تمكين المرأة الريفية.. هندية تغيّر مصير عائلتها وتلهم النساء بالزراعة
تُحوّل المزارعة الهندية سونيتا نيهاري أرض عائلتها محدودة الإنتاج إلى مشروع زراعي مستدام، بعدما انتقلت من العمل بأجر يومي إلى إدارة المزرعة واتخاذ قرارات الإنتاج والاستثمار وتنويع مصادر الدخل.
-
تمكين المرأة الريفية.. هندية تغيّر مصير عائلتها وتلهم النساء بالزراعة
نجحت امرأة في قرية هندية في تحويل أراضٍ عائلية شبه مهجورة إلى مصدر دخل مستدام، بعدما انتقلت من العمل بأجر يومي متواضع إلى إدارة المزرعة واتخاذ قرارات الإنتاج والاستثمار. وتسلّط تجربتها الضوء على أهمية تمكين النساء الريفيات، ليس من خلال مشاركتهن في العمل الزراعي فحسب، بل بمنحهن القدرة على إدارة الموارد والتحكم بعائداتها.
كانت سونيتا نيهاري تستيقظ يومياً عند الرابعة فجراً لإنجاز أعمال المنزل، قبل أن تتوجه في السادسة صباحاً للعمل في الحقول مقابل 200 روبية هندية عن ساعتين من العمل. وبعد انتهاء دوامها، تنتقل إلى أرض عائلتها لمواصلة العمل الزراعي حتى الواحدة ظهراً، فيما تحرص على ادخار نصف أجرها اليومي في حساب توفير بريدي.
وبرغم امتلاك عائلتها نحو 12 فداناً من الأراضي الزراعية، لم تكن سونيتا تملك سلطة اتخاذ القرارات المتعلقة بزراعتها. لكن واقعها تغيّر تدريجياً، بعدما تولّت إدارة المزرعة العائلية في قرية باشود، التابعة لمنطقة واردا بولاية ماهاراشترا الهندية، وأصبحت تحدد المحاصيل التي ستزرعها وطرق العناية بالتربة وأوجه الإنفاق.
وتكتسب تجربتها أهمية خاصة في ظل التحديات التي تواجه النساء العاملات في الزراعة، إذ لا تعني مشاركتهن في الإنتاج امتلاكهن بالضرورة حق التصرف بالأرض أو اتخاذ القرارات المتعلقة بالمحاصيل والعائدات المالية.
أرض مهملة تتحول إلى مشروع منتج
عندما تزوجت سونيتا وانتقلت للعيش مع عائلة زوجها، لم تكن المساحات المزروعة تتجاوز ثلاثة أفدنة ونصف الفدان من أصل 12 فداناً تملكها الأسرة.
وكان والد زوجها المسن يتولى إدارة المزرعة، بينما دفع تكرار المواسم الزراعية الضعيفة زوجها إلى الإدمان على الكحول، في ظل صعوبات طبيعية حالت دون تحقيق إنتاج مستقر. فالأراضي المنحدرة كانت تفقد مياه الأمطار بسرعة، فيما تسببت الحيوانات البرية، ولا سيما الخنازير والظباء والأرانب، بأضرار متكررة للمحاصيل.
وجاء التحول في حياة سونيتا إثر خلاف حاد مع زوجها، عندما كانت ابنتها في الرابعة من عمرها، دفعها إلى التفكير بمغادرة المنزل. غير أن والد زوجها تدخّل وعرض عليها تولّي مسؤولية زراعة الأرض لتأمين احتياجات الأسرة.
وافقت سونيتا على العرض، وقررت البقاء، لتبدأ مرحلة جديدة من حياتها تقوم على إدارة الموارد الزراعية بدلاً من الاكتفاء بالعمل المأجور.
وفي عام 2018، بدأت بزراعة تسعة صفوف من القطن، لكنها لم تحصد سوى خمسة قناطير في الموسم الأول. ولم تدفعها النتيجة المتواضعة إلى التراجع، بل بدأت تجربة أساليب مختلفة في توزيع البذور واستخدام الأسمدة والري.
وفي العام التالي، ارتفع المحصول إلى ثمانية قناطير، قبل أن يصل تدريجياً إلى 25 قنطاراً من المساحة المزروعة نفسها، البالغة ثلاثة أفدنة ونصف الفدان. وظل نقص المياه العقبة الأساسية أمام توسيع الإنتاج. وللتغلب عليها، استعانت سونيتا بحفرة مجاورة للمزرعة تتجمع فيها مياه الأمطار الموسمية، واستخدمت مضخة تعمل بمحرك لري القطن.
وفي عام 2024، تمكنت من حفر بئر بدعم من برنامج حكومي، ما ساعدها على تحسين انتظام الري، وإن كانت لا تزال تنفق نحو 12 ألف روبية في كل موسم لشراء الوقود اللازم لتشغيل المضخة. وتختصر سونيتا أهمية المياه بالنسبة إلى محصولها بالقول إن توافرها هو الشرط الأساسي لإنتاج القطن.
