1793 قتيلاً منذ مطلع العام.. الفوضى الأمنية تحاصر السوريين
1793 قتيلاً منذ مطلع 2026 في سوريا، في ظل تصاعد الاشتباكات المسلحة والجرائم وانتشار السلاح، وسط واقع أمني هشّ يهدد المدنيين في محافظات سورية عدة.الفلتان الأمني
-
الفلتان الأمني يفتك بالسوريين.. السلاح المنفلت يحوّل الخلافات إلى دماء
لم تعد الاشتباكات الجماعية المسلحة حدثاً عابراً في المشهد السوري، بل تحولت إلى أمرٍ اعتيادي في المحافظات السورية بعد سقوط نظام الأسد، في وقت تتصاعد فيه حالة الفلتان الأمني الناجمة عن انتشار السلاح بين المدنيين على نطاق واسع، ما يجعل من أيّ شجار صغير عرضة للتحول إلى اشتباك مسلح.
ووثّق المرصد السوري لحقوق الإنسان مقتل 1793 شخصاً منذ مطلع عام 2026 حتى 26 حزيران/يونيو، وسجّل شباط/فبراير أعلى حصيلة شهرية بـ582 قتيلاً، يليه كانون الثاني/يناير بـ289، وأيار/مايو بـ287، ونيسان/أبريل بـ246، وآذار/مارس بـ238، فيما بلغ عدد القتلى منذ مطلع حزيران/يونيو حتى 26 منه 151 قتيلاً.
وأظهرت البيانات استمرار سقوط النساء والأطفال بين الضحايا، لأسباب متعددة شملت الهجمات المسلحة والاشتباكات ومخلفات الحرب والانتهاكات الأمنية في عدد من المناطق.
وبينما ترجح مصادر أخرى أن أعداد القتلى نتيجة الفلتان الأمني أكبر من ذلك بكثير، تؤكد المعطيات أن سوريا تعيش واقعاً أمنياً هشّاً يؤثر على المدنيين بالدرجة الأولى.
العاصمة وريفها في مرمى الفلتان الأمني
تعيش دمشق منذ أشهر واقعاً أمنياً غير مستقر، في ظل ارتفاع منسوب العنف وازدياد معدلات الجريمة، فيما كانت الاشتباكات الجماعية الأكثر تأثيراً على حياة المدنيين، وهو ما تسبب بانتشار القلق بين سكان العاصمة وريفها، من استمرار تلك الحوادث وتوسعها أكثر.
ولعل أبرز تلك الحوادث ما شهدته بلدة "عين منين" بريف دمشق، حيث تحولت أزمة مياه الشرب إلى توتر أمني واشتباكات عنيفة تخللها حرائق كبيرة طالت أملاك المدنيين.
القصة بدأت بعد احتجاجات نظمها سكان البلدة اعتراضاً على أعمال نفذتها المؤسسة العامة لمياه الشرب، تطورت لاحقاً إلى اشتباكات بين الأهالي والأمن العام الذي حاول تفريق المتظاهرين بالقوة.
وقبل هذه الحادثة بأيام، شهدت بلدة "الغزلانية" بريف دمشق اشتباكات دامية تخللها أعمال شغب واسعة النطاق، أدت إلى سقوط عدد من القتلى والجرحى بين المدنيين.
وقالت معلومات إن الاشتباكات اندلعت بعد خلاف أهالي البلدة مع مجموعات قادمة من مدينة دير الزور، ليتطور الخلاف إلى استخدام للأسلحة الرشاشة، ما تسبب بحالة من الرعب بين المدنيين.
وفي بلدة "الميدعاني" في الغوطة الشرقية لدمشق، قتل 3 أشخاص وأصيب 11 آخرين، إثر اشتباكات عنيفة اندلعت بين عائلتين نتيجة خلافات عائلية تطورت إلى استخدام السلاح.
