16 مليون طالب خلف الشاشات: كيف واصلت إيران عامها الدراسي؟

برغم تضرر مئات المؤسسات التعليمية وتوقف التعليم الحضوري، نجحت إيران في مواصلة العملية التعليمية عبر التعليم عن بُعد، مستندة إلى جهود المؤسسات الرسمية والمعلمين والأسر.

0:00
  • 16 مليون طالب خلف الشاشات: كيف واصلت إيران عامها الدراسي؟
    16 مليون طالب خلف الشاشات: كيف واصلت إيران عامها الدراسي؟

فرضت الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، التي بدأت في 28 شباط/فبراير 2026، ظروفاً استثنائية ألقت بظلالها الثقيلة على مختلف مفاصل الحياة، وكان القطاع التعليمي من أكثر القطاعات تأثراً. فقد تضررت نحو 1300 مؤسسة تعليمية، فيما دُمّرت 20 مدرسة بشكل كامل، وأودت الحرب بحياة أكثر من 300 طالب، بينهم 168 طالباً وطالبة من مدرسة في مدينة ميناب الابتدائية جنوبي إيران استشهدوا في اليوم الأول من العدوان.

ومع توقف التعليم الحضوري منذ اليوم الثاني للحرب، بدا المشهد التعليمي أمام اختبار صعب: كيف يمكن حماية الطلاب وضمان استمرار الدراسة في آن معاً؟ هنا برز التعليم عن بُعد بوصفه أحد أبرز الحلول التي حافظت على استمرارية العملية التعليمية ومنعت توقفها الكامل، بهدف حماية أرواح الطلاب وصون مستقبل الأجيال القادمة.

التجربة الإيرانية خلال الحرب عكست إدراكاً لأهمية التعليم والتعلّم، سواء لدى العائلات أو المؤسسات الرسمية. فملايين المنازل التي تضم نحو 16 مليون طالب في المراحل الابتدائية والثانوية والجامعية، تحوّلت إلى صفوف دراسية افتراضية لا تقل حيوية عن المدارس والجامعات، واستمرت الدروس والامتحانات وحتى مناقشات رسائل الدراسات العليا، برغم التحديات الأمنية والتقنية التي فرضتها الحرب.

رسائل الماجستير تناقش من المنازل

في خضم هذه التجربة التعليمية الجديدة، اختبر الطلاب نموذجاً مختلفاً للدراسة قائماً على المرونة والتكنولوجيا لضمان استمرارية التعليم. ويقول محمد قاسمي، طالب الماجستير في كلية الطيران وعلوم الفضاء، للميادين نت: "قبل ثلاثة أسابيع ناقشت رسالتي عبر الإنترنت. كنت في المنزل، فيما كانت لجنة المناقشة المؤلفة من خمسة أساتذة داخل الجامعة، إلى جانب عدد من الطلاب الذين تابعوا الجلسة من أماكن مختلفة. استمرت المناقشة أكثر من ساعتين من دون أي انقطاع في الاتصال، وشعرت براحة أكبر مما كنت سأشعر به لو جرت المناقشة داخل القاعة الجامعية".

حلول رسمية للحفاظ على استمرارية الدراسة

حرص المسؤولون منذ الأيام الأولى للحرب، على إيجاد بدائل عملية تحول دون توقف العملية التعليمية. وتم تفعيل منصات التعليم الإلكتروني والاستفادة من التطبيقات المحلية، إلى جانب إطلاق برامج تعليمية يومية عبر قناة "التعليم" في التلفزيون الرسمي، واستخدام تطبيق "شاد" للوصول إلى الطلاب في مختلف المناطق والفئات العمرية.    

ولم يقتصر الأمر على تقديم الدروس فحسب، بل سعت الكوادر التعليمية أيضاً إلى الحفاظ على التواصل المستمر مع الطلاب وتقديم الدعم النفسي والتربوي، بهدف الحد من اتساع الفجوة التعليمية في زمن الحرب.

في هذا السياق، يقول الأستاذ الجامعي إسماعيل خورشيدي للميادين نت: "نحاول المحافظة على التواصل مع الطلاب وألا نبتعد عنهم حتى لا تتسع الفجوة بين الطالب وأستاذه. فالتعليم الافتراضي يوفر فرصتين رئيسيتين: المحافظة على سلامة الطلاب والمعلمين وتجنب أي استهداف حربي مباشر لهم، إضافة إلى مرونة الوقت، إذ يتم التعلم خلال ساعات الهدوء الذهني".

