ناس الأعمال القذرة: عن بيروقراطية الشر في نموذج إبستين

فلننظر إلى الإعلام كيف يغطي، والمحاكم كيف تتسارع أو تتباطأ، والمحاسبة كيف تسير. هكذا نعلم أن النموذج الذي خلّفه إبستين حي وأكبر مما نتوقع، المتورطون فيه أيضاً عمال وموظفون يتمّون وظائفهم على أكمل وجه، لكن بقبول وصمت.

  • ناس الأعمال القذرة: عن بيروقراطية الشر في نموذج إبستين
    ناس الأعمال القذرة: عن بيروقراطية الشر في نموذج إبستين

فتح العالم عيونه على اتساعها مع تكشّف الحقائق المروّعة في قضية جزيرة إبستين، ومع كل حقيقة كانت تظهر إلى العلن، كانت الأسئلة تكبر حول هول الجرائم المرتكبة. لكن التركيز الإعلامي والجماهيري انصبّ بصورة أساسية على هوية الشخصيات المنخرطة في هذه الأعمال القذرة، وفتحت شهية وسائل الإعلام التقليدي والإعلام الجديد على استخدام هذه الحقائق في سياق الصراع السياسي المرتبط بكل واحدة من تلك الشخصيات. مئات السياسيين ورجال الأعمال والفنانين والمشاهير في مختلف الميادين، وقعوا في ضوء الفضيحة الكبرى، وصارت أخبارهم تتابع على نطاق واسع وبنهم غير مسبوق.

وخلف هذه الصورة الكبرى، ومع سعي كل واحدة من الشخصيات المعنية إلى التعاطي مع الملف كقضية طارئة وخطرة، بقيت زاويةٌ مظلمة في قلب هذا المشهد، وهي تختص بأولئك الذين مكّنوا جيفري إبستين من تنفيذ جرائمه، والذين مثّلوا البنية التحتية البيروقراطية الضرورية لإتمام كل جريمة بحد ذاتها. تحوّل "نادي" المتورطين إلى ما يشبه الطائفة المغلقة التي يفتح إبستين بابها لأسماء مختارة، أو لأسماء مطلوبٌ توريطها، كون الخيوط التي كشفت كانت تشير إلى ارتباطات استخبارية لإبستين بجهاز الاستخبارات الإسرائيلي، "الموساد"، وإلى أن عمله على مدى أعوام طويلة لم يكن فقط بزخم الانحراف الأخلاقي والرغبة في التمتع عبر الجريمة. 

القضية برمتها عمل كبير منسّق، أشخاصه مختارون بعناية لتصبّ نتيجة توريطهم في مصلحة شبكة من المصالح، أحد أهم مصبّاتها سيكون "تل أبيب". فمن هم هؤلاء؟ ولماذا يغيب التركيز عنهم؟ وإلى أي مدى يؤثر هذا التغييب في تسهيل فكرة مساعدة مجرمين منحرفين على أداء جرائمهم، من دون حساب؟

بنية شرٍّ كاملة

كانت لحظة انكشاف الشبكة برمتها لحظةً نادرةً تظهر فيها إلى العلن بنيةٌ كاملة من الشر الذي تحوّل إلى آلة عمل دائمة، حيث تنوء الإنسانية تحت الصراخ وفي الغرف المغلقة، ولم يخرج منها إلا الجزء القليل مما وثقه إبستين بنفسه، أو تحدث عنه الضحايا في وقت لاحق. كان هناك هدوء وتنظيم وتقسيم أدوار، يجعل من العملية بأكملها تبدو وكأنها عمل روتيني عادي، أو عمل رفيع المستوى، نسبةً إلى مستوى الشخصيات المنخرطة، وأسلوب حياتها، والخدمات التي كانت تُقدَّم إليها.

وتحت القشرة الظاهرة إلى العلن، كان جوهر القضية يبرز كشبكة بشرية وإدارية واقتصادية تجعل من الانتهاك عمليةً قابلةً للتكرار، تستخدم فيها الأجساد كموردٍ للمتعة، ويتحوّل فيها المساعدون إلى بيروقراطية جريمة منظمة.

