نفايات القاهرة تسد فجوة الاستيراد.. كيف انتعشت مهنة "الزبالين" في مصر؟
أنعشت اضطرابات الاستيراد الناتجة عن الحرب على إيران سوق تدوير النفايات في منشية ناصر بالقاهرة، بعدما تحولت القمامة إلى مصدر للخامات التي تحتاج إليها المصانع المصرية، لكن الطفرة تضع المهنة أمام أسئلة الاستدامة ومستقبل جامعي القمامة.
-
نفايات القاهرة تسد فجوة الاستيراد.. كيف انتعشت مهنة "الزبالين" في مصر؟
في زقاق ضيق متفرع من أحد شوارع منشية ناصر، الواقعة على أطراف هضبة المقطم في القاهرة، تجلس أم ميلاد زكي محاطة بأحفادها، وتقلب بأناملها المجعدة أكياسًا بلاستيكية امتلأت على مهل ببقايا المعادن والنفايات المنزلية والتجارية، لفرزها وتصنيفها بحسب نوعها، تمهيدًا لبيعها إلى ورش إعادة تدوير المخلفات في المنطقة.
بأصابع اعتادت الفرز السريع، وفوق مقعدها الخشبي المتهالك، ترشد زكي أحفادها الخمسة إلى أنواع المعادن، بينها الألومنيوم، وفوارغ زجاجات المياه والمشروبات الغازية، والنحاس، والكرتون المقوى، لتصنيفها ضمن حصيلة جمع القمامة، وهي المهنة الأصلية لأبنائها الثلاثة والمصدر الوحيد لإعالة أسرتها المكونة من 14 فردًا.
جمع النفايات
خلال حديثها إلى "الميادين نت"، تحاول زكي، بلغتها البسيطة، التعبير عن التحول الذي طرأ على قيمة هذه النفايات غير العضوية. فبفعل العدوان على إيران، تحولت بين أيدي أسر جامعي القمامة إلى خام استراتيجي وشريان حياة بديل يغذي المصانع الوطنية بالبلاستيك والمعادن، ما أنعش المهنة في هذا الحي الشعبي الذي لطالما تجنبه كثير من المصريين ونظروا إليه بسلبية، بسبب الروائح الناجمة عن تربية الخنازير والماشية وفرز القمامة.
وتدافع السبعينية عن سكان الحي في مواجهة هذا التمييز الذي يشعرون به، معتبرة أن لمنطقتها "دورًا أساسيًا في الحفاظ على نظافة القاهرة، وأن العاصمة ما كانت لتحافظ على جمالها لولا جهودهم المتواصلة".
ومع اضطراب سلاسل الإمداد جراء الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران وإغلاق مضيق هرمز، ارتفعت أسعار الخامات المستوردة، وتصاعد الطلب في مصر على المواد المعاد تدويرها؛ إذ تضاعف الطلب على البلاستيك المعاد تدويره ثلاثة أضعاف، واقتربت أسعاره من الارتفاع بنسبة 60%، نتيجة ندرة إمدادات البولي إيثيلين المستوردة من الخليج.
وتستورد مصر رسميًا 40% من خامات البلاستيك من الخليج وأوروبا والصين وكوريا الجنوبية، بينما يقطن منشية ناصر نحو 115 ألف نسمة، يجمعون يوميًا 18 ألف طن من النفايات تُوجَّه إلى التدوير، من بينها 8 آلاف طن من المواد الصلبة، كالكرتون والزجاج والمعادن والبلاستيك.
حماية الصناعة الوطنية
على منحدرات سفح جبل المقطم، حيث تتراص بيوت منشية ناصر في كتلة خرسانية واحدة، بما يهددها بالانهيارات الصخرية، كما حدث عام 1993 عندما هُدم 15 منزلًا وقُتل 70 شخصًا، تُفرَز النفايات في أكبر تجمع بشري لجامعي القمامة في مصر، وفق نوعها ولونها وسماكتها.
ثم تُباع المواد إلى ورش تقطيع البلاستيك وغسله وتحويله إلى حبيبات تُورَّد إلى المصانع المصرية لإنتاج الأكياس والعبوات غير الغذائية والأنابيب والأدوات المنزلية.
كما تُحوَّل حبيبات البولي إيثيلين إلى شكل يشبه الخرز لإدخالها في صناعة ألياف البوليستر المستخدمة في الملابس والمفروشات والحشو الصناعي.
بجسده النحيل، يقف زكريا إبراهيم، البالغ 60 عامًا، أمام ورشته في شارع "الحنفية"، مشرفًا على أعمال أسرته المكونة من تسعة أفراد. ويعتبر أن "الحرب على إيران أنعشت سوق جامعي القمامة بفعل شلل الاستيراد وتهافت المصانع المصرية على تجار المواد الخام وأصحاب الورش لحجز المواد المعاد تدويرها لسد العجز"، موضحًا أن المصانع "تحجز أطنان البلاستيك والنحاس وتدفع الثمن مقدمًا، بعدما كانت تعمل بالآجل".