من جهته، يؤكد عضو لجنة التعليم في البرلمان الإيراني النائب محسن موسوي، أهمية استمرار الدراسة برغم ظروف الحرب، قائلاً: "في حالة الحرب تُعطى الأولوية القصوى لحماية سلامة الطلاب، ولكن لا ينبغي إيقاف العملية التعليمية في البلاد. ولهذا السبب استمر التعليم عبر المنصات الافتراضية ومن خلال وسائل تكميلية للحفاظ على التواصل التعليمي بين المعلمين والطلاب".

الأسرة شريك أساسي في إنجاح التعليم الافتراضي

وبرغم أهمية الحلول التقنية، لم يكن نجاح التعليم عن بُعد ممكناً من دون الدور المحوري للأسر، التي تحولت خلال الأزمة إلى شريك أساسي في العملية التعليمية، ولا سيما في المراحل الدراسية الأولى التي احتاج فيها الأطفال إلى متابعة يومية ودعم مباشر من ذويهم.

وتقول مريم جهاني‌فر، وهي ربة منزل، للميادين نت: "التعليم عن بُعد استحوذ على معظم ساعات يومي. أجلس إلى جانب ابني صباحاً كي يلتزم بالصفوف، ثم أتابع واجباته بعد الظهر وأعيد شرح الدروس التي تقدمها المعلمة. أطفال الصف الأول لا يدركون طبيعة الظروف التي تمر بها البلاد، لكن الجميع يتكاتف، من المسؤولين والمعلمين إلى أولياء الأمور، لإنجاح العام الدراسي وحماية هذا الجيل من الضياع".

أما خديجة مزروعي، وهي موظفة، فتصف تجربتها بأنها من أصعب التحديات التي تواجه العائلات خلال الحرب، قائلة: "التعليم في زمن الحرب من أصعب المهام التي تقع على عاتق أي دولة تجاه طلابها. أواجه صعوبة في التوفيق بين عملي ومتابعة دراسة ابنتي، لكن الآباء والمعلمين يكمل بعضهم بعضاً في هذه المرحلة، ويساعدون الطلاب على التركيز في دراستهم وعدم الانشغال بمخاوف قد تدفعهم إلى التوقف عن التعلم".

وأسهم هذا التعاون بين الأسرة والمدرسة في تعزيز الاستقرار النفسي لدى الأطفال، ومنحهم شعوراً بالاستمرارية والانتظام برغم الاضطرابات المحيطة بهم وتراجع نشاطهم اليومي المعتاد.

تحديات مستمرة.. والتعليم متواصل

وبرغم النتائج الإيجابية التي حققتها تجربة التعليم الافتراضي، فإنها لم تخلُ من التحديات، خصوصاً في المدن والقرى البعيدة، حيث برزت مشكلات مرتبطة بالبنية التحتية الرقمية، من ضعف خدمات الإنترنت إلى محدودية الأجهزة المناسبة لدى بعض الطلاب، سواء الهواتف الذكية أو الأجهزة اللوحية.

كما واجهت الصفوف المرئية عبر الإنترنت عقبات تقنية مرتبطة بسرعة الاتصال وجودة الأجهزة المستخدمة، ما دفع بعض المعلمين إلى الاكتفاء بالتواصل الصوتي مع الطلاب. وقد انعكس ذلك على مستوى التفاعل المباشر، خاصة في المراحل الابتدائية، فيما بدا التكيّف مع هذه الوسائل أسهل لدى طلاب الجامعات.

ومع ذلك، يرى الأستاذ الجامعي جمشيد علوي تبار أن التجربة نجحت إلى حد كبير في الحفاظ على العدالة التعليمية خلال الحرب. ويقول للميادين نت: "التعليم الافتراضي حقق نجاحاً ملموساً في ضمان استمرارية التعليم خلال هذه الظروف. ففي الأوقات العادية قد يكون خياراً إضافياً، لكنه يتحول في زمن الحرب إلى ضرورة. وبرغم الضغوط النفسية والمخاوف المرتبطة بانقطاع الإنترنت والكهرباء وأمن البيانات، تبقى حماية المجتمع واستمرار الحياة التعليمية أولوية، وعندما تنتهي الأزمة سنعيد بناء ما أفسدته الحرب".

في المحصلة، قد يشكل التعليم عن بُعد بديلاً للتعليم الحضوري في الظروف العادية، لكنه في أوقات الحرب والتوترات الأمنية والكوارث الطبيعية والأزمات الصحية يتحول إلى وسيلة إنقاذ حقيقية. فمن خلال جهود المؤسسات الرسمية، وتعاون المعلمين، ومواكبة الأسر لأبنائها، تمكنت التجربة الإيرانية من ضمان استمرارية التعليم ومنع انقطاع ملايين الطلاب عن الدراسة، مؤكدة أن الحفاظ على حق التعلم في أوقات الأزمات ليس مجرد خيار تقني، بل استثمار طويل الأمد في حماية المجتمع ومستقبل أجياله.

اخترنا لك