شبح "الفرقة الرابعة" يعود مجدداً إلى سوريا.. إتاوات مالية على التجّار
عادت ظاهرة الإتاوات والابتزاز على الحواجز في سوريا بوجوه جديدة بعد التغيير السياسي، لتثقل كاهل المدنيين والتجار وتنعكس مباشرةً على الأسعار والمعيشة في مختلف المناطق.
-
شبح "الفرقة الرابعة" يعود مجدداً إلى سوريا.. إتاوات مالية على التجّار
لأشهر قليلة ظن السوريون أنهم تخلَصوا من كابوس "الفرقة الرابعة" التابعة لجيش النظام السابق، وانتهى رعب حواجزها المتنقلة بين المحافظات، لكن تلك التطلعات سرعان ما اصطدمت بالواقع الأسود الذي فرضه التغيير السياسي في البلاد، فتبدلت الأدوار واختلفت الوجوه لكن الممارسات بقيت على حالها.
الابتزاز ضد المدنيين، وفرض الإتاوات على شحنات البضائع المتنقلة بين المحافظات، عادت لتجد مكاناً لها على الساحة السورية؛ وكل ما تغيّر هو استبدال حواجز "الفرقة الرابعة" بحواجز أمنية جديدة تابعة للحكومة الانتقالية.
أما المفارقة الأبرز التي لمسها السوريون في الوقت الحالي، هي وجود أكثر من فصيل وفرقة عسكرية تفرض الإتاوات على الطرقات الرئيسية بين المحافظات وداخل المدن، ما يعني أن الأفراد والتجار والشركات مجبرون على دفع الأموال أكثر من مرة، وهذا ما يعرضهم لخسائر مالية كبيرة، كما يؤدي في كثير من الأحيان إلى ارتفاع الأسعار في الأسواق.
جمارك حكومية
خلال الفترة الماضية، تفاجأ السوريون بوجود عدد من الحواجز "الطيّارة" -المؤقتة- على الطرقات الرئيسية في عموم البلاد، حيث عمدت إلى توقيف سيارات نقل البضائع والشاحنات الكبيرة التي تحمل الخضار والفواكه بهدف إجبارها على دفع مبالغ مالية مقابل السماح لها بالعبور، وهو ما أثار استياءً واسعاً بين السوريين، حيث اعتبروا ذلك تكراراً لممارسات النظام السابق.
وقبل أيام وثّق المرصد السوري لحقوق الإنسان حادثاً مروّعاً على طريق دير الزور – دمشق، أدى إلى مقتل شخصين وإصابة عدد من المسافرين.
وجاء الحادث بعد قيام دورية للجمارك تابعة للحكومة الانتقالية، بنصب حاجزٍ مؤقت، لتوقيف السيارات وفرض إتاوات على سائقيها، وأثناء إيقاف سيارة محمّلة بمادة "البندورة" بشكلٍ مفاجئ وسط الطريق، حدث ارتباك مروري ما أدى إلى اصطدام السيارة بثلاث سيارات أخرى ووقوع أضرار مادية كبيرة، وسط استياء كبير لدى الأهالي والسائقين من ممارسات العناصر المقيمة على الحواجز التابعة للحكومة الانتقالية.
ووثّق ناشطون مقطع فيديو شكاوى أطلقها عدد من سائقي الشاحنات في مدينة "الرحيبة" بريف دمشق، من فرض إتاوات مالية على مرورهم عبر أحد الحواجز التابعة للمدينة، على غرار ما كانت تفعله "الفرقة الرابعة".
وحمّل السائقون رئيس بلدية "الرحيبة" مسؤولية هذه الجبايات التي تُفرض تحت أعين السلطات المحلية، وأكدوا أن عناصر الحاجز لا يسمحون بمرور الشاحنات إلا بعد دفع مبالغ مالية "مقطوعة" تختلف حسب نوع الحمولة وحجمها.
وأشار السائقون إلى أن هذه الإتاوات اليومية تُرهقهم وتضاعف من التكاليف التشغيلية، مطالبين بتدخل عاجل من الرئيس الانتقالي أحمد الشرع، لوضع حد لتلك التجاوزات.
وبينما تقول الحكومة الانتقالية إنها لا تفرض أيّ رسوم مالية على نقل البضائع بين المحافظات فإن الوقائع على الأرض تؤكد عكس ذلك تماماً، فالحواجز "الطيّارة" باتت تنتشر على نطاق واسع بدون رقيب أو حسيب.
وفي هذا الاتجاه تؤكد مصادر محلية أن الحواجز الأمنية تفرض إتاوات مالية على نقل الأغنام من محافظة إلى أخرى بطريقة غير قانونية، بواقع 15 دولاراً أميركياً عن كل رأس غنم، كما تفرض غرامات قد تصل إلى مئات وآلاف الدولارات على الشاحنات والبرادات الكبيرة.
جمارك علنية على الحواجز الشرقية والجنوبية
شكّل الصراع المستمر بين حكومة دمشق الانتقالية وقوات سوريا الديمقراطية – "قسد" بعد سقوط نظام الرئيس الأسد بيئة خصبة لانتعاش الإتاوات الجمركية في مناطق شمال شرق البلاد، حيث تطلب ترسيم حدود السيطرة بين شرق الفرات وغربه على طول المنطقة الممتدة من ريف دير الزور شرقاً إلى ريف حلب غرباً، وجود عشرات الحواجز العسكرية الحكومية على خطوط التماس.
