جواسيس بيولوجية في التربة: كيف تحول إسرائيل البيئة إلى منصات استشعار؟
يكشف المقال عن خطورة استغلال التمويل العسكري الإسرائيلي لأبحاث البيولوجيا التركيبية وتحويل البكتيريا المعدلة وراثياً إلى شبكة استشعار بيئية للمراقبة والتعقب، ربطاً بالحوادث الميدانية وعمليات الرش الجوي في جنوب لبنان وسوريا.
-
جواسيس بيولوجية في التربة: كيف تحول إسرائيل البيئة إلى منصات استشعار؟ (الصورة من جنوب لبنان)
الفكرة تبدو أقرب إلى الخيال العلمي، لكنها ليست خيالاً. كائنات مجهرية معدلة وراثياً تعيش في التربة، تستجيب لمؤثرات محددة، ثم تنتج بصمة ضوئية لا تراها العين البشرية، لكن تستطيع كاميرا خاصة معلقة تحت طائرة مسيّرة التقاطها من عشرات الأمتار. لا أسلاك، لا بطاريات، ولا جهاز معدني يمكن العثور عليه وإزالته. المستشعر حيّ. هذه التكنولوجيا موجودة بالفعل. لكن الخطر الآن هو أن المعطيات تتزايد حول استخدامها من قبل الجيش الإسرائيلي في جنوبي لبنان وسوريا.
في نيسان/أبريل من العام الماضي، نشر فريق من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) في دورية Nature Biotechnology بحثاً عن "مراسلات فائقة الطيف" داخل بكتيريا حية. هندس الباحثون جينات تجعل البكتيريا تنتج جزيئات ذات بصمات امتصاص ضوئي مميزة يمكن التقاطها بكاميرات فائقة الطيف (hyperspectral)، وهي كاميرات تُستخدم على الطائرات المسيّرة والأقمار الاصطناعية. وفي التجارب الميدانية، أمكن رصد البكتيريا في ضوء النهار من مسافة بلغت 90 متراً، ضمن صورة واحدة تغطي أربعة آلاف متر مربع.
لكن التفصيل الذي ينقل القصة من مختبر التكنولوجيا الحيوية إلى المجال الأمني، يرد في نهاية الورقة العلمية؛ إذ إن البحث ممول من وزارة الدفاع الأميركية، ومكتب أبحاث الجيش الأميركي، ووزارة الدفاع الإسرائيلية. بل إن الدراسة نفسها تذكر صراحةً الدفاع والطب الشرعي ضمن التطبيقات الممكنة لهذه التكنولوجيا. والقصة، في الواقع، أقدم من هذه الورقة العلمية الأخيرة أيضاً.
ففي عام 2022، نشر باحثون من MIT وجامعة تل أبيب دراسة عن هندسة بكتيريا بيئية وقدرتها على البقاء والعمل لفترات طويلة في ظروف تحاكي بيئات طبيعية قاسية. كانت وزارة الدفاع الإسرائيلية بين الممولين، ومنحت المشروع تمويلاً مسجلاً لكل من MIT وجامعة تل أبيب؛ وتقول الورقة إن الوزارة ساعدت الباحثين أيضاً في الحصول على عينات التربة المستخدمة في الدراسة. وبعد بدء حروب الإبادة الإسرائيلية في المنطقة، اتخذت هذه الفكرة اتجاهاً أكثر خطورة، حيث تجاوزت هذه التقنية مسألة الاستشعار من بيئة معينة، لتُشكّل البيئة كلها مركز استشعار أمني لمن يدير العملية برمّتها.
في الجانب العلمي، يبدو التطبيق المعلن بريئاً في جزء كبير منه. إذ يمكن برمجة البكتيريا كي تستشعر الزرنيخ أو الملوثات أو المغذيات في التربة، ثم تجعل وجودها قابلاً للرصد من الجو. ويتحدث معهد MIT عن مراقبة المحاصيل والزراعة والبيئة، ويذكر أيضاً كشف الألغام. والتقنية لا تزال تواجه أسئلة تنظيمية وبيئية، مثل قول الباحثين أنفسهم إن إطلاق كائنات معدلة وراثياً في البيئة يحتاج إلى موافقات ودراسة للمخاطر قبل الاستخدام الواسع. لكن التمويل العسكري يطرح سؤالاً مختلفاً، ولا يحتاج إلى نظرية مؤامرة كي يكون مشروعاً.