أما هوية هؤلاء، فتتدرّج من موظفي الاستقبال بابتساماتهم العريضة، وعملاء الاستدراج الذين يتواصلون مع الضحايا ويجرّونهم إلى مستنقع النتانة، ومضيفي رحلات الطيران وأطقمها، ومحامين يجهدون لحماية منظومة الجريمة من أي انكشاف أو ملاحقة، ومساعدين ينظّمون المواعيد ويسهّلون الأدوار، وسائقين يرون بأم أعينهم الأطفال والنساء الصغيرات ينقلون كالقطعان إلى مذبح الجريمة، ويعودون بغيرهم، وطهاة يجهزون موائد الأثرياء المتمتعين في الجزيرة، ووسطاء يتاجرون بأقدس ما على الأرض. وإلى جانب هؤلاء، تأتي الشخصيات الزائرة التي ترى الجريمة وترتكبها، وتصمت عنها، في انتظار الرحلة التالية. هؤلاء جميعاً هم قلب القضية وليسوا هامشاً في القصة، وهم بنيتها التحتية اللازمة. 

في علم الاجتماع السياسي، يُستخدم مفهوم "الشرّ البيروقراطي" لوصف ذلك النمط من الجرائم التي لا تُرتكب بدافع الكراهية أو السادية الفردية، بل عبر أداء مهني منضبط داخل مؤسسات أو شبكات. وهؤلاء يمثّلون هذا المفهوم بدقة. حيث لا يبدو مظهر الشر هنا في هيئة وحشٍ كما نتصوّره في الأفلام والقصص، بل يبدو في منتهى الأناقة والإتقان. موظفون باردون يؤدون أدوارهم "بحرفية ومهنية"، حتى ليُخيَّل إليك أنهم يمارسون مهمةً مقدسةً أو رفيعة المستوى.

القسوة هنا غير مطلوبة. المطلوب فعلاً هو إتمام الإجراءات كما لو أنها بروتوكول دقيق في عمل شريف، تقسَّم فيه الأعمال الإجرامية إلى مهام صغيرة، بحيث لا يشعر أي فرد أنه مسؤول عن الصورة الكاملة. وإذا سئل واحدهم عن مساهمته في الجريمة، سيقول إنه يطبّق القانون وأصول المهنة. هكذا سيفعل المحامي مثلاً، بينما سيقول المساعد إنه ينفّذ تعليمات رؤسائه، وسيقول الطيار إنه يؤدي وظيفته المعتادة وإن لا علاقة له بما يفعله الركاب، أو بما ينقل الضحايا ليتعرضوا إليه لاحقاً، أو بما تعرضوا إليه بالفعل قبل استقبالهم في رحلة العودة. هذا يتعلق بمن عادوا، وهم ليسوا الجميع في أي حال، بعد أن كشفت المعطيات عن جرائم قتل وممارسات طقوسية يضحى فيها بالأطفال على مذابح العقائد السرية "لصفوة" الحضارة.

ويمكن للموظف هنا أن يدّعي أنه يقوم بعمله، لكن حجم الجريمة يكشف أن الجاني هو مجموع هؤلاء معاً، من إبستين إلى مساعدته الرئيسية غيلين ماكسويل، وصولاً إلى كل حارس بابٍ وقف فأقفل باباً، أو فتح رواقاً لتمرّ منه الجريمة.

والحقيقة أن في تنفيذ هذا المستوى من الجريمة إتقان بيروقراطي شرير واضح، إذ إن تفكيك الجريمة إلى أجزاء صغيرة، لا يجعل من كل جزء كافياً للإدانة، ولا يمكّن أي صاحب دور من امتلاك الأسرار الكاملة للجريمة الكبرى. ومع ذلك، كان يكفي الحقيقةَ أن يخرج ناصرٌ لها من بين هؤلاء، فيكشف عن طرف خيط، كان ليجنّب عدداً كبيراً من الضحايا أهوال ما اختبروه في الجزيرة الملعونة.

الأناس العاديون باستطاعتهم أن يمارسوا الشر الشيطاني بمجرد السكوت عن مشهد واحد يمرّ أمامهم، فكيف يمكن السكوت في ريبة اغتصاب طفل، من دون أن يؤدي مجرد الشك إلى تحريك الضمير الإنساني وفضح القصة برمّتها؟

هكذا، يكون كل سكوت عن واحد من ملامح الجريمة اشتراكاً كاملاً في كل الجرائم، لأن ارتكاب واحد من هذا النوع من الانتهاكات كافٍ ليؤكد أن السلسلة كلها تسير في الاتجاه نفسه، وأن غموض المكان والضيوف والضحايا المسحوبين إلى هناك يؤشر إلى ساحة جريمة عامرة بالممارسات القذرة، خصوصاً أن الأمر كان متواصلاً لأعوام طويلة، ولم يكن حدثاً منقطعاً أو مشاهدةً عابرةً قد تغيب فيها الذاكرة عن التفاصيل.

