"إنها خطة الله".. الخطاب الديني حول الحرب على إيران يثير جدلاً أميركياً

يثير توظيف الخطاب الديني في تبرير الحرب الأميركية على إيران جدلاً واسعاً داخل الولايات المتحدة حول تأثير العقيدة في القرارات العسكرية ومخاطره على الدستور والانقسام المجتمعي.

  • "إنها خطة الله".. الخطاب الديني حول الحرب على إيران يثير جدلاً أميركياً

بعد عقود من تقديم التوتر بين الولايات المتحدة وإيران أمام الرأي العام الأميركي بوصفه صراعاً تحكمه اعتبارات الأمن القومي والسياسة الخارجية، أبرزت الحرب الراهنة التي تشنّها الولايات المتحدة والاحتلال الإسرائيلي ضد إيران حضوراً متزايداً لخطاب ديني ضمن التبريرات المقدمة لهذه الحرب.

وقد أثار توظيف البعد الديني في الخطاب العسكري والسياسي موجةً واسعةً من الجدل في الشارع الأميركي ووسائل الإعلام، حول مدى تأثير الدين على القرارات العسكرية ومشروعية هذا الخطاب في إطار الدستور الأميركي، إضافةً إلى المخاطر التي قد يشكّلها على المجتمع والأمن القومي والسلام العالمي.

ويأتي هذا النقاش في ظل انقسام شعبي واضح حول الحرب نفسها، وهي حرب لا تحظى بدعم واسع في الشارع الأميركي، وفقاً لما كشفته العديد من استطلاعات الرأي التي أُجريت قبل اندلاع الحرب. 

وأظهر استطلاع حديث أجرته جامعة كوينيبياك، نُشر في 9 آذار/مارس الحالي، أي بعد عشرة أيام من بدء الحرب، أن أغلبية الأميركيين ما زالوا يعارضون الحرب أو يبدون تحفّظاً عليها. 

كما أظهرت النتائج أن 62% من المستطلَعين يعتقدون أن إدارة ترامب لم تقدّم تبريراً واضحاً للعمل العسكري، ما يجعل أي خطاب ديني في هذا السياق أكثر حساسيةً، إذ يخشى كثيرون أن يُستخدم هذا التبرير لإضفاء شرعية على صراع غامض الأهداف (حرب تشير الأحداث والتقديرات إلى صعوبة تحقيق أهدافها المعلنة، التي تتمثّل ذروتها بإسقاط الجمهورية الإسلامية)، الأمر الذي قد يفاقم الانقسام داخل الرأي العام الأميركي.

جنود الولايات المتحدة.. إيمان تحت الضغط 

خلال الحرب الحالية، التي بدأت مع نهاية شباط/فبراير الماضي، انتشر استخدام بعض القادة العسكريين الأميركيين لتعابير ذات طابع ديني في خطاباتهم مع الجنود في أثناء تأدية واجباتهم العسكرية، وهو الأمر الذي أثار استياء شريحة واسعة من العسكريين. في هذا الإطار، رأى العديد من العسكريين أن إدخال البعد العقائدي في السياسات العسكرية يهدد الحريات الدينية، ما دفعهم إلى تقديم شكوى لدى مؤسسة الحرية الدينية العسكرية (Military Religious Freedom Foundation). 

وأعلنت المؤسسة، وهي منظمة مستقلة معنية بالدفاع عن حرية العقيدة داخل المؤسسة العسكرية الأميركية، أنها تلقت مئات الشكاوى من جنود ينتسبون إلى أكثر من 40 وحدة مختلفة، موزعة على 30 منشأة عسكرية على الأقل. وتتهم هذه الشكاوى بعض القادة باستخدام ما وُصف بـ"خطاب ديني مسيحي متطرف" في سياق الحرب على إيران.

وفي شكوى تقدم بها 15 فرداً من وحدة عسكرية واحدة، من بينهم 11 مسيحياً على الأقل ومسلم واحد ويهودي واحد، أفاد الجنود بأن الضابط المسؤول عنهم أخبرهم بحماس، في سياق تحفيزي، أن الحرب على إيران جزء من "خطة الله"، وحثّهم على تبني هذا الاعتقاد ونشره بين زملائهم.

استشهد الضابط بما ورد في سفر الرؤيا في الكتاب المقدس حول أحداث نهاية الزمان، وادّعى أن الرئيس ترامب "مُختار من قبل المسيح لإشعال شرارة الحرب في إيران، كمقدمة لمعركة هرمجدون وعودة المسيح إلى الأرض".

وقال رئيس المؤسسة، مايكي واينشتاين، في بيان له، إنهم تلقوا سيلاً من المكالمات اليائسة من الجنود لطلب المساعدة، مشيراً إلى أن الشكاوى أفادت بأن بعض القادة يركزون على ضرورة أن تصبح المعارك مع إيران دمويةً لتحقيق نبوءة نهاية العالم وفقاً للرؤيا المسيحية الأصولية، ويؤكدون وجوب الامتثال التام لها. 

