بعد 3 أعوام من الانقطاع.. كيف يعود أطفال غزة إلى مدارسهم؟

بعد نحو ثلاثة أعوام من الانقطاع، يعود أطفال غزة إلى التعليم وسط مدارس مدمرة وخيام مكتظة وفاقد تعليمي متراكم، فيما تواجه الأسر أعباء توفير المستلزمات ومخاوف الطريق إلى المدرسة.

  • بدأ العام الدراسي 2026/2027 في غزة وسط نقص حاد في الأبنية والمقاعد والتجهيزات
    بدأ العام الدراسي 2026/2027 في غزة وسط نقص حاد في الأبنية والمقاعد والتجهيزات

ثلاثة أعوام كانت كافية لتكبر أجيال من أطفال قطاع غزة بعيدًا عن السبورة والكتب، بعدما انقطعوا عن مدارسهم مع بدء عدوان الاحتلال الإسرائيلي في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، وتوقّف العام الدراسي، وغابت عن أيامهم تفاصيل المدرسة، من جرس الحصص ومقاعد الصف إلى دفاتر الواجب.

وخلال سنوات النزوح، تنقّل الأطفال بين أماكن متفرقة، فيما تحولت مدارس إلى مراكز إيواء أو خرجت عن الخدمة، ليبقى مئات الآلاف من الأطفال بعيدين عن التعليم المنتظم، وسط أعباء النزوح ونقص الغذاء والمياه.

ومع عودتهم إلى مقاعد الدراسة، يواجه الأطفال واقعًا مختلفًا؛ مدارس تغيرت ملامحها، وأخرى دُمرت كليًا أو جزئيًا، وزملاء فرّقت بينهم ظروف النزوح، فيما غاب آخرون بعدما فقدوا أفرادًا من عائلاتهم.

عودة مدرسية بأعباء ثقيلة

تتجسد قسوة العودة إلى المدارس في تفاصيل الأسر التي تجد نفسها أمام قائمة طويلة من المستلزمات، في وقت تضيق فيه قدرتها على توفير أبسط الاحتياجات.

وبين هذه الأسر، تقف الفلسطينية فداء أبو شرخ أمام قائمة احتياجات أبنائها الثلاثة، أكبرهم في الصف السادس، محاولةً توفير ما تستطيع منها، فيما تؤجل ما تبقى إلى حين توفر المال.

وتقول أبو شرخ في حديثها إلى الميادين نت إنّ ارتفاع أسعار المستلزمات المدرسية جعل تجهيز أبنائها للعام الدراسي مهمة شاقة، إذ تحاول شراء الضروريات أولًا، فيما تؤجل بعض الاحتياجات إلى حين تحسن وضعها المالي، وسط صعوبة تأمين احتياجات ثلاثة أطفال في وقت واحد.

وتوضح أن أبناءها كانوا يستقبلون العام الدراسي بفرحة، وكانت تحرص على توفير احتياجاتهم كاملة، لكن سنوات الحرب والظروف المعيشية الصعبة دفعتها إلى ترتيب الأولويات والبحث عن بدائل أقل كلفة.

ويواجه الأب خالد مسلم ظروفًا مشابهة، إذ يقول للميادين نت إنّه اضطر إلى الاستدانة لتوفير بعض احتياجات طفليه، فيما يذهبان أحيانًا إلى المدرسة مستخدمين الأكياس بدل الحقائب.

ويشير مسلم إلى أنّ عودة أطفاله بعد نحو ثلاثة أعوام من الانقطاع جاءت وسط أعباء تفوق قدرة الأسرة، مناشدًا المؤسسات والجهات الداعمة توفير الحقائب والدفاتر والقرطاسية للأسر غير القادرة على تحمّل تكاليف الدراسة.

خيام تضيق بالطلاب والدروس

في مدرسة بلدية غزة، التي اختيرت لإطلاق العام الدراسي غرب المدينة، عاد أطفال القطاع إلى مدارسهم، وسط آثار الحرب والنزوح التي ما زالت حاضرة في تفاصيل المدرسة، فيما يحاول المعلمون والطلاب استعادة حياتهم التعليمية.

وتؤكد مديرة المدرسة رغدة حميد للميادين نت أنّ العودة تتجاوز استئناف الدراسة، إذ تمنح الأطفال فرصة للقاء زملائهم ومعلميهم وممارسة الأنشطة، والابتعاد، ولو لساعات، عن أجواء النزوح وضغوط سنوات الحرب.

غير أن العودة إلى المدارس لا تجري بالظروف نفسها في مختلف أنحاء القطاع؛ ففي جزء من ملعب مدرسة شهداء الشيخ رضوان بمدينة غزة، التي تحولت إلى مركز إيواء للنازحين، أقامت وزارة التربية والتعليم ست خيام لاستقبال الطلاب، لا تفصلها عن خيام النازحين سوى ممرات ضيقة.

داخل إحدى هذه الخيام، تتابع الأم شادية الغزالي تعليم طفليها، أحدهما في الصف الثاني والآخر في الصف السادس، بعد فقدان والدهما خلال الحرب.