الجريمة لا تحتاج إلى متوحشين، بل إلى أناس عاديين يؤدون وظائفهم جيداً. لكن لماذا تعمل هذه الشبكات بسلاسة؟ ولماذا يصمت هذا العدد من المشاركين؟

هنا ندخل مساراً خاصاً أكثر غموضاً، وهو ما يمكن تسميته "الاقتصاد الأخلاقي للنخب". السلعة هنا هي جسد البشر، من الأطرى إلى الأبلغ. وفي السوق نفسه، يتم التداول بالقيم، ويُشترى الصمت بالنفوذ والمال والتهديد والقمع، بل بالإغراء أيضاً.

شبكة علاقات نافذة تؤدي إلى الوقاية من المساءلة. أما الضحية، فهي الطرف الوحيد الذي لا يملك رأس مال تفاوضياً. موقفه في هذه العملية خاسر في جميع الأحوال، وهو منقطع عن العالم، لا يملك السيادة على جسده، أمام من يملكون السيطرة على المراكز الرئاسية والحكومات والبرلمانات وأجهزة الاستخبارات والجيوش والشركات العابرة للقارات... وماذا يمكن لإنسان ضعيف أن يفعل في مواجهة منظومة كتلك؟ لكن نقطتنا المركزية هنا تشير إلى مفارقة لافتة. فمع ضخامة وطغيان الشخصيات المتورطة ومشروعها المنحرف هذا، يمكن لموظف صغير يقف على باب واحد من الأبواب الموصدة على الجريمة، أن يهدم البنيان بأكمله بكلمة أو بصورة أو بتسريب فقط. وهذه الإمكانية هي بالتحديد باب الإدانة لكل بيدق في لعبة الجريمة الكبرى.

لكن هؤلاء، ركائز البنية التحتية للجريمة، كانوا موزعين على مهامهم في الاتجاه المعاكس. المحامون قادرون على تحويل الاعتداء إلى نزاع مدني، وإلى اتفاقيات صمت تحوّل الألم إلى بند مالي، ويسخّرون العلاقات السياسية من أجل طمس أي تحقيق. أما الإعلام فيمارس دوره في تقرير متى يصمت ومتى يتحدث وعمّن يفصح ومن يغطي.

في نموذج إبستين، شكّل الجنس أداةً ووثيقةً للضغط والابتزاز، تُخزَّن أسراره كرصيد ثمين للمستقبل. ومن خلال هذا الرصيد، يتم تغيير مصائر دول وشعوب، وتبنى قرارات، والضمانة للامتثال هي الجريمة الممسوكة على صانع القرار، أو من هم بجواره.

والنتيجة بعد ذلك هي بناء شبكات ولاء داخل عالم النخب، من خلال الأسرار المشتركة، بدلاً من الأفكار المشتركة. المتورط سهل الانصياع، إن كان التورط في معرفة المعلومة، أو الاشتراك في الجريمة. وبذلك، تكون الجرائم تقنيةً بديلةً وغير رسمية وعابرةً للمؤسسات الدول، للحكم على مستوى العالم، وتقطف المصلحة (للمشغل صاحب المصلحة) من دون المرور في أي بيروقراطية ضمن دولة محددة. فقط من جيفري إلى المتورط، الذي سيخرج ليدعم إبادةً أو ليناصر "حقاً بالدفاع عن النفس" لقاتل أطفال آخر في منطقة بعيدة من العالم. وهذا يفسّر بجلاء ارتباط إبستين بـ"إسرائيل" مثلاً. 

خارج سلطة الدساتير، تسير سلطة إبستين على رغبات صناع القرار، وبالتالي على قراراتهم. لكن نعود إلى عمّال القذارة أنفسهم، كيف سكتوا؟ وكيف تمكنوا أن يبتلعوا هذا الكم من القذارة؟

عمّال تطبيع الجريمة

أخطر ما في هذه المنظومة ليس قمّتها، بل قاعدتها البشرية، الذين ينقلون، يرتبون، يوقّعون ويفتحون الأبواب. ليس طبيعياً أن يكونوا جميعاً ساديين. كثير منهم أشخاص عاديون، لديهم أسر، فواتير، مخاوف... لكنهم تعلّموا مهارةً واحدةً أساسية، حوّلتهم إلى نفوس شر، وهي الفصل بين الوظيفة (المصلحة) والضمير، وهذا هو جوهر الشرّ في المجال الإداري، أي أن تؤدي دورك بدقة، وتترك النتائج لغيرك.

