من غزة إلى لبنان: الاحتلال يعيد إنتاج نموذج "الأرض المحروقة"

"جيش" الاحتلال الإسرائيلي يعيد إنتاج سياسة "الأرض المحروقة"، التي طبّقها في غزة، في لبنان، مستهدفاً البنية التحتية الحيوية، إلى جانب فرضه التهجير القسري عبر تهديد مئات الآلاف من السكان بالقصف.

0:00
  • في إطار سياسة
    في إطار سياسة "الأرض المحروقة"، بدأ "جيش" الاحتلال الإسرائيلي الجسور الرئيسة على نهر الليطاني

بعد العدوان على قطاع غزة، يعيد "جيش" الاحتلال الإسرائيلي إنتاج سياسة "الأرض المحروقة" في لبنان، من خلال استهداف البنايات السكنية بصورة ممنهجة، مستخدماً صواريخ محرّمة دولياً، إضافةً إلى استهداف البنى التحتية الحيوية ومناطق مختلفة. كما وسّع الاحتلال نطاق التهديدات التي يطلقها لإجبار الناس على الإخلاء، بحيث تشمل هذه التهديدات مدناً وقرى، ومناطق كاملةً في الضاحية الجنوبية لبيروت، في محاولة واضحة لنزع الروح الشعبية وإحداث شرخ بين المقاومة وحاضنتها.

في إطار هذا النمط الاستراتيجي، يتعرّض قطاعا التعليم والرعاية الصحية لمخاطر جسيمة، إذ يقصف الاحتلال المدارس والمستشفيات ومحطات المياه، في تكرار لما قام به في غزة خلال حرب الإبادة.

ويستمر الاحتلال في تدمير البنية المجتمعية للمدن بصورة ممنهجة، متسبباً بأضرار جسيمة للسكان وفارضاً التهجير القسري على عشرات الآلاف من الأسر، سعياً للسيطرة على الأرض بالقوة.

في مشهد يلخّص كلفة العدوان والمأساة الإنسانية التي يعيشها اللبنانيون، تنتشر الخيام المؤقتة في الشوارع والميادين العامة، بعد أن دفعتهم غارات الاحتلال المتواصلة إلى النزوح القسري، في ظروف إنسانية قاسية تزداد تعقيداً يوماً بعد آخر.

وتجاوز عدد النازحين في لبنان المليون شخص. لا يقيم سوى نحو 130 ألفاً من هؤلاء في مراكز إيواء، بينما يفترش الباقون الشوارع والحدائق، في ظل نقص حاد في الخدمات الأساسية، بحسب بيانات رسمية.

نزوح جماعي وفقدان المأوى

النازحة تهاني الزين تتحدث للميادين نت عن حجم الكارثة الإنسانية التي تعيشها: "نصبنا خيامنا في الساحات والشوارع، لأنه لم يعد هناك مأوى بعد أن قصفت طائرات الاحتلال مربعنا السكني بالكامل".

وتضيف تهاني: "المشهد يذكرني بقصف المباني السكنية على رؤوس ساكنيها في غزة، حيث كان الخوف والدمار يحيطان بكل زاوية، بزعم أن الهدف منشآت عسكرية. لكن هل يمكن اعتبار المباني السكنية منشآت عسكرية؟ يتعمد الاحتلال تطبيق سياسة الأرض المحروقة في لبنان كما فعل سابقاً في غزة، في محاولة واضحة لإضعاف الجبهة الداخلية، وتشتيت السكان، وحرمانهم من مأواهم، ضمن استراتيجية منهجية تهدف إلى تدمير النسيج الاجتماعي والمدني".

وتؤكد في حديثها أن "ما كنا نراه في غزة أصبح واقعنا اليوم في لبنان، إذ تتكدس العائلات في أماكن ضيقة، ويعاني النازحون من الاكتظاظ الشديد، وسط شحّ في الغذاء والمياه، ونقص في أبسط احتياجات الحياة اليومية". أما الأطفال فيعانون من البرد والجوع، بينما يعيش الكبار حالةً من الخوف المستمر، و"كأن الحرب لا تعرف نهايةً".

استهداف الجسور والقطاعات الحيوية

في إطار سياسة "الأرض المحروقة" أيضاً، بدأ "جيش" الاحتلال مؤخراً استهداف الجسور الرئيسة على نهر الليطاني، شمالي مدينة صور الساحلية، بالتوازي مع إصداره تهديدات لإجبار الناس على الإخلاء. شملت هذه التهديدات العديد من البلدات والقرى، على نحو وسّع رقعة التهجير القسري وفاقم معاناة السكان.

يواصل الاحتلال استهداف المستشفيات والمسعفين أيضاً، ما أسفر عن تسجيل العشرات من الشهداء والجرحى منهم. واضطرت خمس مستشفيات إلى إغلاق أبوابها، نتيجة الاعتداءات أو التهديدات، بينما بلغ عدد الاعتداءات على الجمعيات الإسعافية 67 اعتداءً، وعلى المراكز الطبية والإسعافية 16 اعتداءً، إضافةً إلى 38 اعتداءً على مركبات الإسعاف (حتى تاريخ كتابة هذه السطور).

هذا النمط المتكرر يعيد إلى الأذهان ما حدث في قطاع غزة، ويؤكد اعتماد الاحتلال استراتيجية استنساخ التجربة نفسها في لبنان.