اشتباكات عشائرية مستمرة في حلب
لم تكن حلب، عاصمة سوريا الاقتصادية، بمنأى عن الفلتان الأمني الذي يضرب البلاد، حيث خرجت خلال الأسابيع الماضية مناشدات شعبية واسعة تُطالب بضرورة التدخل العاجل من الأجهزة الحكومية لوضع حد للسلاح المنفلت بين المدنيين، والذي يؤدي إلى سقوط قتلى وجرحى باستمرار.
وشهدت حلب مؤخراً خلافات عائلية وعشائرية عديدة تطورت إلى استخدام السلاح وانتشار الفوضى الأمنية وترويع للمدنيين.
حي بني زيد الواقع شمال المدينة شهد مشاجرة بين عائلتين، تطورت إلى اشتباك بالأسلحة النارية وأدت إلى مقـتل شخص وإصابة 4 آخرين.
كما شهد حي "كرم الميسر" شرق حلب اشتباكاً مسلحاً بين عائلتين، إثر خلاف حول محل تجاري، قبل أن يتطور إلى تبادل لإطلاق النار باستخدام الأسلحة الخفيفة والمتوسطة.
إلى ذلك، شهدت مدينة "إعزاز" في ريف حلب الشمالي واحدة من أكثر الليالي دموية خلال الأشهر الأخيرة، بعدما تحولت حملة أمنية استهدفت مطلوبين إلى مواجهات مسلحة، ما أدى إلى وقوع إصابات عديدة وأضرار كبيرة في الأملاك الخاصة والعامة.
وتأتي هذه الاشتباكات في ظل تصاعد حالة الفلتان الأمني داخل مدينة حلب، مع استمرار عمليات القتل والخطف والسرقة على نطاق واسع، حيث يؤدي غياب الاستقرار إلى انتشار مظاهر الخوف والقلق بين المدنيين، ويضعف الشعور بالأمان لدى مختلف فئات المجتمع.
ومع ارتفاع وتيرة استخدام السلاح داخل المدينة، في المشاجرات العائلية، ظهرت مناشدات بين الأهالي للقيام بعمل جدي يضع حداً لهذه التجاوزات التي تهدد حياة المدنيين ضمن الأحياء الشعبية المكتظة في مدينة يقدر عدد سكانها بأكثر من 3 ملايين نسمة.
400 ضحية في درعا
سجلت محافظة درعا جنوب سوريا أعلى معدلات الفلتان الأمني بين المحافظات السورية، في ظل الانتشار الواسع للسلاح بين المدنيين، الذي أدى إلى ارتفاع مستوى العنف، وسقوط مئات الضحايا خلال الأشهر الماضية.
وتشير مصادر محلية إلى أن أكثر من 100 قتيل سقطوا في درعا منذ بداية العام الحالي نتيجة أسباب متعددة، منها الثأر والخلافات العشائرية والجرائم الجنائية، إضافة إلى عمليات القتل المرتبطة بخلفيات عسكرية.
وفي العام 2025، كشفت مصادر إعلامية أن مدينة درعا سجلت سقوط أكثر من 400 ضحية نتيجة الفلتان الأمني وانتشار السلاح بين المدنيين، في ظل الفراغ الأمني الذي يسيطر على المشهد في الجنوب السوري.
بداية الشهر الحالي، أصيب سبعة أشخاص بجروح متفاوتة إثر مشاجرة اندلعت بين عائلتين في بلدة سحم الجولان بريف درعا الغربي، بعدما تحول خلاف على استخدام أوراق نقدية سورية "قديمة" إلى اشتباك بالأسلحة الخفيفة والعصي والسكاكين.
وبدأت الحادثة داخل أحد المحال التجارية عندما حاول أحد الزبائن دفع ثمن مشترياته باستخدام أوراق نقدية سورية قديمة، إلا أن صاحب المتجر رفض قبولها، لتتحول المشادة الكلامية إلى اعتداء بالأيدي، قبل أن يتوسع الخلاف إلى مشاجرة استخدمت فيها الأسلحة والعصي والسكاكين.