فالطيار الذي لم يلمس الضحية، والمحامي الذي لم يشم رائحة الأجساد المنتهكة، والمساعد الكتوم الذي لن تخرج من فمه كلمة حق، كلهم ركائز أساسية في المنظومة، وقد اشتركوا فيها لأنهم موثوقون عند الشيطان الكبير الذي يدير الماكينة. هذه الثقة بالتحديد هي اتهام كافٍ للإدانة. أنهم جماعة إبستين وناسه وبيئته الحاضنة.

مع الوقت، تتحول الممارسات غير الطبيعية إلى روتين، فالرحلات تتكرر والوجوه تتبدل، لكن النمط ثابت، والنمط كفيل في كشف أي جريمة. المحققون العاديون في أية سلسلة من السرقات البسيطة للدراجات النارية أو حتى للثياب عن منشر الغسيل، ينظرون إلى النمط. وطالما أن "ناس إبستين" شهدوا على النمط المستمر ولم يتحركوا، فهم شركاء في الجريمة من دون شك.

الصدمة الأولى التي يجب أن تحرك الضمير تختفي مع التكرار، وتقتل الضمير عند ضعاف النفوس. ثم يصبح كل شيء اعتيادياً وهذا ما يسميه علماء الاجتماع "تطبيع الانتهاك". إن اختيار عدم الكلام يمنح المنظومة شرعيتها ووضعها الطبيعي، والصمت بدوره يصبح استثماراً للمنتهكين ليتوسعوا في جرائمهم، طالما الأمر آمن. لكن لماذا الأطفال تحديداً؟

لماذا الأطفال؟

الأطفال هم الحلقة الأضعف في المشهد المخزي برمته. هؤلاء لا أصوات لهم، لا محامين ولا منصات ولا أعوان. أصواتهم أضعف من أن تخترق بوابات المكان، فكيف تخرج من جزيرة؟ ثم من خصمهم؟ من يمتلكون مفاتيح بوابات العالم.

وبعيداً من التحليل النفسي للظاهرة المريضة، والتي ربما تفتح الباب على اكتشافات جديدة في ميدان الأمراض والانحرافات والشرور، فإن اختيار الأطفال لهذا الدور، كضحية هشة، مرجعه إلى التلذذ بغريزة الافتراس معززةً بمستوى من الشر غير محدود. فقد تهتز نفسك إذا صُفع ولدٌ في مدرسة أو في شارع، أو حتى من أمه في ردهة مجمع تجاري. لكنك لن تجد رد الفعل الجدير بالخطف والاغتصاب والقتل التعذيب. هذه ممارسات أفظع من أن تجد عقاباً يناسبها.

وهذا يفضي إلى نتيجة مهمة، هي أن الطفولة بلا حماية حقيقية في عالمنا كله. لن تفاجأ إذا قلت إن من بين المجرمين في هذه القضية من يعلمون/تعملن في حقل الأعمال الإنسانية! ليس للأطفال شبكات علاقات وصيغ مصالح. هم أبرأ من ذلك، وهذه البراءة مقتلهم في بيئة اللئام. الهشاشة هنا فرصة يجب أن تستغل، والحق في التمتع والتلذذ بالجريمة مكفول للذين حازوا السلطة والمال والنفوذ أو الشهرة.

وفي هذه الحال، تصير الجريمة فعلاً مؤسسياً، الرأس هو إبستين أو من هم خلفه، لكن المؤسسة كبيرة وعمال القذارة فيها كثر، وربما أكثر مما نتوقع. وإذا أردنا إشارة عليهم، فلننظر إلى الإعلام كيف يغطي، والمحاكم كيف تتسارع أو تتباطأ، والمحاسبة كيف تسير. إذا طمست الحقائق، فذلك يعني أن ناس القذارة أغلبية تنتشر عبر العالم. 

إبستين مات، لكن النموذج حي ومخيف.

اخترنا لك