مشروع مستدام يتجيب لتقلبات المناخ
لم تقتصر التغييرات التي أدخلتها سونيتا على توفير المياه وزيادة الإنتاج، بل شملت اعتماد ممارسات زراعية تهدف إلى تحسين خصوبة التربة وتقليل تأثير التقلبات المناخية. وبمساعدة مشروع للتكيف مع تغير المناخ، تنفذه منظمة "داراميترا" غير الربحية في واردا بدعم من البنك الوطني للزراعة والتنمية الريفية في الهند، بدأت تطبيق تقنيات للحفاظ على رطوبة التربة وتنويع المحاصيل.
وشملت الإجراءات إقامة حواجز ترابية للحد من جريان المياه، وإضافة الرواسب الطينية لتحسين قدرة التربة على الاحتفاظ بالرطوبة، إلى جانب استخدام أحواض زراعية مرتفعة لتحسين تصريف المياه. كما اعتمدت الزراعة البينية، من خلال زراعة القطن مع البازلاء الهندية، بهدف تنويع الإنتاج وتقليل المخاطر الناجمة عن الاعتماد على محصول واحد.
وساعدتها فحوص التربة على تحديد العناصر الغذائية الناقصة، فيما لجأت إلى السماد العضوي الناتج عن الديدان والزراعة الخضراء لتقليل استخدام الأسمدة الكيميائية. وباتت سونيتا تحضّر بنفسها مستخلصات حيوية تقليدية تُستخدم لتغذية النباتات وحمايتها من الآفات، إلى جانب زيت النيم، وتوزع سنوياً ست حمولات جرار من روث الأبقار على أجزاء مختلفة من الأرض.
كذلك تعيد مخلفات محاصيل البازلاء الهندية وفول الصويا إلى التربة للاستفادة من المواد العضوية، مؤكدة أنها توقفت عن استخدام سماد اليوريا. وتمكنت أيضاً من استصلاح مساحات كانت خارج الإنتاج، بعدما أزالت الشجيرات وسوّت الأراضي وعززت الحواجز المحيطة بها بالحجارة، لتبدأ زراعة الذرة الرفيعة والدخن والماش والسمسم.
وتعتمد اليوم مبدأ تناوب المحاصيل، بحيث لا تزرع النوع نفسه في قطعة الأرض ذاتها بصورة متواصلة، حفاظاً على خصوبة التربة والحد من استنزافها.
أما مشكلة الحيوانات البرية، فلا تزال تتطلب إجراءات وقائية، من بينها استخدام سياج يعمل بالطاقة الشمسية وشرائط عاكسة لإبعاد الخنازير البرية والظباء، فضلاً عن شبكات لحماية بعض المساحات من الأرانب.
وخلال زيارة ميدانية إلى منطقة ناشيك، تعرّفت سونيتا إلى تجارب زراعية شجعتها على غرس أشجار المانغو والجوافة والكاجو والجاك فروت والليمون على أطراف المزرعة، أملاً في تحويلها إلى مصدر دخل إضافي خلال السنوات المقبلة.
نمو الإنتاج وتنويع مصادر الدخل
انعكست التحسينات الزراعية على إنتاجية المزرعة، إذ ارتفع متوسط محصول القطن من نحو قنطار إلى قنطار ونصف القنطار للفدان الواحد، إلى 7.14 قناطير، فيما أتاحت الزراعة البينية إنتاج 2.75 قنطار إضافي من البازلاء الهندية. وخلال السنوات الثلاث الأخيرة، تجاوز دخل سونيتا من القطن والبازلاء الهندية والمحاصيل الأخرى 200 ألف روبية.
كما وفرت زراعة بعض الحبوب والخضراوات للاستهلاك المنزلي ما يقدّر بنحو 14,760 روبية سنوياً من النفقات الغذائية، فيما حققت تربية الدواجن نحو عشرة آلاف روبية إضافية من المبيعات. وبلغ مجموع العائدات والوفورات المقدرة نحو 250 ألف روبية، من دون احتساب الإيرادات الناتجة عن أنشطة اقتصادية أخرى تمارسها خارج المزرعة.
فإلى جانب الزراعة، تعمل سونيتا مساعدة بيطرية مجتمعية، تتولى تقديم الدعم في حملات تلقيح المواشي وإعطاء الأدوية وحفظ السجلات الصحية للحيوانات، مقابل دخل شهري يبلغ نحو ثلاثة آلاف روبية، تخصص جزءاً منه للنفقات المنزلية وأقساط التأمين على الحياة.
وتربي أيضاً الماعز والدواجن، وتجمع أوراق التيندو المستخدمة في صناعة السجائر التقليدية خلال موسمها، وتشارك في مجموعات ادخار محلية، بينها مجموعة "أوميد". وتوفر هذه الأنشطة مصادر دخل بديلة تساعد الأسرة على مواجهة تقلبات الإنتاج الزراعي والأسعار.
