ملايين المستخدمين وسباق المشاهدات.. كيف يواجه العراق المحتوى الهابط؟

مع الارتفاع الكبير في استخدام مواقع التواصل الاجتماعي، يخوض العراق مواجهة مع انتشار "المحتوى الهابط"، وسط جدل بين ضرورة حماية المجتمع والأجيال الناشئة ومخاوف من تقييد الحريات العامة.

  • ملايين المستخدمين وسباق المشاهدات.. كيف يواجه العراق المحتوى الهابط؟
    ملايين المستخدمين وسباق المشاهدات.. كيف يواجه العراق المحتوى الهابط؟

لم يكن وجود العراق ضمن قائمة أعلى دول العالم في معدلات استخدام مواقع التواصل الاجتماعي أمراً إيجابياً بالمطلق، فمع الانتشار الهائل لمستخدمي تلك المواقع، بات المجتمع العراقي أكثر عرضة لـ"المحتوى الهابط"، الذي يهدد بتآكل القيم الأخلاقية، وتشويه الذوق العام.

فخلال السنوات القليلة الماضية، تنامت ظاهرة "المحتوى الهابط" بشكل ملحوظ على مواقع التواصل الاجتماعي داخل العراق، برغم تضمنه لسلوكيات تتعارض مع القيم الدينية والأخلاقية والاجتماعية المتعارف عليها، مما يثير قلقاً متزايداً لدى الشعب والحكومة على حد سواء.

ونظراً للتأثير السلبي على المجتمع، وتحديداً على الأطفال والمراهقين، برزت الحاجة الملحّة إلى التصدي لهذه الظاهرة، لما تمثله من خطر كبير على بنية المجتمع.
وانطلاقاً من هذا الواقع، أطلقت الحكومات العراقية المتعاقبة حملات مكثفة لملاحقة صنّاع "المحتوى الهابط"، بهدف الحد من انتشار الأفكار التي تتعارض مع قيم المجتمع العراقي.

المحتوى الهابط وسيلة للربح السريع

لم تعد مواقع التواصل الاجتماعي حكراً على فئة الشباب، بل انتشرت بين مختلف فئات المجتمع العراقي، إذ وصل عدد المستخدمين إلى نحو 25 مليون مشترك عام 2021، وارتفع العدد إلى 28.5 مليون مشترك عام 2022، في حين وصل عام 2024 إلى 31.95 مليون مستخدم، وهو ما يعادل 69.4% من إجمالي عدد السكان.

وترجح مصادر إعلامية أن العدد وصل خلال العام الحالي إلى نحو 38 مليون مستخدم، ليكون العراق واحداً من أعلى بلدان العالم في معدلات استخدام مواقع التوصل.

ويتصدر تطبيق "تيك توك" قائمة التطبيقات الأكثر استخداماً في العراق، نظراً لقدرته على تأمين مصدر دخل مالي ثابت، عن طريق البث المباشر والإعلانات، بينما يأتي تطبيق "فيسبوك" في المرتبة الثانية، وفقاً لإحصائيات مركز الإعلام الرقمي العراقي.

وتؤكد هذه الأرقام أن العراق بات يعتمد على وسائل التواصل الاجتماعي، في مختلف جوانب الحياة، وخصوصاً ما يتعلق بالأعمال التجارية، والأنشطة الترفيهية، وفتح النقاشات العلنيّة، وتوجيه الرأي العام.

كما أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي في العراق مصدراً رئيسياً للدخل والكسب المادي لفئات واسعة من الشباب، وذلك عبر التجارة الإلكترونية، وصناعة المحتوى الرقمي، والتسويق بالعمولة دون الحاجة لرأس مال كبير.

وحول هذا الموضوع يؤكد الناشط جابر معموري للميادين نت أن الكثير من الشباب لجأوا للعمل على مواقع التواصل الاجتماعي لما تتضمنه من قدرة على تأمين مصدر دخل مالي ثابت، لكن البعض تطرف في المحتوى الذي يقدمه في سبيل الحصول على مشاهدات أعلى، وأموال أكثر.

ويتابع معموري: "لم يكترث البعض بفكرة أن المحتوى الذي يتضمن على مشاهد عنف أو سلوكيات غير لائقة، يمكن أن يؤدي إلى تطبيع هذه السلوكيات لدى أفراد المجتمع"، ويضيف: "هؤلاء باتوا يبحثون عن الأموال بأيّ طريقة كانت، بعيداً عن التأثير السلبي لمحتواهم على المجتمع".

وقال الناشط العراقي: "أغلبية مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي في العراق هم من الأطفال والمراهقين والشباب، وعندما يتعرضون بشكل متكرر لهذا النوع من المحتوى، قد يشعرون بأن هذه السلوكيات مقبولة اجتماعياً أو عادية، وقد يؤدي ذلك إلى تقلّص قيم احترام الآخرين وزيادة ظواهر مثل التنمر، العنف، أو حتى التجاوزات الأخلاقية".

جدل حول "المحتوى الهابط"

من البديهي أنَّ أيَّ مفهوم اجتماعي يواجه مشكلة النسبية في تحديد معناه، والاتفاق على تعريفه، وفي هذا الصدد يُشكّل "المحتوى الهابط" موضع اختلاف كبير داخل المجتمع العراقي عموماً، وبين صنّاع المحتوى والمؤثرين خصوصاً.

