من التحريض إلى المواجهة: لماذا عززت الضغوط الخارجية تماسك الداخل الإيراني؟

تُظهر التجربة الإيرانية أن الضغوط والعقوبات والتحريض الخارجي غالباً ما تؤدي إلى نتيجة معاكسة، إذ تعزز الشعور بالسيادة والهوية الوطنية وتدفع قطاعات واسعة من المجتمع إلى الالتفاف حول الدولة في مواجهة التهديد الخارجي.

  • رأى كثير من الإيرانيين أن البلاد تخوض حرباً وجودية تمسّ سيادتها، فيما اعتبروا أن الرضوخ للضغوط الخارجية يُعد خيانة للوطن
    رأى كثير من الإيرانيين أن البلاد تخوض حرباً وجودية تمسّ سيادتها، فيما اعتبروا أن الرضوخ للضغوط الخارجية يُعد خيانة للوطن

في مشهدٍ خيّمَت عليه مشاعر الحزن والأسى، تدفّقت جموع الإيرانيين مع بزوغ فجر الأول من آذار/مارس الجاري إلى الشوارع والميادين عقب خبر استشهاد قائد الثورة والجمهورية الإسلامية في إيران علي خامنئي، الذي هزّ وجدان البلاد. وفي مختلف المدن احتشدت تجمعات مهيبة امتزجت فيها الصدمة الشعبية بالغضب، حيث رفع المشاركون أعلام البلاد وصور المرشد الراحل، مردّدين هتافات منددة بالولايات المتحدة والاحتلال الإسرائيلي، ومؤكّدين رفضهم أي مساومة أو استسلام.

وقد عكس هذا المشهد قدرة الشارع الإيراني على إعادة ترتيب أولوياته في أوقات الأزمات؛ فبعد أشهر من احتجاجات شعبية اندلعت على خلفية ارتفاع الأسعار وتفاقم التضخم، تبدّل المشهد سريعاً عقب الضربات الأولى التي استهدفت البلاد في أواخر شباط/فبراير الماضي، إذ تحوّلت الاحتجاجات الداخلية إلى موجة تضامن وطني، خرجت خلالها الحشود للتنديد بالاعتداء الخارجي والتأكيد على التفافها حول قيادة البلاد.

بين الاحتجاج والاصطفاف في مواجهة الخارج

خلال الشهور الماضية، تصاعدت وتيرة الخطاب الأميركي والأوروبي الداعم للاحتجاجات في إيران، مصحوبة بدعوات صريحة لمساندة الحراك الداخلي، وأحياناً بتلميحات لزيادة الضغوط السياسية والاقتصادية أو اللجوء إلى خيارات عسكرية.

وانعكست هذه المواقف في بيانات مشتركة لقادة فرنسا وألمانيا وبريطانيا، الذين نددوا بما وصفوه بـ"قمع المتظاهرين". كما أعلن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو دعم بلاده لـ"شعب إيران الشجاع". وفي منشور على منصة "تروث سوشال" في كانون الثاني/يناير الماضي، كتب الرئيس الأميركي: "أيها الوطنيون الإيرانيون، استمروا في الاحتجاج.. استولوا على مؤسساتكم.. المساعدة في الطريق".

وبرز الاحتلال الإسرائيلي كأحد أشدّ الداعمين لهذه الدعوات؛ إذ أشار تقرير لصحيفة "ذا جيروزاليم بوست" في كانون الأول/ديسمبر الماضي إلى أن جهاز "الموساد" نشر رسائل عبر حسابه على منصة "تويتر" باللغة الفارسية حثّ فيها الإيرانيين على الاحتجاج ضد النظام، قائلاً: "اخرجوا معاً إلى الشوارع. لقد حان الوقت"، مضيفاً: "نحن معكم، ليس فقط عن بُعد وبالكلام، بل معكم في الميدان".

وبرغم الضغوط الاقتصادية التي دفعت قطاعات من الإيرانيين إلى الاحتجاج خلال الأشهر الماضية، اختار كثيرون الاصطفاف في مواجهة ما اعتبروه تهديداً خارجياً. فمع اندلاع المواجهة العسكرية الراهنة، تراجعت المطالب الداخلية لصالح خطاب التضامن الوطني، إذ رأى كثيرون أن البلاد تخوض حرباً وجودية تمسّ سيادتها، فيما اعتبروا أن الرضوخ للضغوط الخارجية يُعد خيانة للوطن. 

تاريخ طويل من التحريض الخارجي

ما يشهده الشارع الإيراني اليوم لا يعد حدثاً فريداً، فلطالما اعتبرت دول أوروبية، إلى جانب الولايات المتحدة والاحتلال الإسرائيلي، الاحتجاجات الشعبية الإيرانية فرصة لإضعاف النظام.

