الموزّع أعادها إليّ فارغةً وأخبرني أنّه لا يوجد غاز لأنّ الاحتلال أغلق المعبر، الأمر الذي أدى إلى انقطاع مفاجئ. بعد ذلك شنّ الاحتلال عدوانه على القطاع مجدداً".
ويضيف خليل، وهو ينظر إلى أكوام الحطب المكدسة إلى جانب أدوات الطهي: "أتعامل مع أسطوانة الغاز كأنّها ثروة يجب الحفاظ عليها لأطول فترة ممكنة، ولا أستخدمها إلا في الحالات الضرورية، خوفاً من تكرار تجربة الانقطاع السابقة. ولا أعرف متى سيأتي دوري مرةً أخرى".
أما الأسطوانة الأخيرة التي حصل عليها فكانت خلال الدورة الثامنة. وإلى جانب الأسطوانة، يعتمد خليل على الحطب، لأن الكمية المتوفرة لا تكفي سوى أياماً قليلةً لعائلة كبيرة، خصوصاً في ظل عدم انتظام التوزيع والطلب المتزايد على الغاز.
معاناة الطهي على الحطب
أما رائد ظاهر، الذي يعيش في خيمة في مخيم إيواء غرب مدينة غزة، فيروي كيف اضطر إلى التعامل مع أسطوانة الغاز بحذر شديد عند استلامه الأسطوانة قبل شهر من حلول شهر رمضان، فكان منه أن قرر عدم استخدامها والاحتفاظ بها كـ"كنز" حتى موعد الصوم، على الرغم من حاجته الماسة إلى استخدامها.
ويشرح رائد للميادين نت: "أردت أن أتمكن من استخدام الأسطوانة بدلاً من إشعال الحطب وقت السحور، لأن الطهي على الحطب يستغرق وقتاً طويلاً ويزيد التعب، لكن اضطررت إلى استخدامها في وجبة الإفطار، حيث تصبح كل دقيقة على الحطب محسوبةً بعناية".
ويشير إلى أنّه اضطر إلى الاعتماد بالكامل على الحطب بسبب غياب الغاز في شهرَي رمضان خلال عامَي حرب الإبادة، وهو ما جعل مائدة الإفطار غالباً تقتصر على صنف واحد فقط، نتيجة طول وقت الإعداد وصعوبة التحكم بالنار.
من جهتها، تؤكد ملك أبو عون أن "مائدة شهر رمضان هذا العام مختلفة عن العامين السابقين، إذ كنا نتناول طعاماً بارداً ونتحمّل الوقوف ساعات طويلةً لإعداده على الحطب، فضلاً عن الروائح المتصاعدة التي تؤثر على صحتنا، وكل ذلك من أجل طبق واحد فقط".
لكن "توفير أسطوانة الغاز هذا العام لطهي الطعام في شهر رمضان مثّل راحةً كبيرةً، فهو يختصر الوقت ويحافظ على صحة أسرتي، ويتيح لنا تناول وجبات ساخنة، بدلاً من الاعتماد على الحطب الذي يطول تحضيره ويزيد التعب"، كما توضح ملك في حديثها إلى الميادين نت.
وتشير إلى أنّ الاحتفاظ بالأسطوانة عدة أسابيع من دون استخدامها أمر صعب، لكن الأصعب هو الاستعداد لشهر رمضان من دون وجود الغاز، ما يضاعف المشقة على الأسر ويجعل تحضير وجبتي السحور والإفطار على النار تحدياً يومياً يختبر صبرها وقدرتها على التكيف مع الأزمة.
وتبيّن ملك أنّ الجمع بين استخدام الغاز والحطب أصبح جزءاً من الروتين اليومي لمعظم العائلات في غزة، حيث يفرض الواقع المحدود للموارد على السكان التكيف بشكل دائم مع النقص المستمر، موضحةً أنّ الغاز يُستخدم بعناية لتوفير الوقت وضمان وجبات ساخنة، بينما يظل الحطب الوسيلة البديلة في حال نفاد الأسطوانة.
قلة الكميات تدفع الأسر لتخزين الغاز
موزع الغاز إبراهيم حمودة، يؤكد للميادين نت أنّ أزمة الغاز لا تزال مستمرةً على الرغم من إدخال شاحنات جديدة، إذ لا تكفي الكميات الحالية لتلبية الحد الأدنى من احتياجات الأسر أو لضمان توزيع منتظم، مشيراً إلى أنّ نصيب الأسرة غالباً لا يتجاوز 8 كيلوغرامات، ما يكفي نحو أسبوعين فقط، خصوصاً مع ارتفاع الاستهلاك في الشتاء وقدوم شهر رمضان.
ويلفت حمودة إلى أنّ المواطنين يضطرون إلى تخزين الغاز والاعتماد على الحطب لتفادي الانقطاع، خصوصاً للعائلات في خيام النزوح أو المنازل المتضررة، مؤكّداً أنّ الحل يكمن في توفير كميات كافية وبانتظام، لضمان استقرار التوزيع وجعل الغاز متاحاً كضرورة يومية، لا كخيار مؤقت.
عجز بنسبة 85% في الغاز والأزمة سياسية
يعاني قطاع غزة من أزمة حادة في غاز الطهي، إذ يحتاج نحو 8 آلاف طن شهرياً (260 طن يومياً)، بينما لا يسمح الاحتلال بدخول سوى 20% من هذه الكمية، ليزيد معاناة السكان خصوصاً مع دخول شهر رمضان، وفقاً لما أكده إياد الشوربجي، مدير عام الهيئة العامة للبترول في غزة.
ويشير الشوربجي للميادين نت إلى أنّ نسبة العجز وصلت في فترات سابقة إلى 85%، وأن ما يدخل فعلياً لا يتجاوز بضعة شاحنات يومياً، وأحياناً شاحنتين فقط، من أصل عدة شاحنات يفترض أن دخولها مسموح، ما يؤكد أنّ الأزمة ذات طابع سياسي وليست فنية.
ويؤكد أنّ استمرار الحصار وسياسة التنقيط في إدخال البضائع والمساعدات حالت دون أي انفراج في أزمة الغاز، موضحاً أنّ التفاهمات بعد اتفاق وقف النار نصّت على إدخال نحو 1500 شاحنة، إلا أن ما تم إدخاله فعليًا لم يتجاوز 307 شاحنات فقط من اتفاق وقف إطلاق النار في تشرين الأول/أكتوبر 2025.
التوزيع لا يغطي الطلب
من جانبه، يقول الخبير الاقتصادي أحمد أبو قمر إنّ غزة تحصل يومياً على 7–8 شاحنات غاز، لكن المعبّأ فعلياً شاحنة أو اثنتين فقط، وتُوزَّع الكميات المحدودة إلكترونياً بحصة لا تتجاوز 1200 كيلوغرام لكل محطة، ما يغطي جزءاً بسيطاً من الطلب ويزيد الضغط على المواطنين والموزّعين.
ويوضح أبو قمر في حديثه إلى الميادين نت أنّ الترتيبات الإنسانية بعد الهدنة نصّت على إدخال 50 شاحنةً يومياً، إلا أنّ الواقع لا يسمح بأكثر من 7 شاحنات، ما يزيد كلفة المعيشة ويخلق اختلالاً في السوق، ويفتح المجال للاحتكار والسوق السوداء.