ولم يقتصر أثر تجربتها على تحسين أوضاع أسرتها، إذ بدأت مجموعة من المزارعين في قرية باشود اعتماد بعض التقنيات التي تستخدمها، بعدما لاحظوا نتائجها على الإنتاج.
وتقول سونيتا إن الزيارات الميدانية ساعدتها على اكتساب خبرات إضافية في تشخيص مشكلات المحاصيل ورصد نقاط الضعف في الممارسات الزراعية ومتابعة صحة المواشي، مشيرة إلى الدور الذي أدته منظمة "داراميترا" في تقديم الإرشاد والمساعدة.
تمكين المرأة قرار
يرى تاراك كاتي، من منظمة "داراميترا"، أن تجربة سونيتا تؤكد قدرة النساء على تغيير أوضاعهن الاقتصادية والاجتماعية عندما تتوافر لهن سلطة اتخاذ القرار والموارد اللازمة والإرشاد المناسب، حتى في ظل التحديات البيئية والمناخية والاقتصادية.
ويشبّه دور المنظمة في دعم هذا التحول بدور المحفّز الذي يطلق التغيير من دون أن يكون جزءاً من مكوناته، معتبراً أن تمكين النساء من إدارة النشاط الزراعي ينعكس على الأسرة والمجتمع المحلي.
وقد ظهرت نتائج هذا التحول في الحياة اليومية لعائلة سونيتا. فابنها الأكبر يتابع دراسته في الصف الثاني عشر بمدرسة عسكرية، بينما تدرس ابنتها في الصف السادس بمدرسة القرية، وتمكنت الأسرة من بناء منزل في باشود. كما اشترى لها والد زوجها دراجة نارية لتسهيل تنقلاتها بين الحقول والقرى المجاورة والاجتماعات، بعدما كانت تقطع مسافات طويلة سيراً على الأقدام لأداء مهامها الزراعية والمجتمعية، وتعود أحياناً في ساعات متأخرة.
وتولي سونيتا أهمية خاصة للتخطيط المالي، انطلاقاً من تجربتها في ادخار جزء من أجرها اليومي عندما كانت تعمل في حقول الآخرين، وصولاً إلى بناء مصادر دخل متعددة تحدّ من اعتماد الأسرة على موسم زراعي واحد.
وتطمح حالياً إلى إنشاء بستان للبرتقال بدعم من برنامج حكومي للتنمية الريفية.
لكن نجاحها لم يبدد مخاوفها بشأن مستقبل الزراعة. فهي تشير إلى تزايد عدم انتظام هطول الأمطار، وارتفاع الجهد المطلوب للإنتاج، في مقابل محدودية قدرة المزارعين على التأثير في أسعار المحاصيل. ولهذه الأسباب، لا ترغب في أن يعتمد ابنها كلياً على الزراعة مستقبلاً، انطلاقاً من قناعتها بأن الدخل الزراعي وحده قد لا يكفي لتأمين احتياجات الأسرة.
اليوم العالمي للمرأة الريفية
تتزامن قصة سونيتا مع اليوم العالمي للمرأة الريفية، الذي يصادف الخامس عشر من تشرين الأول/أكتوبر من كل عام، ويهدف إلى إبراز مساهمة النساء الريفيات في الإنتاج الزراعي والأمن الغذائي وتحسين سبل العيش.
وتسلّط تجربتها الضوء على أحد أوجه التفاوت القائم في المجتمعات الزراعية، حيث تشارك النساء بصورة واسعة في أعمال الحقول وتربية المواشي وإنتاج الغذاء، من دون أن يتمتعن دائماً بصلاحية اتخاذ القرارات المتعلقة باستخدام الأراضي أو إدارة الاستثمارات والعائدات.
وتشير هذه التجربة إلى أن توفير الموارد والتقنيات الزراعية الحديثة لا يكفي وحده لتحسين أوضاع النساء الريفيات، ما لم يترافق مع تعزيز قدرتهن على التصرف بهذه الموارد وتحديد كيفية استثمارها.
فبالنسبة إلى سونيتا، لم يبدأ التغيير عندما حصلت الأسرة على أرض جديدة أو توسعت في النشاط الزراعي، بل عندما أصبحت صاحبة القرار في أرض كانت العائلة تمتلكها منذ سنوات، لكنها لم تكن تستفيد إلا من جزء محدود من إمكاناتها.
ومن خلال الجمع بين إدارة الموارد المائية وتحسين أساليب الزراعة وتنويع مصادر الدخل، استطاعت تحويل أرض ضعيفة الإنتاج إلى مورد اقتصادي أكثر استقراراً، في تجربة تبرز الفارق بين مشاركة المرأة في العمل الزراعي وتمكينها الفعلي من إدارة هذا العمل وتحديد مستقبله.