ونظراً للتنوع الكبير في بنية المجتمع العراقي، فإن المنظومة الأخلاقية والثقافية تختلف من مكان إلى آخر، وهذا ما يجعل من تحديد نوعية "المحتوى الهابط" أكثر صعوبة، وهو ما يتطلب حراكاً واسعاً بين الجهات الحكومية والنُخب الاجتماعية لتحديد المعايير الأساسية التي لا تحتمل التأويل بما يتعلق بنوع المحتوى المقدم.

وبحسب مركز "البيان للدراسات والتخطيط" يُفترض ألا تكون هناك جهة واحدة تحدِّد بمفردها ما يمكن أن يكون هابطاً، وينتج عنه محتوى هابطاً، في ظل ثقافة معولمة، وانفتاح لا حدود له على العالم، خاصّة في مجتمع يشهد تناقضات شديدة، مثل المجتمع العراقي، وهذا ما يتعلق أيضاً بآلية التبليغ بحد ذاتها، والتي تنطوي على خطورة كبيرة، حيث من الممكن أن تتعارض مع الحريّات الخاصّة التي كفلها الدستور.

وبرغم الاتفاق الشعبي على ضرورة مكافحة "المحتوى الهابط" الذي يجتاح مواقع التواصل الاجتماعي، إلا أن الخلاف يتمثل في طريقة استخدام هذا الملف وأهدافه، فبينما يرى ناشطون أن الحملات الحكومية ضرورة لحماية القيم والعادات الأسرية من السلوكيات الخادشة وللحد من التلوث البصري واللفظي على المنصات الرقمية، يطرح آخرون مخاوف بشأن معايير تحديد "المحتوى الهابط" وإمكانية أن تتحول إلى سلاح لتقييد الحريات العامة والنقد السياسي.

وحول هذا الاختلاف يؤكد الأستاذ الجامعي علي فاضل للميادين نت أن العري والابتذال والألفاظ النابية لا تحتاج إلى معيار للتأكد من أنها "محتوى هابط"، ويضيف: "هذه الأنواع موجودة بكثرة على مواقع التواصل الاجتماعي، وتؤثر سلباً على الأجيال الناشئة، التي تتعامل بشكل يومي مع مواقع التواصل، ما يفرض على الجهات المعنية وضع قواعد أساسية لا يمكن تجاوزها".

ويشير فاضل إلى أن مكافحة العري والابتذال لا تعني أبداً تقييد الحريات العامة، لأن تأمين المجتمع وتحصين الأفراد لا يتعارض مع الحريات، بل على العكس تماماً، حيث أن حماية المجتمع يجب أن تكون مسؤولية مشتركة بين الشعب والدولة، خاصّة في ظل ارتفاع عدد مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي بين الأطفال والمراهقين.

بالمقابل، يؤكد فاضل أن مواقع التواصل الاجتماعي أصبحت بيئة مفتوحة ومُباحة للجميع، حيث يشاهد المستخدمون صنّاع محتوى من مختلف أنحاء العالم، وبالتالي فإن مكافحة "المحتوى الهابط" داخل العراق هي خطوة على طريق تحصين المجتمع لكنّها لن تكون كفيلة بتحقيق الهدف المنشود منها.

إجراءات حكومية مشددة

بداية العام 2023، بدأت الحكومة العراقية حملة واسعة ضد ناشري "المحتوى الهابط" عبر مواقع التواصل الاجتماعي، كما أطلقت وزارة الداخلية يوم 10 كانون الثاني/ يناير من العام نفسه منصّة "بلّغ" الإلكترونية، المخصصة للإبلاغ عن "المحتوى المسيء"، ومنذ ذلك الحين باشرت الوزارة بالتعامل مع البلاغات المقدمة من المواطنين، وشرعت بإغلاق عدد من الحسابات الشخصية لمدونين ومؤثرين ومستخدمين لمواقع التواصل الاجتماعي يقدمون "المحتوى الهابط".

وبحسب الداخلية العراقية، فإن الحملة حققت إنجازات ملموسة في ضبط المحتوى السلبي على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث تتلقى الوزارة البلاغات من المواطنين وترفعها إلى الجهات القضائية المختصة.

واستكمالاً للحملة، أعلنت الوزارة في شباط/ فبراير 2025 عن استحداث مديرية جديدة لـ"مكافحة الجرائم الإلكترونية المرتكبة عبر مواقع التواصل الاجتماعي". لاحقاً، أعلنت وزارة الداخلية، استبدال مصطلح "المحتوى الهابط" بمصطلح "المحتوى المخل بالحياء والآداب العامة".

كما أصدر مجلس القضاء الأعلى في العراق، توجيهاً إلى المحاكم المختصة لتشديد الإجراءات المتعلّقة بصنّاع "المحتوى الهابط"، بهدف الحفاظ على الذوق العام، في ظل "تزايد حالات نشر المحتوى الهابط عبر مواقع التواصل الاجتماعي".

وبرغم عدم وجود نص تشريعي واضح للتعامل مع المحتوى الهابط، فإن مصادر حكومية تؤكد أن السلطات المختصة تعتمد على المادة 403 من قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969، التي تنص على معاقبة كل من صنع أو نشر محتوى مخل بالحياء أو الآداب العامة، إضافة إلى قانون الجرائم الإلكترونية رقم 5 لسنة 2022، خاصة المادة 22 التي تجرّم نشر معلومات كاذبة أو التشهير عبر الإنترنت.

اخترنا لك