يستيقظ أبناء زكريا الأربعة فجرًا لجمع القمامة من منازل القاهرة، ويتجولون بسيارة متهالكة، قبل أن يعودوا بأطنان من النفايات. بعدها تبدأ الأسرة عملية فصل العلب والزجاج والبلاستيك والدوائر الكهربائية والأجهزة الإلكترونية القديمة وأجهزة التلفزيون والبطاريات التالفة، لاستخلاص النحاس والأسلاك والبلاستيك وبيعها إلى تجار ومصانع إعادة التدوير.
ويصف إبراهيم هذا العمل الشاق بأنه "الذهب الأسود الذي يعيل أسرته ويحميها من الاحتياج"، قبل أن يستدرك: "يستهلك أجسادنا وأعمارنا يوميًا، لكن لا عمل لنا سواه".
وبرغم تعامل أسرته يوميًا مع المخلفات المنزلية والروائح النفاذة وما تسببه من متاعب صحية، يوضح إبراهيم لـ"الميادين نت" أنه "قبل الحرب على إيران وظهور أزمات الاستيراد، كانت المصانع المصرية تعتمد على خلط المواد المحلية بخام البلاستيك المستورد، لكن الآن، ومع تضاعف الطلب، أصبحت القمامة المحلية بطل حماية الصناعة الوطنية".
وبخلاف تضاعف أسعار البلاستيك ومنتجاته، يقول الرجل الستيني إن سعر الألومنيوم المستخرج من عبوات المشروبات الغازية تراوح بين 150 و250 جنيهًا للكيلوغرام (نحو 5 دولارات)، فيما تراوح سعر كيلو النحاس بين 350 و450 جنيهًا (نحو 9 دولارات)، ما أنعش دخل الأسر والمهنة.
وبرغم اعتماد ورش التدوير في المنطقة على معدات تقليدية ومتهالكة، طورت أسر منشية ناصر مهارات موروثة وتجهيزًا آليًا مكّنها من بلوغ كفاءة فرز وتدوير تقارب 85%، متفوقة، وفق تقرير أممي، على شركات إسبانية وإيطالية تعاقدت معها القاهرة في أوائل الألفينيات، ولم تتخطَّ كفاءتها 20%.
آمال ومخاوف
تُعرف هذه الأسر المصرية باسم "الزبالين". وهم، في الأصل، أحفاد أعداد كبيرة من سكان صعيد مصر الذين هربوا من الفقر في أربعينيات القرن الماضي، ونُقلوا إلى المنطقة بتوجيهات الرئيس الراحل جمال عبد الناصر. ووفق تقديرات حكومية، تتعامل هذه الأسر مع أكثر من ثلث مخلفات العاصمة، بينما تقدر صحيفة "ذا غارديان" أن منشية ناصر تتولى ما يصل إلى 80% من مخلفات مدينة القاهرة ونحو ثلثي مخلفات القاهرة الكبرى، التي تضم القاهرة والجيزة والقليوبية.
في هذه البيئة نشأت مريم شنودة، السيدة الثلاثينية التي تعمل بالأجرة في فرز القمامة. كانت تتمنى نشأة مختلفة لطفليها، بعيدًا عن غبار البلاستيك والأمراض التنفسية وبكتيريا الأطعمة والمخلفات العضوية، لكن ظروفها الأسرية ووفاة زوجها قبل أربعة أعوام حالتا دون تحقيق حلمها.
بيدٍ دمّمتها حواف الصفيح والزجاج، تزيل بعض الملصقات عن زجاجات البلاستيك، وتقول شنودة لـ"الميادين نت": "كنت أتمنى أن يكون أولادي من المتعلمين، ليعملوا في مهنة أخرى".
وتشير إلى أن عملية الفرز بالغة الدقة، وأن اكتساب مهاراتها يحتاج إلى الخبرة: "نفرز البلاستيك حسب كود اللون والخامة، ونستخلص النحاس من الدوائر الكهربائية التالفة، أما بقايا الأطعمة فتذهب إلى الماشية". وتضيف أنه "في بعض المرات قد نحصل على بعض المعادن الثمينة، أو نجد ملابس وأدوات منزلية صالحة للاستعمال".
وبالنسبة إلى مريم، التي تمارس هذه المهنة منذ طفولتها، فإن القمامة هي ثمن "رغيف الخبز وعلبة الدواء وإيجار الغرفة التي تلم شمل عائلتها الصغيرة".
وسط تلال ضخمة من قصاصات الورق والكرتون وأجولة المعادن الصلبة، يقف حسام فتحي، الشاب الثلاثيني الذي ورث مهنته عن آبائه، ويراقب ستة عمال يكبسون المواد الصلبة في ورشته.
يقول: "أعمل وأشقائي الأربعة في الورشة والجمع، وبعد توسعنا أصبحنا نشتري النفايات من العائلات والجامعين المتجولين. لقد انعكست الحرب على إيران إيجابيًا على منشية ناصر، لتصبح بؤرة ارتكاز لتجهيز الخامات واستقبال القمامة الصلبة من مدن مصر كافة".