كما نشرت المؤسسة رسالة ضابط متقاعد من القوات الجوية الأميركية، يعمل حالياً مقاولاً لدى الحرس الوطني، أفاد فيها أن عواقب عدم الامتثال لأوامر القادة قد تكون وخيمةً. وأوضح أنه يتابع "بإحباط متزايد" ما وصفه باستغلال بعض القادة العسكريين مناصبهم لإجبار الجنود على المشاركة في أنشطة ذات طابع ديني، مصحوباً برسالة ضمنية تقول إن عدم الامتثال قد يضر بمستقبلهم المهني.

ولا يقتصر حضور الخطاب الديني المرتبط بما يُعرف بـ"القومية المسيحية" على قادة الوحدات، بل يبدو حضوره واضحاً في قمة هرم المؤسسة العسكرية الأميركية، حيث يرتبط هذا التوجه بوزير الحرب بيت هيغسيث، المعروف بعلاقاته مع أوساط إنجيلية محافظة تدعو إلى توسيع دور الهوية المسيحية في المجال العام. وقد استخدم هيغسيث في كتابه "الحملة الصليبية الأميركية" لغةً تحمل إشارات "صليبية" لوصف ما عدّه صراعاً حضارياً مع "الإسلاميين"، ما يعكس نمطاً أوسع لتوظيف اللغة الدينية لتبرير الحرب.

خطاب متحيز يعمق الانقسامات 

واجه استخدام هذه اللغة الدينية في السياقات العسكرية معارضةً من منظمات حقوقية، حذرت من أن هذا الخطاب قد يقوّض الحرية الدينية للمجندين الذين ينتمون إلى خلفيات عقدية متباينة، كما عدّته متحيزاً ضد بعض فئات الشعب، إلى جانب مساهمته في تعميق الانقسامات الاجتماعية والسياسية، وإضعاف ثقة المواطنين بالمؤسسات الحكومية.

وأصدر مجلس العلاقات الأميركية الإسلامية (كير)، وهو أكبر منظمة أميركية معنية بالحقوق المدنية والدفاع عن المسلمين، بياناً رسمياً دان فيه ما وصفه بـ"خطاب الحرب المقدسة الخطير والمعادي للمسلمين لتبرير قصف إيران"، ودعا جميع الأميركيين إلى المطالبة بوقف ما عدّه "حرباً غير ضرورية وغير مبررة وغير دستورية".

بدورها، حذّرت مؤسسة الحرية الدينية العسكرية من استخدام النبوءات الكتابية كإطار للسياسة الخارجية، مشيرةً إلى أن الخطاب الديني المسيحي المرتبط بأفكار "نهاية الزمان" بات حاضراً في تفكير صناع القرار الأميركيين عند تحديد سياسة البلاد تجاه إيران.

وأثارت هذه التبريرات جدلاً بين رجال الدين الأميركيين، إذ استنكر الحاخام جويل شوارتزمان، قسيس سابق في القوات الجوية وأكاديمي، هذه التوجهات، متسائلاً: "هل تريدون تحويل هذه الحرب إلى حملة صليبية من أجل المسيح"؟ وحذّر شوارتزمان من أن الترويج لمثل هذه النبوءات قد يضرّ بمصالح الولايات المتحدة، إذ قد يؤدي إلى فقدان دعم ملايين العرب في الخليج الذين تعتمد عليهم البلاد وتحتاج إلى تعاونهم.

بدوره، انتقد القس بنيامين كريمر، في مقال نُشر في الأول من هذا الشهر على منصة "سابستاك" (Substack، التي يستخدمها الأميركيون بكثافة للحصول على الأخبار والمعلومات) الحماس الذي يبديه بعض المسيحيين تجاه اندلاع حرب مع إيران بدلاً من توجيه الدعوات إلى خفض التصعيد. وأضاف أن الإطار اللاهوتي الذي يدرّب المؤمنين على رؤية الحرب كحتمية بدلاً من مأساة إنسانية قد يضعف الإحساس بالمسؤولية الأخلاقية، ويحوّل الدمار إلى تبرير ديني، ما قد يترتب عليه عواقب سياسية وخيمة.

بين السياسة والدين في زمن الحرب

أثار استخدام بعض قادة الجيش خطاباً دينياً في سياق الحرب جدلاً واسعاً على منصات النقاش ووسائل التواصل الاجتماعي في الولايات المتحدة، من بينها موقع "Reddit"، أحد أشهر منصات النقاش الإلكترونية في البلاد، وقد أظهر كثير من المتفاعلين قلقاً واضحاً من هذا التوجه.

