"الدفاع الشعبي" في إيران.. عائلات وشباب يتلقون تدريبات على السلاح
في ظل تصاعد التهديدات الأميركية الإسرائيلية، تشهد إيران توسعاً في برامج تدريب المدنيين على السلاح عبر المساجد والتلفزيون، ضمن تعبئة مجتمعية تعزز مفهوم الدفاع الشعبي والوعي الجماعي بالأمن القومي.
-
من ميادين الحرب إلى ساحات المدن: وعي جماعي يتشكل في زمن التهديد
في ظل التهديدات الأميركية الإسرائيلية المستمرة ضد إيران، ومع استمرار التلويح بإمكانية استئناف الحرب في أي لحظة، برزت في إيران ظاهرة اجتماعية لافتة تتمثل في إقبال مدنيين، رجالاً ونساءً ومراهقين، على تدريبات حمل السلاح داخل المساجد والساحات العامة والتجمعات الليلية.
وكان هذا المشهد على الأرض يتسع ويتعمق مع دخول التلفزيون على خط هذا التحول المجتمعي، إذ بثّت قنوات عدة في التلفزيون الإيراني برامج مخصّصة لتعليم المواطنين العاديين كيفية التعامل مع أسلحة مختلفة، من بينها: بندقية كلاشينكوف، والرشاش "بيكا"، وبندقية القنص "دراغونوف"، وبندقية "وينشستر"، وقاذف "آر بي جي". وقد تضمّنت هذه البرامج شرحاً لطريقة تفكيك السلاح وتركيبه وقواعد الأمان.
وأكد محسن برمهاني، مساعد رئيس هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية، دور الإعلام الداخلي في زمن الحرب، قائلاً: "في ظروف الحرب، وفي بلد يخوض معركة ضد كل قوى الظلم في العالم، من الطبيعي أن يتخذ الإعلام الوطني شكل الاصطفاف الحربي". وأضاف أن التدريب على السلاح في البرامج التلفزيونية لا يُراد منه إظهار الاستعداد للقتال فقط، بل له أبعاد تربوية وثقافية وتعليمية، وأن وجود مقدّمي برامج يحملون السلاح داخل الاستوديوهات يشكّل تذكيراً بهذه القيم، ويسهم في خلق نوع من التماهي بين الجمهور وهذه الحالة الدفاعية.
-
من ميادين الحرب إلى ساحات المدن: وعي جماعي يتشكل في زمن التهديد
وامتدّ هذا التوجه الإعلامي نحو ثقافة السلاح إلى الفضاء العام، بعد إقامة غرف خاصة بالاستعداد الدفاعي في المساجد وعدد من الميادين العامة. وفي هذه النقاط، يحصل المواطنون، رجالاً ونساءً وشباباً، على دروس عملية في التعامل مع السلاح الفردي، تحت إشراف عناصر متخصصة.
وبثّ التلفزيون الإيراني مشاهد من تدريبات في مساجد ومقرات للتعبئة في محافظات مختلفة، منها الأهواز وكرمان وشيراز وزاهدان. وظهرت مشاركة عائلات بكامل أفرادها، آباءً وأمهاتٍ وشباباً وفتيات، وهم يتلقون تدريبات أو يقفون في طوابير للتسجيل في دورات تحمل عناوين مثل "رُوّاد الدفاع عن الوطن".
-
من ميادين الحرب إلى ساحات المدن: وعي جماعي يتشكل في زمن التهديد
تحول في الوعي والانتماء
هذا الحضور العائلي والشبابي منح الحدث دلالات اجتماعية ونفسية تشير إلى انتقال قسم من المجتمع من حالة المتابع للأحداث إلى حالة الشريك فيها. وقال حسن كرماني، وهو أستاذ جامعي، لـ"الميادين نت": "هذا ليس عرضاً دعائياً، بل إدخال للعائلات في خطاب الدفاع الأيديولوجي عن الجمهورية الإسلامية، بعد ثلاثة أشهر متواصلة من الحضور الليلي في تجمعات الميادين دعماً للثورة والبلد".