لم تكن مهمة تلك الحواجز مقتصرة على الجانب العسكري، بل كانت مسؤولة أيضاً عن عبور الشاحنات والسيارات التجارية والمدنيين بين مناطق سيطرة الحكومة الانتقالية ومناطق سيطرة "قسد" شرق الفرات، وهذه المسؤولية تحولت لاحقاً إلى وسيلة لكسب الأموال عن طريق فرض "الإتاوات" على الشحنات التجارية والغذائية العابرة.
وأكدت مصادر محلية أن الحواجز الحكومية تفرض إتاوات على الشاحنات المحملة بالبضائع المتجهة من دير الزور إلى دمشق أو العكس تتراوح بين 100-250 دولار أميركي بحسب نوع الحمولة وكميتها، وأن هذا المبلغ ممكن أن يصل إلى 1000 دولار على الشاحنات الكبيرة.
وتشير المصادر إلى أن هذه الإتاوات باتت تشكّل عبئاً كبيراً على الأهالي في شرق الفرات، حيث تنعكس الضرائب المالية على أسعار مختلف أنواع المواد الغذائية والاستهلاكية والخضار والفواكه في الأسواق.
إضافة إلى ذلك، فإن الإتاوات باتت تشكّل مصدر قلق للأهالي الذين يضطرون للتنقل باستمرار بين المناطق الشرقية وباقي المحافظات السورية بقصد العلاج أو الدراسة، حيث يتعرّض المرضى والطلاب في كثير من الأحيان لعمليات ابتزاز على الحواجز بهدف إجبارهم على دفع الإتاوات لتسهيل عبورهم.
ما يجري على حواجز شرق الفرات ينطبق تماماً على ما يحصل في محيط مدينة السويداء جنوب البلاد، فالمدينة باتت مُحاطة بالحواجز الأمنية نتيجة الأوضاع العسكرية المتوترة منذ أشهر، وأمام هذا الواقع باتت معظم المواد الغذائية وشحنات الطحين معرّضة لدفع إتاوات قبل دخولها إلى السويداء.
وفي هذا السياق يؤكد الصحافي فارس جاد الله للميادين نت أن بعض الحواجز على أطراف السويداء تحولت إلى مصدر رعب للأهالي والتجار، حيث يتم إجبارهم على دفع إتاوات مالية متفاوتة، مقابل دخولهم من المدينة أو خروجهم منها.
ويقول جاد الله: "السويداء تواجه منذ أشهر نقصاً حاداً في المواد الغذائية والطحين والمحروقات، نتيجة عدم فتح المعابر مع مناطق سيطرة الحكومة الانتقالية، كما أن أسعار الخضار والفواكه تسجّل مستويات قياسية، بالمقابل تنعدم القدرة الشرائية للأهالي الذين يواجهون ظروفاً معيشية صعبة للغاية"، ويضيف جاد الله: "الحواجز باتت عبئاً إضافياً على أهالي السويداء ولا أعرف إن كان هدف حكومة دمشق تجويعنا أو إجبارنا على الرضوخ لمطالبها السياسية؟".
الإتاوات في عفرين مستمرة منذ سنوات
لم تكن لغة "الإتاوات" غريبة على أهالي مدينة "عفرين" والقرى المحيطة بها فيها قرى ريف حلب شمال سوريا، حيث يواجه المدنيون منذ سنوات سطوة الفصائل المسلحة، وابتزازها الدائم للمزارعين بهدف الحصول على الأموال بقوة السلاح.
وظنّ أهالي عفرين أن سقوط نظام الرئيس بشار الأسد سينهي كابوس السطوة الفصائلية، لكن أحلامهم سرعان ما تبددت بعد وصول السلطة الجديدة إلى الحكم، إذ استمرت الفصائل التابعة لما يسمى "الجيش الوطني" بفرض الإتاوات على الأهالي والمزارعين، لكن هذه المرة بـ"غطاء حكومي"، فـ"الجيش الوطني" بات جزءاً من وزارة الدفاع في الحكومة الانتقالية السورية.
وفي هذا السياق أكد المرصد السوري لحقوق الإنسان، أن اللجنة الاقتصادية في "عفرين" التابعة للحكومة الانتقالية تقوم بفرض الإتاوات على أصحاب العمل والمحلّات الصناعية التي يبلغ عددها أكثر من 280 محلّاً، تحت مسمّى الإيجار الشهري، وبمقدار 40 دولار للمحل الواحد شهريّاً، ويلزمونهم بدفعٍ مسبق عن ستة أشهر.
كما وثّق المرصد قيام فصيل "جيش النخبة" بمصادرة محصول 500 شجرة زيتون في قرية "كردو" بريف عفرين بحجة أن "الأرض عسكرية".
إلى ذلك، شهدت مدينة "عفرين" خلال الأسابيع الماضية انتهاكات متكررة بحق المزارعين، تضمنت الاستيلاء على الأراضي والحقول الزراعية وأشجار الزيتون، إضافة إلى فرض إتاوات مالية تُقدّر بمبلغ 1 دولار أميركي عن كل شجرة في البساتين التي يملكونها، بذريعة "حمايتها من اللصوص".
ولم تكتفِ الفصائل بفرض الإتاوات المالية، بل عمدت مؤخراً إلى فرض إتاوات عينيّة تمثلت بالحصول على أجزاء من زيت الزيتون الذي تملكه العائلات، بحجة تأمين مصاريف عوائل الحراس المسلحين.
هذه الممارسات التي تجري بدون أيّ رادع من الجهات الحكومية، باتت تشكّل مصدر رعب للمزارعين الذين يشاهدون سرقة أراضيهم ومحاصيلهم الزراعية أمام أعينهم، في حين تؤكد مصادر محليّة أن أيّ شخص يواجه الفصائل أو يرفض الابتزاز يتم اعتقاله أو قتله.