ففي تعليق على أحد الأخبار المتداولة حول القضية، كتب مستخدم يحمل اسم "ChasKy53": "عبارة إرادة إلهية تثير غضبي. نتهم المسلمين بشن حروب دينية، ثم يريد بعض الأميركيين تحويل هذه إلى حرب دينية من جانبنا. هذا أمر مروّع".

أما المستخدم "blind_merc" فقال:" يجب تذكير القيادة بأن حرية الدين حق مكفول قانوناً… إجبار شخص على فعل أي شيء لأسباب دينية بدلاً من أسباب تتعلق بالدفاع الوطني يُعدّ أمراً غير قانوني".

وانتقل النقاش كذلك إلى منصة "إكس"، حيث نشر حساب مجلة "Rolling Stone" منشوراً جاء فيه: "الحرب الإيرانية تطمس الخط الفاصل بين الدين والدستور… يتحدث القادة العسكريون عن الهجوم على إيران كما لو كان حملةً صليبيةً مسيحية".

وفي سياق النقاشات العامة على وسائل التواصل، بعد نشرها للخبر، طرحت صفحة "TechTimes" على منصة "فيسبوك" سؤالاً لمتابعيها جاء فيه: "هل تعتقد أن إدخال الروايات الدينية أو الأيديولوجية في الأهداف العسكرية يجعل حل النزاع أكثر صعوبةً من الدبلوماسية التقليدية"؟

وجاءت الردود متباينةً، إذ قال أحد المعلقين الذي يستخدم اسم "OCNOInspires": "عندما تبدأ الحروب في التأطير بمصطلحات أيديولوجية أو دينية، يصبح احتواء الصراع في كثير من الأحيان أكثر صعوبة. يمكن التفاوض على الاستراتيجية العسكرية، ويمكن التفاوض على الأراضي، لكن عندما يتحول السرد نحو القدر أو النبوءة، يصبح التوصل إلى حل وسط أكثر صعوبة".

في المقابل، عبّر آخرون عن مواقف متعارضة. مثلاً، كتب المستخدم "Jim LaFonteese": "تحوّل الأمر برمّته إلى هراء لا يمكن لأي طرف أن يربحه… إلهي أفضل من إلهك! هذا نوع من الكلام الفارغ"، بينما علّق مستخدم آخر يدعى "Jon Green" قائلاً: "هذا جزء من خطة الله، وهذه حقيقة".

خطاب ديني في أروقة السياسة

لا يقتصر مثل هذا الخطاب الديني على قادة الجيش، بل يمتد إلى بعض السياسيين الأميركيين، خصوصاً في السياق المتعلق بالشرق الأوسط عموماً وفلسطين المحتلة وإيران على وجه الخصوص.

ومن الأمثلة البارزة على ذلك، استشهاد السيناتور الجمهوري تيد كروز في مقابلة مع الإعلامي تاكر كارلسون، بتاريخ 18 حزيران/يونيو 2025، أي خلال الحرب السابقة التي امتدت 12 يوماً على إيران، بآية من سفر التكوين: "أبارك مباركيك، وألعن لاعنيك". استند كروز إلى هذه الآية لتبرير موقفه الداعم للاحتلال الإسرائيلي، وإبداء وموقف أميركي حازم تجاه إيران، ما أثار جدلاً واسعاً آنذاك حول دور الدين في صياغة السياسة الخارجية الأميركية.

في شباط/فبراير الماضي، أثارت تصريحات السفير الأميركي لدى الاحتلال الإسرائيلي، مايك هاكابي، استياءً واسعاً على منصات التواصل الاجتماعي وفي الأوساط السياسية، بعد أن أكّد خلال مقابلة مع كارلسون أن للاحتلال الإسرائيلي "حقاً توراتياً" في أراضٍ تمتد من النيل إلى الفرات.

كما أثار تعليق السيناتور ليندسي غراهام في تشرين الأول/أكتوبر 2023 حول العدوان الإسرائيلي على غزة، وقوله "نحن في حرب دينية"، موجةً من الانتقادات. 

لا يُعدّ هذا التوجه في الخطاب جديداً، بل له جذور تاريخية في السياسة الأميركية، وأبرز مثال على ذلك تصريحات الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش عقب هجمات 11 أيلول/سبتمبر 2001: "هذه الحملة الصليبية، هذه الحرب على الإرهاب، ستستغرق بعض الوقت". 

ويبقى الجدل حول استخدام الخطاب الديني في الحرب على إيران نموذجاً على التحديات التي تواجه المجتمع الأميركي في التوازن بين الأمن الوطني والحرية الدينية. وهو يفتح نقاشاً أوسع حول حدود الدين في صناعة القرار العام وحماية قيم التعددية والمبادئ الدستورية.

اخترنا لك