ويضيف أن الطلبات المتلاحقة من المصانع لتعويض نقص الخامات المستوردة دفعت عائلات الحي إلى مضاعفة جهودها لتلبية احتياجات السوق. ورغم هذه الطفرة، يعرب عن مخاوفه من عدم استدامتها بسبب تقلبات السوق وتكاليف النقل والكهرباء والآلات، مؤكدًا أن الأزمة كشفت عن شبكة إنتاج موازية تستند إليها البلاد في أوقات التوترات، بحسب حديثه لـ"الميادين نت".
ويلتقط أشرف بولس، أحد عمال الورشة، طرف الحديث، موضحًا أن الورش الصغيرة توظف عشرات الشباب. ويأمل، في حديثه لـ"الميادين نت"، في إبرام عقود مستمرة مع المصانع لا تنتهي بانتهاء الحرب، حفاظًا على أرزاقهم. كما يشير إلى أن تدوير المخلفات في الحي بات طوق نجاة للشركات التي كانت تعتمد كليًا على الاستيراد من دول الخليج والصين.
تأثيرات إغلاق مضيق هرمز
وعلى مستوى التجار، يقول أمير غالي، أحد تجار القمامة في الحي، إن أقاليم مصر كافة تورد المواد الصلبة إلى منطقته، لتوافر ماكينات متطورة مستوردة من الصين والهند واليابان لتدوير المعادن والمخلفات العضوية والأطعمة ومواد النظافة.
ويضيف غالي لـ"الميادين نت" أن المنطقة استفادت من الأزمة الإيرانية رغم رفضهم للحرب، مشيرًا إلى أن أزمة مضيق هرمز رفعت أسعار آلاف السلع، بينها عبوات الأدوية والمياه والأغذية وخامات التشييد والمنسوجات.
أما مدحت نافع، أستاذ الاقتصاد في جامعة القاهرة، فيؤكد لـ"الميادين نت" أن جامعي القمامة يمثلون حجر الزاوية في الاقتصاد الدائري بمصر، وأن استدامة قطاعهم تتطلب دمجهم اجتماعيًا واقتصاديًا وحمايتهم من التهميش مع تطور التكنولوجيا.
ويشدد نافع على ضرورة تقنين أوضاع سيارات الجمع والورش غير المرخصة وتحديثها بآليات صحية وبيئية، بما يمنع تشريد الأسر التي تعتمد على هذا القطاع.
أزمة المحاكم العسكرية والماكينات الذكية
ورغم جني بعض العاملين أرباحًا كبيرة، تظهر آثارها في السيارات الفاخرة المصطفة عند مداخل الحي، لا تزال غالبية الأسر تعيش أوضاعًا صعبة، في ظل محدودية فرص التعليم والعمل المغاير لأبنائها، فضلًا عن مخاوفهم من ملاحقة سيارات جمع القمامة واحتجاز نحو 300 سيارة.
وتزداد الأوضاع تعقيدًا مع التوجه الحكومي إلى رقمنة المنظومة، عبر نشر ماكينات ذكية تُعرف باسم "Can Bank"، لشراء فوارغ الزجاجات والعبوات المعدنية من المواطنين مقابل نقاط وقسائم شراء، بهدف رفع كفاءة التدوير وتقليل الآثار البيئية، وفق تصريحات رسمية.
لكن هذه الخطوة، بحسب نقيب الزبالين شحاتة المقدس، قد تقطع أرزاق جامعي القمامة، وتهدد بإغراق القاهرة في أزمة بيئية وصحية في حال امتناعهم عن جمع النفايات.
ويقول المقدس لـ"الميادين نت" إن "مهمة جمع القمامة قومية للحفاظ على المنظر الجمالي، وبدون عمال الجمع لن تبقى مصر نظيفة".
وعن الماكينات الذكية، يقول بلهجة عامية: "تكنولوجيا تقطع عيش الزبالين وتعيق عملهم.. لو عاوزين تكنولوجيا تكون من خلال الزبالين ومش على حسابهم"، مشيرًا إلى أن كفاءة الفرز في الحي ناتجة من خبرة طويلة وفرز يدوي دقيق لا تستطيع الآلات محاكاته.
وعن طفرة ما بعد الحرب على إيران، يوضح أن الاختبار الحقيقي سيكون بعد فتح مضيق هرمز؛ فإذا واصلت المصانع شراء البلاستيك المصري المعاد تدويره، فقد تتحول الأزمة إلى رافعة لاقتصاد دائري أكثر استدامة، أما إذا توقف الطلب، فلن تكون الطفرة سوى هامش ربح مؤقت أفرزته الحرب.
أما عن احتجاز السيارات، فيقول المقدس، الذي يقطن فيلا فاخرة عند مدخل الحي، إن استمرار ملاحقة سيارات جمع القمامة "يضر بالأسر ويهدد استمرارية جمع القمامة".