ضحايا الأربعاء الأسود في لبنان: حكايات خلف الأرقام الباردة

8 نيسان 2026، يوم دام في لبنان حوّل قصص المدنيين من النزوح والعمل الإنساني إلى شهادات موحّدة عن مجازر متزامنة خلّفت مئات الضحايا خلال دقائق.

0:00
  • ضحايا الأربعاء الأسود في لبنان: حكايات خلف الأرقام الباردة
    ضحايا الأربعاء الأسود في لبنان: حكايات خلف الأرقام الباردة

في يوم وُصف بـ"الأربعاء الأسود"، تحوّل لبنان إلى مسرحٍ مفتوح للمجازر، حيث امتزجت حكايات الضحايا من الجنوب إلى بيروت والبقاع في مشهد واحد من الدم والدمار. خلال دقائق من الغارات المكثفة، لم يعد هناك فاصل بين قصة وأخرى، بل سردية واحدة لاستهداف مدنيين في بيوتهم الآمنة وأماكن نزوحهم.

"أنا مخنوقة.. ما بدي إترك الضيعة وفل من البيت"، بهذه الكلمات ختمت سماح علوش آخر لحظات وجودها في بلدتها دير الزهراني، بعدما صمدت 36 يوماً منذ بدء العدوان. كانت ترى في البقاء، برغم الخطر، خياراً أقل قسوة من النزوح، لكن إصرار والدتها دفعها إلى المغادرة نحو صيدا، لتبقى قريبة من الجنوب الذي أحبته.

سماح، الشابة الطموحة التي حلمت بدخول المجال الإعلامي، صنعت لنفسها دوراً في دعم أهل غزة، فتابعت يومياً أخبار العدوان وتواصلت مع العائلات، حتى انخرطت في تنسيق المساعدات للنازحين. في يوم نزوحها، 8 نيسان 2026، زارت ضريح الشهيد محمد عفيف في مركز الزهراء في صيدا، قرأت القرآن، واشترت دفتراً لتدوين يومياتها. كتبت في صفحته الأولى: "أول يوم نزوح..."، قبل أن تتحول تلك الصفحة إلى آخر ما تبقّى منها، بعدما استُشهدت في القصف الذي طال المجمع نفسه بعد دقائق.

لم تكن قصة سماح استثناءً. ففي اليوم نفسه، وخلال عشر دقائق فقط، نفّذت الطائرات الحربية الإسرائيلية أكثر من 100 غارة، سقط خلالها 303 شهداء في مختلف المناطق اللبنانية و1150 جريحاً، لترتفع الحصيلة الإجمالية منذ بدء العدوان في 2 آذار إلى 1888 شهيداً.

في بيروت والضاحية الجنوبية وحدهما، سقط أكثر من 153 شهيداً و942 جريحاً، بينما امتدت الغارات إلى جبل لبنان حيث سُجّل 17 شهيداً، والبقاع الذي شهد بدوره مجازر، لا سيما في شمسطار حيث استُهدف تشييع، والهرمل ودورس، فسقط 27 شهيداً و34 جريحاً. أما الجنوب، من النبطية إلى صيدا وصور، فسجّل ما لا يقل عن 40 شهيداً و70 مصاباً.

وسط هذا المشهد، برز استهداف العمل الإنساني كوجهٍ آخر من المأساة. في بلدة كيفون، استُشهدت رنا حسيكي، الأم لطفلين، أثناء تأمينها أدوية للنازحين داخل صيدلية تضررت من جراء غارة قريبة. قبل استشهادها بساعات، كانت رنا قد زارت مع الإعلامية سوزان خليل مركز "نون التضامن" في بيصور، حيث خطّطن لتوثيق الجهود الإنسانية. تقول صديقتها فرح أبي مرشد إن رنا كانت "مليئة بالحياة ومندفعة دائماً لمساعدة الآخرين"، مضيفة أن وداعها جمع بين الحزن والفخر بما تركته من أثر.

في بيروت، وتحديداً في كورنيش المزرعة، تتقاطع شهادات الناجين مع صور الدمار. يروي قاسم شاهين، أحد المتطوعين، كيف خاطر بحياته لإنقاذ جرحى عالقين تحت الأنقاض، بينهم رجل مبتور الأطراف، وآخر طبيب أسنان كان محاصراً داخل عيادته المنهارة، يصرخ طلباً للمساعدة.

المشهد نفسه يرويه خالد ضو، الذي كان في مكتبه لحظة القصف: "سمعت صوت انفجار، ثم توالت الضربات خلال ثوان". الشارع الذي نشأ فيه تحوّل فجأة إلى ساحة فوضى: سيارات محترقة، نيران، كبار سن ملقون على الأرض، وذعر يعم المكان. ويؤكد أن المنطقة خالية من أي أهداف عسكرية، ما يعزز فرضية القصف العشوائي الذي يستهدف المدنيين بهدف الترهيب.

بين سماح التي كتبت "أول يوم نزوح" ولم تكمل يومها، ورنا التي استُشهدت وهي توزع الدواء، وناجين يحفرون بأيديهم بين الركام، تتشكل صورة يوم واحد اختصر مأساة وطن بأكمله. 

اخترنا لك