من السلاح التقليدي إلى الذكاء الاصطناعي.. إعادة إنتاج النكبة في غزة

في الذكرى الـ78 للنكبة، تتجدد مشاهد التهجير والنزوح في غزة بأدوات عسكرية وتكنولوجية أكثر تعقيداً، فيما يتمسك الفلسطينيون بحق العودة والوجود برغم اتساع الدمار.

0:00
  • من السلاح التقليدي إلى الذكاء الاصطناعي.. إعادة إنتاج النكبة في غزة
    من السلاح التقليدي إلى الذكاء الاصطناعي.. إعادة إنتاج النكبة في غزة

ثمانية وسبعون عاماً على النكبة الفلسطينية، لم تكن كافية لتطوي صفحة التهجير، بل بدت كأنها تعيد إنتاج نفسها بأدوات أكثر حداثة وفتكاً، فمن خيام اللجوء الأولى التي نُصبت على عجل في أعقاب مجازر 1948، حين فُرض النزوح القسري تحت وطأة السلاح التقليدي والاقتحامات الميدانية، إلى مشاهد النزوح الجماعي المتكرر اليوم، تتجدد المأساة ذاتها لكن بملامح أكثر تعقيداً وقسوة. 

تجدد أشكال التهجير والقتل

لم تعد أدوات القتل والتهجير مقتصرة على الميدان المباشر، بل باتت تتداخل فيها التكنولوجيا مع القوة العسكرية عبر أنظمة المراقبة الرقمية والذكاء الاصطناعي والتحليل الآلي.

وباتت الحرب تُدار كمنظومة محسوبة عن بُعد، توسّع نطاق الدمار وتعيد تشكيل السيطرة على الجغرافيا والسكان، بما يكرّس التهجير ويعمّق استهداف الوجود والهوية الفلسطينية.

في ذكرى النكبة التي توافق 15 أيار/مايو من كل عام، أحيا الفلسطينيون المناسبة هذا العام تحت وقع حرب مدمّرة في قطاع غزة، أعادت مشاهد النزوح القسري إلى الواجهة، مع إجبار مئات الآلاف على مغادرة منازلهم تحت القصف والخوف.

إعادة إنتاج النكبة بأدوات حديثة

وبين نكبة الماضي ومأساة الحاضر، يرى فلسطينيون أن ما يجري امتدادٌ مفتوح للنكبة الأولى، تتبدل فيه الأدوات من السلاح التقليدي إلى التكنولوجيا والمراقبة والحصار، فيما يبقى الثابت الوحيد أنّ شعباً يُهجَّر من أرضه، ويتمسّك في المقابل بحقه في العودة والحرية والكرامة.

المسنّ عمر حسان، الذي حمل ذاكرة نكبة عام 1948 منذ أن أُجبر على مغادرة بلدته يبنا، يعيش اليوم في قطاع غزة مشهداً يعيد إليه تلك اللحظة الأولى بكل ما فيها من اقتلاعٍ وخسارة، حيث لم يكن يتخيل، وهو الذي عبر عقود العمر مثقلاً بالحنين، أنّه سيعود ليقف أمام مشهد يشبه ما عاشه طفلاً، لكن بوجعٍ أكثر قسوة واتساعاً، كأن الزمن لم يمضِ بل ظل يدور في دائرة الفقد ذاتها.

يقول حسان في حديثه إلى الميادين نت إنّ ما يحدث اليوم يفتح في داخله جرحاً قديماً لم يلتئم، مستعيداً مشاهد عام 1948 حين هاجمت العصابات الصهيونية القرى الفلسطينية وأجبرت السكان على النزوح تحت القصف والتهديد، من دون أن يملك الأهالي خياراً سوى الفرار بأرواحهم بحثاً عن النجاة.

ويصف حسان شعور النكبة وكأنه يعيش الذاكرة ذاتها مرتين؛ مرة حين خرج من يبنا طفلاً تحت وطأة التشريد والقتل، ومرة اليوم وهو يرى مئات الآلاف يُدفعون إلى الرحيل تحت النار والملاحقة، بلا يقين سوى الخوف.

ويستعيد المسنّ مقارنةً بين نكبة 1948 والواقع الراهن، مؤكداً أنّ الألم واحد في جوهره لكن أدواته تغيّرت؛ فبينما كانت النكبة الأولى تهجيراً ومجازر ميدانية، يأتي الدمار اليوم أسرع وأكثر اتساعاً، يمحو أحياءً كاملة في لحظات ويحوّل المدن إلى رماد، في مشهد تتداخل فيه التكنولوجيا المتقدمة وتقنيات الذكاء الاصطناعي والأنظمة الرقمية في توجيه الاستهداف وتسريع وتيرة الدمار.

ويشدّد حسان على تمسّك الفلسطينيين بحق العودة باعتباره حقاً ثابتاً لا يسقط بالتقادم، وبأنه يظلّ حاضراً في الذاكرة والوجدان برغم كل محاولات الطمس والاقتلاع.

الخيمة رمز لاستمرار النكبة واللجوء

تبقى الخيمة اليوم رمزاً حياً لاستمرار النكبة وغياب الاستقرار، وامتداداً لمأساة اللجوء المتجددة جيلاً بعد جيل. ومن هدم المنازل بالجرافات إلى الاستهداف بالتقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي، يتغيّر شكل التدمير فيما تتعمّق مأساة الاقتلاع وتتحوّل المدن إلى فراغٍ من الحياة.

في خيمةٍ صغيرة بمواصي خان يونس، تجلس المسنّة زينة برهوم (91 عاماً) كأنها تحمل زمنين في جسدٍ واحد؛ ذاكرة طفلة خرجت عام 1948 من بئر السبع مع عائلتها، تهرب على ظهور الجمال نحو رفح خلال النكبة الأولى، ولا تعرف أنّ المنفى سيغدو قدراً ممتداً.