وخلال موجات الاحتجاجات في إيران، حاولت تلك الدول اتخاذ خطوات من شأنها زعزعة الداخل الإيراني والضغط على النظام، وعمل الإعلام الدولي والخطاب السياسي الغربي على تصوير إيران على أنها دولة مضطهِدة وغير مستقرة لتعزيز مبررات الضغط السياسي والاقتصادي.

ويعدّ أحد أبرز الأمثلة على ذلك احتجاجات عام 2009، المعروفة باسم "الحركة الخضراء"، التي اندلعت بعد انتخابات رئاسية مثيرة للجدل. فقد واجهت الحكومة الإيرانية ردود فعل خارجية تحريضية، بينما سلّطت وسائل الإعلام الغربية الضوء على الاحتجاجات، معتبرة ذلك الحراك خطوة نحو إسقاط النظام.

 وأفاد تقرير نشره مركز بيو للأبحاث بتاريخ 22 حزيران/يونيو من ذلك العام، أن الاحتجاجات "استحوذت على 28% من التغطية الإخبارية في الولايات المتحدة خلال الفترة من 15 إلى 21 يونيو/حزيران"، وتضمنت التغطية تحليلات تصف الاحتجاجات بكونها فرصة لتغيير النظام، واعتبرتها مشابهة لما حدث إبان الثورة الإسلامية عام 1979.

وأثار هذا الموقف استياء الشارع الإيراني، ولم يقتصر على الداخل فحسب، بل امتد أيضاً إلى الإيرانيين المقيمين في الخارج، حيث طالب مجموعة من أساتذة الجامعات والناشطين الإيرانيين في أوروبا وأميركا الشمالية، في بيان نشرته صحيفة غارديان البريطانية في 13 حزيران/يونيو 2009، الحكومات الغربية بالكفّ عن التدخل في الشؤون الإيرانية ووقف أي دعم للمعارضة المناهضة للدولة.

وأشار البيان إلى أن وسائل الإعلام الغربية، من خلال تغطيتها "المتحيزة"، صورت التظاهرات التي اندلعت احتجاجاً على نتائج الانتخابات على أنها بداية "ثورة مخملية" ضد الجمهورية الإسلامية. 

كما كشف البيان عن الاستغلال الخارجي للأحداث، حيث صادرت الحكومة البريطانية ما يقارب مليار جنيه إسترليني من الأصول الإيرانية، بينما طالب المحافظون الجدد في الولايات المتحدة بإعادة النظر في المفاوضات غير المشروطة مع إيران، واستغلت وزارة الخارجية الأميركية هذه الأزمة لتبرير الاستمرار بتمويل منظمات مناهضة للحكومة الإيرانية بحجة "نشر الديمقراطية وحقوق الإنسان وتطبيق القانون".

ومع أن البيان وجّه كذلك انتقادات للسياسات الإيرانية، إلا أنه في الوقت نفسه رفض التدخلات الخارجية، وهو نموذج يعكس الواقع الشعبي الإيراني، الرافض لفكرة استقواء الاحتجاجات بالخارج أو ربطها بدعم قوى معادية، حتى بين من يوجّهون نقداً حاداً للسياسات الاقتصادية والاجتماعية.

استراتيجيات خارجية لزعزعة الاستقرار الداخلي

على مدار عقود، كانت إيران هدفاً متكرراً للضغوط الدولية، سواء الاقتصادية أو السياسية، من قبل الولايات المتحدة وأوروبا، ودعم من الاحتلال الإسرائيلي، معتبرين هذه العقوبات والسياسات أداة  لإضعاف النظام أو التعجيل بسقوطه.

و​​كانت العقوبات الاقتصادية، بمختلف أشكالها، الركيزة الأساسية في استراتيجية الضغط على إيران، وقد استهدفت قطاعات حيوية مثل النفط والغاز والبنوك، بهدف ضرب الاقتصاد الوطني وتقويض قدرة الحكومة على تلبية احتياجات المواطنين الأساسية. ويستند صانعو هذه السياسات إلى افتراض أن الضغوط ستثير سخطاً شعبياً قد ينجم عنه حراك داخلي يهدف إلى الإطاحة بالنظام.

وأفاد تقرير صادر عن مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) في 8 تشرين الثاني/نوفمبر 2019، أن الاحتجاجات التي بدأت أواخر عام 2017 ارتبطت بتدهور الأوضاع الاقتصادية الناجم عن العقوبات الأميركية.

وبحسب التقرير، علّق رودولف جولياني، مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترامب على موجة الاحتجاجات تلك قائلاً إن الشعب الإيراني "قد طفح به الكيل"، وأن العقوبات "تؤتي ثمارها". وأضاف: "هذه هي الظروف التي تؤدي إلى ثورات ناجحة"

ونقل المصدر نفسه عن صحيفة هآرتس الإسرائيلية أن صُناع السياسة الأميركيين اعتقدوا خلال تلك الاحتجاجات أنها "فرصة نادرة لإسقاط النظام الإيراني".