فالجيوش مهتمة منذ زمن بالأحياء التركيبية (Synthetic Biology) لأنها تسمح بتحويل الكائن الحي إلى منصة استشعار. والمفارقة أن أفضل المستشعرات العسكرية المستقبلية قد لا تشبه التكنولوجيا أصلاً. البكتيريا تتكاثر، وتعيش في التربة والمياه، ولا تحتاج إلى شاحن كهربائي، ويمكن هندستها للاستجابة لمواد كيميائية محددة ثم إنتاج إشارة يمكن قراءتها عن بعد.
تنتقل الخطورة هنا إلى مستوى أعلى من مراقبة الإنسان تحتها؛ لأن شبكة الاستشعار البيولوجي تطمح، نظرياً، إلى جعل المكان يحتفظ بمعلومة عما حدث فيه ثم يرسلها إلى منصة بعيدة، فيصبح التراب جزءاً من شبكة المعلومات. وهكذا، يصبح جنوب لبنان حالة تستحق التدقيق في ضوء ما رأيناه من إجرامٍ فاق حدود المألوف طوال مدة الصراع.
في الوقائع
في الوقائع المؤكدة، وفي الأول من شباط/فبراير الفائت، أبلغ الجيش الإسرائيلي قوات الطوارئ الدولية العاملة في جنوب لبنان "اليونيفيل" أنه سينفذ نشاطاً جوياً لإسقاط مادة وصفها بأنها "كيميائية غير سامة" قرب الخط الأزرق، وطلب من جنود القوة الدولية الابتعاد والبقاء داخل الملاجئ. تقول "اليونيفيل" إن العملية عطلت أكثر من اثنتي عشرة مهمة، ومنعتها من العمل بصورة طبيعية قرب نحو ثلث الخط الأزرق لأكثر من تسع ساعات. والأهم أن القوة الدولية قالت إن هذه ليست المرة الأولى التي تسقط فيها طائرات إسرائيلية مواد كيميائية مجهولة فوق لبنان.
بعد ثلاثة أيام انتهى الغموض المتعلق بتلك الواقعة تحديداً. أعلنت وزارتا الزراعة والبيئة اللبنانيتان أن التحاليل المخبرية للعينات أثبتت أن المادة هي مبيد الأعشاب "غليفوسات"، وأن بعض العينات احتوت على تراكيز تتراوح بين عشرين وثلاثين ضعف المستويات المعتادة. وحذرتا من آثارها على الغطاء النباتي والزراعة والتربة. بعد أسابيع قليلة، وفي حزيران/يونيو أبلغت الخارجية اللبنانية مجلس الأمن بشكوى تستند إلى تقرير للمجلس الوطني للبحوث العلمية بشأن العملية. وفي الفترة نفسها تقريباً، شهدت القنيطرة السورية عمليات رش إسرائيلية مشابهة أضرّت بالأراضي الزراعية، وفق تقارير ميدانية من المنطقة.
إذا جمعنا الصورة الكبرى ووقائع الميدان، تصبح لدينا حقيقة أولى تقول إن "إسرائيل" تموّل أبحاثاً في MIT لتطوير بكتيريا مُهندسة وراثياً يمكن رصد إشاراتها من مسافات بعيدة بواسطة المسيّرات. وحقيقة ثانية تؤكد تنفيذ "إسرائيل" بالفعل عمليات رش جوي لمواد كيميائية على مناطق حدودية في لبنان وسوريا. وتوجد حقائق ثالثة تتعلق بغموضٍ كبير يلف عمليات الاغتيال والتصفية الجسدية للمقاومين والمدنيين الذين كان وجودهم في المنطقة التي تعرضت لهذا الرش، وحتى من بين أولئك الذين سرت معلومات موثوقة حول عدم استخدامهم أجهزة اتصال أو قيامهم بأنشطة يمكن رصدها تقنياً، أو حتى من خلال المراقبة المباشرة.