اليوم، بعد أكثر من سبعة عقود، تتكرر الصورة ذاتها بأسماء مختلفة؛ نزوح جديد من رفح إلى المواصي، وخيمة أخرى تُقام فوق ركام حياةٍ لم تكتمل. تقول برهوم إنّ "الفلسطينيين يعيشون في ظل نكبات متواصلة تتوارثها الأجيال، يتكرر فيها الألم ذاته برغم اختلاف الأدوات، فيما يبقى التهجير القاسم المشترك بين الماضي والحاضر".

وتضيف برهوم في حديثها إلى الميادين نت أنّ الخيمة لم تعد مجرد مأوى مؤقت، بل امتداداً مفتوحاً لمأساة تتوارثها الأجيال جيلاً بعد جيل، في ظلّ توسّعٍ استيطاني وسيطرةٍ متصاعدة على مساحات واسعة من الأرض، إلى جانب ما يرافق ذلك من أدوات مراقبة وتتبع وتكنولوجيا حديثة تُستخدم في إدارة الحرب، ما يعمّق المأساة ويضاعف فقدان الأمان.

وتؤكد برهوم أنّ تجربتها بين نكبتين ليست مجرد ذاكرة شخصية، بل شهادة إنسانية لامرأة عاشت النزوح مرتين؛ الأولى طفلة في 1948، واليوم مسنة تُجبر مجدداً على مغادرة بيتها تحت القصف، لتجد نفسها في دائرة مفتوحة من التشريد تتكرر فيها النكبة بأشكال مختلفة وبالوجع ذاته.

منفى دائم ومفتاح العودة رمز للأمل

بدوره، يؤكد اللاجئ حامد المدهون (68 عاماً)، من عائلة هُجّرت من المجدل، أن النكبة ليست حدثاً تاريخياً، بل واقعٌ يوميّ متجدد يُعاد استحضاره في تفاصيل الحياة ودوائر التهجير المتكررة، ويستعيد روايات والده عن مغادرة عام 1948 على أمل العودة السريعة، قبل أن يتحول اللجوء إلى مسارٍ ممتد حمل فيه اللاجئون مفاتيح بيوتهم كرمز دائم لحقّ العودة الذي ظلّ حاضراً برغم طول المنفى.

ويبين المدهون للميادين نت أنّ ما يجري في غزة اليوم يعيد إنتاج مشاهد النكبة الأولى، من نزوحٍ متكرر وتدميرٍ للمنازل، وتوسعٍ استيطاني عبر ما يُعرف بالخطوط الصفراء والبرتقالية التي يرسمها الاحتلال، وصولاً إلى حياةٍ داخل الخيام ومراكز الإيواء، حيث ينشأ جيل جديد في قلب دوّامة التهجير وفقدان الأمان، في مشهد يرسّخ استمرار النكبة بأشكالها المتجددة.

ويؤكد أنّ مشاهد الطوابير على المساعدات تعكس استمرار معاناة ممتدة منذ عقود، لافتاً إلى أنّ الواقع الحالي يجمع بين العنف العسكري والتقنيات الحديثة في الرصد والاستهداف، ما يجعل التهجير أكثر تعقيداً واتساعاً من أيّ وقت مضى.

الذكاء الاصطناعي وتقليص التدخل البشري

تتزايد التحذيرات من انتقال منظومة الاحتلال الاستخباراتية إلى الاعتماد المتسارع على الذكاء الاصطناعي وأنظمة المراقبة الرقمية في إدارة الاستهداف والميدان، في امتدادٍ لمسار بدأ منذ نكبة 1948 حين اعتمد الاحتلال أدوات عسكرية مباشرة للتهجير والسيطرة على الأرض.

ويؤكد الخبير الأمني هاني الدالي أنّ جيش الاحتلال يشهد تطوراً نوعياً في منظومته الاستخباراتية داخل قطاع غزة خصوصاً، مع صعود جيل جديد من تقنيات المراقبة والتجسس المعتمدة على الأتمتة والذكاء الاصطناعي.

ويوضح الدالي أنّ هذه المنظومة تمزج بين العنصر البشري والتقنيات الرقمية، عبر حساسات ذكية وأنظمة حرارية وبنى مدمجة داخل البيئة العمرانية، إلى جانب تحليل البيانات الضخمة لاستخلاص الأنماط الميدانية وتوليد الأهداف بشكل شبه آلي.

ويشير إلى أنّ الهدف لم يعد يقتصر على استهداف الأفراد، بل يمتد إلى السيطرة على "الميدان" ككل، عبر تسريع القرار العسكري وإدارة العمليات بالاعتماد على البيانات.

ويشدد الخبير الأمني على أنّ النزوح القسري والخيام لم يعودا مجرد نتائج للحرب، بل امتداد لمسار طويل من التهجير بدأ منذ 1948 ويتجدد اليوم بأدوات أكثر تعقيداً.

ويحذر الدالي من أنّ أنظمة مثل "لافندر" و"غوسبل" تقلّص التدخل البشري وتزيد هامش الخطأ، ما يرفع احتمالات الاستهداف غير الدقيق واتساع الخسائر المدنية، في تحول يعكس انتقال أدوات السيطرة من القمع المباشر إلى منظومات رقمية شديدة التعقيد.

ووفق جهاز الإحصاء، يبلغ عدد الفلسطينيين عام 2026 نحو 15.5 مليون نسمة، منهم 7.4 ملايين داخل فلسطين و8.1 ملايين في الشتات، بينهم 6.8 ملايين في الدول العربية، بينما يعيش داخل فلسطين 3.43 ملايين في الضفة الغربية و2.13 مليون في قطاع غزة.

اخترنا لك