تدمير المستشفيات وعرقلة جهود الإنقاذ

المسعف في الهيئة الصحية الإسلامية علي الشيامي يؤكد للميادين نت أن قصف الاحتلال للمركز الصحي في جنوب لبنان "كان أشبه بالزلزال، إذ اخترق صاروخ مبنى المركز المؤلف من عدة طوابق، ما أدى إلى ارتقاء 12 زميلاً، وإخراج المركز عن الخدمة بالكامل".

ويضيف الشيامي: "كانت الجثامين متناثرة في كل مكان، والأشلاء في كل زاوية. هرعت لإسعاف الجرحى، فاكتشفت أن أحداً لم يبقَ على قيد الحياة في مكان القصف".

ويشير إلى أن الاحتلال يستهدف القطاع الصحي في لبنان بصورة ممنهجة، في إطار محاولته إعادة تجربة غزة، حيث اعتمدت قوات الاحتلال أسلوب تدمير المستشفيات والجمعيات الإسعافية وعرقلة جهود الإنقاذ، ضمن استراتيجيته الهادفة إلى شلّ الحياة وفرض الخوف بين السكان.

من جانبه، يفيد المسعف عباس حجازي، الذي كان موجوداً في مبنى مقابل للمركز عند وقوع الانفجار من جراء القصف الإسرائيلي، أن قوة الانفجار حطّمت الأبواب واحتجزته داخل المبنى مدةً قصيرة.

ويقول حجازي في شهادته: "بينما بدت على وجهي علامات صدمة شديدة على وقع دوي غارات الاحتلال، كانت وجوه زملائنا المسعفين مشوّهة إلى درجة لا يمكن معها التمييز بينهم. كان الأمر مؤلمًا للغاية... هؤلاء زملاؤنا وأصدقاؤنا الذين نعمل معهم يومياً".

من جهتها، أعادت المديرة الإقليمية لمنظمة الصحة العالمية في شرق المتوسط، حنان بلخي، نشر بيان المدير العام للمنظمة، تيدروس أدهانوم غيبريسوس، في منشور على عبر حسابها في منصة "إكس"، محذّرةً من أن "المنظومات الصحية لا تستطيع العمل تحت القصف".

وأوضحت بلخي أن "تصاعد العنف والهجمات على منظومة الرعاية الصحية في لبنان، إلى جانب ارتفاع عدد الضحايا، يضع ضغطاً هائلاً على المستشفيات والعاملين الصحيين، الذين ينفّذون مهامهم في ظروف بالغة الصعوبة"، مشددةً على أن "حماية منظومة الرعاية الصحية واجب قانوني وأخلاقي".

مواجهة باهظة الثمن لأي مقاومة

في وقت سابق، أعلن وزير الأمن الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، أن "جيش" الاحتلال سيتعامل مع المناطق الحدودية جنوب لبنان كما فعل في قطاع غزة، مؤكداً في تصريحاته بدء عملية برية جديدة ضد المقاومة الإسلامية في لبنان.

وفي هذا السياق، يؤكد المحلل السياسي سليمان بشارات أن منهجية القتل والتدمير متجذرة في العقيدة الأمنية للاحتلال منذ النكبة عام 1948، وهي تشمل استهداف المدنيين والبنى التحتية، إلى جانب الطواقم الطبية والمرافق الحيوية، موضحاً أن ما يميّز المرحلة الحالية هو "الطغيان" في استخدام هذا الأسلوب.

ويشير بشارات في حديثه للميادين نت إلى أن الاحتلال الإسرائيلي "تجاوز كل المعايير الدولية والحقوقية، ويتعامل مع جرائمه بوصفها حقاً مكتسباً، مستنداً إلى تجربة حرب الإبادة في غزة، حيث نجح في كسر المعايير الدولية وجعل العالم يتقبّلها، ما يفسّر غياب ردود فعل دولية قوية تجاه ما يحدث في لبنان".

ويؤكد بشارات أن الهدف الاستراتيجي هو "نقل النموذج"، أي تحويل المدن اللبنانية إلى نسخ من مناطق مثل خان يونس في غزة، من أجل "فرض ردع شامل عبر التدمير وإعادة تشكيل المعالم الجغرافية والديموغرافية، وخلق رسالة واضحة مفادها أنّ مواجهة الاحتلال ستكلّف ثمناً باهظاً وتدميراً شاملاً لأي ساحة مقاومة".

الإخلاء ليس لحماية المدنيين

بدورها، أكدت منظمة "هيومن رايتس ووتش" أنّ التهديدات التي يطلقها "جيش" الاحتلال، بهدف دفع مئات آلاف السكان في منطقة جنوب الليطاني إلى الإخلاء الفوري، "تثير مخاوف كبيرةً من انتهاك قوانين الحرب".

وقالت المنظمة، في بيان، إن "دعوة جميع سكان جنوب نهر الليطاني إلى الإخلاء الفوري تثير مخاوف جسيمة بشأن انتهاك قوانين الحرب، إذ لا يبدو أن الغرض منها حماية المدنيين، خصوصاً في ظل النزوح الجماعي الأخير في لبنان".

ما يجري في لبنان اليوم يعكس استنساخاً ممنهجاً لتجربة غزة، حيث يعتمد الاحتلال سياسة الأرض المحروقة لتدمير النسيج المجتمعي، زعزعة استقرار السكان وفرض التهجير القسري. 

هذه السياسة لا تقتصر على القصف العشوائي، بل تشمل استهداف البنية التحتية الحيوية، المدارس، المستشفيات، محطات المياه والجسور الرئيسة، إلى جانب فرض الإخلاء الجماعي عبر تهديد مئات الآلاف من السكان.

اخترنا لك