لكن الواقع أثبت خطأ تلك التكهنات؛ فبالرغم من المعاناة الاقتصادية الكبيرة، كثيراً ما عززت هذه العقوبات شعور الإيرانيين بالهوية الوطنية والتضامن في مواجهة ما اعتبروه اعتداء على الوطن والشعب. 

وفي السياق نفسه، أظهرت التجارب التاريخية أن الاغتيالات والمواجهات العسكرية كانت أكثر فاعلية من الضغوط الاقتصادية في تعزيز التضامن الوطني والالتفاف حول القيادة، نظراً لما تثيره من شعور مباشر بالمساس بالسيادة الوطنية. 

وقد أبرزت الحرب الراهنة هذه الحقيقة بوضوح، خاصة مع اغتيال المرشد الأعلى للجمهورية. وفي عام 2020، أثار اغتيال قاسم سليماني احتجاجات جماهيرية ضخمة، رُفعت خلالها شعارات تؤكد على الدفاع عن السيادة الوطنية.

كما ساهمت حرب الأيام الاثني عشر مع "إسرائيل" والولايات المتحدة في حزيران/يونيو 2025 في تعزيز الخطاب القومي وتأكيد حماية السيادة، بدل أن تتحول الاحتجاجات التي سبقتها إلى موجة لإسقاط النظام.

التمييز الشعبي بين النقد الداخلي والتحريض الخارجي

أظهرت التجارب التاريخية قدرة المجتمع الإيراني على التفريق بين النقد المشروع للسياسات الداخلية، وبين الانصياع لتحريض أو دعم قوى خارجية، وتعد هذه السمة جزءاً أصيلاً من الثقافة السياسية للمجتمع الإيراني، الذي مرّ بتجارب عديدة من التدخلات وعايش نتائجها.

 وقد تحوّلت تلك التجارب إلى مراجع في وعي معظم الإيرانيين حول ما يعنيه "التحريض الخارجي" في سياق مصالحهم اليومية والمستقبلية، حتى لو أُطلق تحت ذريعة حقوق الإنسان، إذ قد يقوّض الجهود الداخلية للتغيير، أو يُستغل لأغراض لا تخدم المجتمع الإيراني. 

وأظهرت التحليلات الاجتماعية واستطلاعات الرأي أن الضغوط الخارجية على إيران غالباً ما تحقق ما يُعرف بـ "الالتفاف حول العلم" أي أنها تعزز الهوية الوطنية وتزيد الولاء الداخلي للقيادة السياسية.

 ففي دراسة نشرتها مجلة تحليل السياسة الخارجية (Foreign Policy Analysis)، في كانون الثاني/يناير 2025، بعنوان "من يلتفون حول العلم؟ أثر العقوبات الأميركية على موقف الإيرانيين تجاه الحكومة" تم تحليل ما يقارب مليوني تغريدة لأكثر من ألف مؤثر إيراني، بهدف تقييم ردود أفعالهم تجاه العقوبات الشاملة خلال فترة رئاسة دونالد ترامب. وأظهرت النتائج أن العقوبات حسّنت عموماً المشاعر تجاه الحكومة الإيرانية، حتى بين معارضيها المعتدلين، ما جعلهم أكثر انسجاماً مع موقف الدولة.

وكشف استطلاع أجراه مركز الدراسات الدولية والأمنية، التابع لجامعة ميريلاند (Center for International and Security Studies) في تشرين الأول/أكتوبر 2025، حول الرأي العام الإيراني بعد حرب الأيام الاثني عشر، أن الغالبية العظمى من الإيرانيين أبدوا رضاً عاماً عن أداء الحكومة والجيش وجهاز الاستخبارات خلال المواجهة. 

وبرغم أن 70% من المشاركين في الاستطلاع عبروا عن نظرة سلبية تجاه الاقتصاد، ورأى ثلاثة من كل خمسة أن تأثير سوء الإدارة والفساد الداخلي أسوأ من العقوبات، فقد أبدى ما يقارب الثلثين تأييدهم للرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، وأعرب نحو نصف المستطلعين عن ثقتهم بسلطات البلاد.

وتؤكد التجربة الإيرانية أن التماسك الوطني لا يعني غياب النقد الداخلي، بل القدرة على التمييز بين النقد الذاتي والمواقف التي يُنظر إليها على أنها مدعومة من الخارج. 

وقد أثبت تلك التجربة أن الاستراتيجيات الخارجية التي تهدف إلى "تفكيك الداخل" تواجه حاجزاً ثقافياً ونفسياً داخل المجتمع الإيراني، ما يثير تساؤلات حول مدى فعالية هذه السياسات في التأثير على مجتمعات تتمتع بشعور قوي بالهوية والسيادة الوطنية

الجمهورية الإسلامية في إيران تعلن في الأول من آذار/مارس 2026 استشهاد القائد الأمة السيد علي خامنئي في مقر عمله في "بيت القيادة"، إثر العدوان الأميركي الإسرائيلي على البلاد.

اخترنا لك