اللافت فيما يجري داخل درعا هو سرعة تحول الخلافات البسيطة إلى اشتباكات عنيفة تستخدم فيها مختلف أنواع الأسلحة، فيما تؤكد مصادر محلية للميادين نت أن الفراغ الأمني المستمر، وعدم تدخل القوى الأمنية لحل النزاعات، وانتشار السلاح في أيدي المدنيين يجعل من الفوضى هي العنوان الأبرز للوضع الأمني في المدينة.
حوادث القتل لا تتوقف
بعيداً عن الاشتباكات المسلحة، لا تزال الجرائم الطائفية والتصفيات الميدانية تشكّل مصدر قلق كبير للسوريين، وترخي بظلالها على المشهد العام في مختلف المحافظات السورية، في ظل عجز السلطات الأمنية عن وقف الانهيار الأمني الحاصل.
ومنذ مطلع عام 2026، وثق "المرصد السوري" تصاعد ملحوظ في معدلات الجرائم الجنائية، حيث سُجلت 201 جريمة وحادثة قتل، أسفرت عن مقتل 222 شخصاً، بينهم 178 رجلاً و30 امرأة و14 طفلاً.
ففي الثاني عشر من تموز/يوليو الماضي، استيقظ أهالي حي "العباسية" في مدينة حمص، على وقع جريمة قتل مروعة راح ضحيتها مواطن تجاوز الستين من عمره، من أبناء الطائفة الشيعية، في حادثة أثارت موجة واسعة من الغضب والاستنكار.
الأهالي عثروا على جثة الضحية بالقرب من منزله، حيث تبين أنه تعرض للنحر باستخدام أداة حادة، إضافة إلى تلقيه عدة طعنات في أنحاء متفرقة من جسده.
وفي السابع والعشرين من الشهر ذاته، شهد شارع بيت "الطويل" في مدينة حمص حادثة إطلاق نار من مجهولين استهدفت السيدة يمنى حلاق وابنها زين إبراهيم ما أدى إلى وفاة السيدة متأثرة بإصابتها، فيما نُقل ابنها إلى المستشفى بعد تعرضه لإصابة بليغة.
وفي الثاني من آب/أغسطس الجاري، قُتل الشاب أحمد عبد الكريم، من سكان حي غويران في مدينة الحسكة، اليوم، إثر تعرضه لإطلاق نار من قبل مجهولين كانا يستقلان دراجة نارية أمام منزله.
وفي اليوم نفسه، تم العثور على الطفلة "غلا خميس صالح الخميس" مقتولة خنقاً في بستان خلف منزل ذويها ببلدة البو عمرو شرقي دير الزور، من دون الكشف عن ملابسات الحادثة وتفاصيلها من الأجهزة الأمنية.
وفي الثالث من آب/أغسطس، قتل مختار قرية "عنجارة" بريف حلب وأصيب شقيقه جراء استهدافه بالرصاص من قبل مجهولين يستقلون دراجة نارية.
ويوم السادس عشر من آب/أغسطس، أصيبت 5 نساء و3 أطفال بعد مشاجرة في بلدة "خوين" شرق مدينة خان شيخون بريف إدلب، حيث استهدف منزلهم بقذيفة "آر بي جي".
وفي اليوم نفسه، قتل شاب جراء تعرضه لطلق ناري في الرأس من قبل مسلحين مجهولين في حي "كرم اللوز" بمدينة حمص.
إن ارتفاع معدلات الجرائم وانتشار الفلتان الأمني في مختلف المحافظات السورية يزيد من حالة الخطر التي تحيط بالمدنيين، وهو ما يتطلب تدخلاً حكومياً عاجلاً لتثبيت دعائم الأمن والاستقرار، ووضع حد للسلاح المنتشر بين المدنيين، لإنهاء حالة الفوضى التي تعصف ببنية المجتمع السوري.