وبهذا المعنى، تتحول الأسرة من وحدة اجتماعية مدنية بحتة إلى وحدة دفاع معنوي، يجتمع أفرادها حول هدف مشترك هو حماية الوطن في مواجهة تهديد خارجي واضح. وقال محمد علي فرحزادي، أحد الشبان الذين تواجدوا في إحدى الغرف التدريبية، لـ"الميادين نت": "التعرف على السلاح لا يعني الذهاب في اليوم التالي إلى القتال، بل يساعدنا هذا التدريب على فهم مفاهيم المقاومة والدفاع، ويعزز فينا الإحساس بالمسؤولية والاستعداد".
من جهتها، قالت الشابة زهرا عزتي، في حديثها لـ"الميادين نت": "في هذه الأيام الصعبة وأجواء الحرب التي تعيشها إيران، فإن دور الشباب، رجالاً ونساءً، في البنية الأمنية للبلد مهم جداً. الدفاع عن البلد متعدد الطبقات، وآخر طبقة دفاعية هي الناس أنفسهم. نحن هنا، ولن نسمح للأعداء بتحقيق أهدافهم".
-
من ميادين الحرب إلى ساحات المدن: وعي جماعي يتشكل في زمن التهديد
من الاستعداد الدفاعي إلى وعي جماعي جديد
اللافت أن ثقافة الاستعداد الدفاعي ليست وافدة بالكامل على المجتمع الإيراني، بل هي جزء من المنهاج التعليمي الرسمي منذ سنوات. ففي المدارس الثانوية، من الصف التاسع إلى الثاني عشر، يدرس الطلاب مقرر "برنامج التأهب الدفاعي"، الذي يتناول مبادئ السلامة والإسعافات الأولية، ومفاهيم الحرب الناعمة، وأسس الدفاع المدني، والمبادئ الأولية للتعامل مع السلاح.
غير أن ما تغيّر مع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، وتحول التهديد الخارجي إلى واقع يومي، هو انتقال هذه المفاهيم من الكتب الدراسية والقاعات المغلقة إلى المساجد والميادين الليلية وشاشات التلفزيون، لتصبح جزءاً من الحياة اليومية للمواطن.
ومنذ اندلاع الحرب والتظاهرات الليلية المؤيدة للثورة، تكاثرت صور المواطنين وهم يحملون السلاح في التجمعات، وتزايدت مشاهد الأطفال والشباب بالزي العسكري في الساحات. ومع فتح باب التسجيل في برامج "رُوّاد الدفاع عن الوطن" داخل المساجد، أصبح بإمكان أي شاب أو مواطن عادي الانضمام إلى هذه الدورات للحصول على تدريب منظم على استخدام السلاح.
وبذلك، يمكن القول إن الحرب والتهديد الخارجي ساهما في تشكيل وعي جماعي جديد، يربط بصورة أوضح بين الأمن الوطني والتضامن الاجتماعي والإحساس بالمصير المشترك. فالتهديد لم يعد قضية تخص القوات المسلحة وحدها، بل بات قضية تمس كل بيت وأسرة وشاب وشابة، ما يدفع شرائح واسعة إلى تبنّي لغة "نحن" في مواجهة "هم"، وإعادة تعريف الذات الجماعية عبر بوابة الدفاع عن الوطن.
-
من ميادين الحرب إلى ساحات المدن: وعي جماعي يتشكل في زمن التهديد
معادلة الردع الداخلية
يرى المسؤولون عن تعميم ثقافة السلاح أنها جزء من معادلة ردع داخلية وخارجية، في حال توسعت الحرب أو انتقلت إلى مرحلة جديدة. وتشير تقديرات داخلية إلى أن تصاعد احتمالات دخول الحرب مرحلة جديدة، بالتوازي مع تحركات مجموعات مسلحة مرتبطة بالكيان الإسرائيلي أو بجهات خارجية، جعل سياسة التعليم العام على استخدام السلاح أقرب إلى التحضير لسيناريوهات طوارئ قد تفرض على المدنيين دوراً أكبر في حماية مناطقهم ومجتمعاتهم.
وفي المحصلة، تتجاوز ظاهرة التدريب على السلاح في إيران مجرد الاستجابة العسكرية لتهديدات عابرة، لتشكّل إعادة صياغة للبنية المجتمعية والنفسية للمواطن الإيراني. فقد خلقت التحديات الخارجية والداخلية حالة من التعبئة العفوية، اندمج فيها المدنيون في نسيج الأمن القومي، مؤسسين لمرحلة جديدة تعتمد على تلاحم الشعب واعتباره الحصن المنيع الذي تتحطم عليه محاولات زعزعة الاستقرار.