تقوم التحليلات الجديدة لهذه الوقائع والمعلومات على استنتاج أن البكتيريا تُنثر على منطقة ما، ثم تلتصق بثياب الأشخاص أو إطارات المركبات التي تعبرها، بحيث تستطيع المسيّرات تعقبهم لاحقاً. وهي آلية من الممكن تصورها ضمن المجال الأوسع للوسم البيولوجي، لكنها ليست بصورةٍ مؤكدة الآلية التي تثبتها الورقة المنشورة من MIT على وجه الدقة.
ومع ذلك، يكبر الشك في أن تكون هناك شبكة واسعة من الكائنات المجهرية المبرمجة، كل منها يستشعر متغيراً معيناً، فيما تمر المسيّرات دورياً فوق المنطقة لجمع الإشارات؛ ما يحول الأمر نظرياً إلى منظومة حية موزعة في البيئة. وقد جاء ذكر الدراسة لتطبيقات الدفاع صراحةً لتعزيز هذا الاستنتاج، فيما يعرض مكتب نقل التكنولوجيا في MIT الاختراع كمنصة قابلة للترخيص، وقد سُجلت طلبات ملكية فكرية مرتبطة به في الولايات المتحدة و"إسرائيل" ودول أخرى.
الخطر يطال العالم كله
نحن إذن أمام انتقال محتمل في تاريخ المراقبة العسكرية إذا تأكد الأمر. كانت المرحلة الأولى هي مراقبة الإنسان بالكاميرا، ثم جاءت الأقمار الاصطناعية، والطائرات المسيّرة، والتعرف إلى الوجوه، وتحليل الاتصالات والبيانات. أما البيولوجيا التركيبية فتفتح مجالاً مختلفاً، يقوم على جعل البيئة التي يعيش فيها الإنسان، ومنها التربة والنباتات والكائنات الدقيقة، أجزاءً من منظومة الاستشعار.
تقود هذه المعطيات والتحليلات العقل إلى بحث مخاطر غير مألوفة وشديدة التهديد على البشرية كلها. فأي عالمٍ ينشأ من نقل التسلح إلى علوم البيولوجيا، أو تحويل هذه العلوم إلى أسلحة فتاكة لا تميز دور من يقع عليه الأثر، لمجرد أنه كان موجوداً في المكان؟ ثم أي أثرٍ تتركه هذه المعطيات على الحق الأخلاقي والقانوني للشعوب صاحبة الأرض، التي لا تتوفر لديها إمكانات علمية وتقنية قادرة على إيقاف هذا التفوق إذا ما استُخدم ضدها؟ وإلى أي عالمٍ يقود ذلك؟
لأن نشر كائن معدل وراثياً في بيئة لا تخضع لسيادة الجهة التي طورته لن يكون مجرد عملية استخباراتية، بل سيكون تدخلاً بيولوجياً في نظام بيئي لا يستطيع سكانه الموافقة عليه أو حتى معرفة أنه حدث. ولهذا فإن واقعة الرش في جنوب لبنان، حتى مع ثبوت أن المادة التي عُثر عليها كانت غليفوسات، ينبغي أن تغير طبيعة الرقابة اللبنانية على مثل هذه الحوادث. إذ لم يعد كافياً أن تسأل المختبرات عن طبيعة المادة الكيميائية التي نُثرت، بل بات واجباً تجاوز ذلك إلى بحث محتويات هذه المواد، وأثرها على التركيب الميكروبي للتربة بعد الحادثة، وهذا يضع الدولة صاحبة الأرض ومواطنيها أمام تحدٍ كبير جداً.
والاتهام هنا ليس اعتباطياً؛ فالدليل على وجود التكنولوجيا التي تجعل تحققه ممكناً يجري تطويره بالفعل، فيما تموّل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية هذا التطوير. لكن القصة الأثقل هي أن العلم بلغ نقطة صار عندها هذا النوع من الأسلحة ممكناً من الناحية التقنية. أما الكارثة، فهي أن سلاحاً كهذا قد يصبح في متناول من ارتبطت أفعالهم ووقائع موثقة باتهامات بالإبادة الجماعية.