وتقول الغزالي للميادين نت إنّ الصف الذي كان يجمعهما بزملائهما أصبح خيمة، وبعد انتهاء الدروس يعودان إلى خيمة أخرى للنوم، فيما تفرض ظروف النزوح عليهما أحيانًا التغيب عن بعض الحصص للمساعدة في تأمين احتياجات الأسرة، كجلب المياه والطعام.

وبرغم ذلك، ترى الغزالي أن استمرار التعليم ضرورة، خصوصًا أن قرب المدرسة من مكان النزوح يتيح لها متابعة طفليها والاطمئنان إلى انتظامهما في الدراسة.

أما الطالبة سارة الدهدار، فتجد في المدرسة مساحة تبتعد فيها قليلًا عن أجواء الخيمة، ويمنحها وجود صديقاتها ومعلماتها شعورًا بالأمان واستعادة شيء من حياتها الدراسية المعتادة.

ويتعلم نحو 1500 طالب وطالبة داخل هذه الخيام، وفقًا لمدير المدرسة محمد الحليمي، الذي يوضح أن الإدارة تعتمد نظام التدوير بين الصفوف والفترات، إلى جانب برنامج التعليم السريع، لمعالجة الفاقد التعليمي المتراكم خلال سنوات الانقطاع.

غير أن ضعف الإضاءة وغياب الكهرباء وتقارب الخيام وانتقال الأصوات بينها يزيد من صعوبة تركيز الطلاب، ويضع المعلمين أمام ظروف تعليمية شاقة، في محاولة للحفاظ على سير العملية التعليمية وسط بيئة تفتقر إلى كثير من مقومات المدرسة التقليدية، وفق الحليمي.

الطريق إلى المدرسة مصدر خوف

لا تنتهي مخاوف الأهالي عند أبواب المدارس، فبالنسبة إلى عائلات في المناطق القريبة من الخط الأصفر، يبدأ القلق منذ خروج أطفالهم من الخيام ويستمر حتى عودتهم.

وفي منطقة شرق جباليا القريبة من الخط الأصفر، فضّلت عائلات إبقاء أبنائها في المنزل خلال الأيام الأولى من العام الدراسي، خشية تعرضهم لإطلاق النار أثناء توجههم إلى المدارس.

ومن بين هذه العائلات هاني حمدونة، والد ثلاثة طلاب، الذي قرر تأجيل إرسال أبنائه إلى المدارس بعد تكرار إطلاق النار من طائرات مسيّرة إسرائيلية في محيطها على مدار نحو أسبوعين.

ويقول حمدونة في حديثه إلى الميادين نت إنّ مخاوفه لا تتعلق بموقع المدرسة وحده، وإنما بالطريق الذي يسلكه أطفاله يوميًا، في منطقة شهدت قصفًا وسقوط شهداء وجرحى، فيما تزيد إقامة بعض الفصول في خيام وشوادر قرب مواقع قوات الاحتلال من مخاوفه على سلامة الأطفال.

ثلاث فترات وتقليص الحصص

وبدأ العام الدراسي 2026/2027 في غزة وسط نقص حاد في الأبنية والمقاعد والتجهيزات، فيما لا تزال مدارس أخرى مدمرة أو تستخدم لإيواء النازحين، وسط ازدحام الفصول وصعوبة التعلم ومخاوف الأهالي على سلامة أبنائهم.

ويقول مدير التربية والتعليم غرب غزة جواد الشيخ خليل للميادين نت إنّ أكثر من 500 ألف طالب وطالبة بدأوا العام الدراسي، بينهم نحو 350 ألفًا يتوزعون على 208 مدارس حكومية، فيما يلتحق آخرون بالمدارس الخاصة ومدارس "أونروا" ومراكز التعلم المؤقتة، في ظل احتياج تعليمي يفوق القدرة المتاحة بنحو ثلاثة أضعاف.

ويشير الشيخ خليل إلى اعتماد المدارس الميدانية ونظام التناوب بثلاث فترات، فيما يتلقى بعض الطلاب تعليمهم داخل الخيام وعلى الأرض، ويستخدم المعلمون الشادر بدل السبورة، بالتوازي مع إنشاء مدارس مؤقتة قرب أماكن النزوح لتقليل المسافات التي يقطعها الطلاب.

ويوضح الشيخ خليل أنّ أكثر من 100 ألف طالب استفادوا من "البرنامج الاستدراكي"، فيما لا يزال نحو 20 ألف طالب خارج العملية التعليمية، وسط نقص المستلزمات الأساسية.

كما تراجعت أيام الدراسة من نحو 200 يوم قبل الحرب إلى 60 يومًا، وتراجعت الحصص الأسبوعية من 30 إلى 12 حصة، إلى جانب استشهاد أكثر من 20 ألف طالب ومئات المعلمين وتدمير عشرات المباني التعليمية، بحسب الشيخ خليل.

وتبقى السلامة تحديًا أساسيًا أمام استعادة التعليم، مع استشهاد طلاب داخل المدارس أو أثناء توجههم إليها، واستمرار استخدام منشآت تعليمية كمراكز إيواء، ما يزيد الحاجة إلى إعادة تأهيل المدارس وتوفير الأثاث والمستلزمات، إلى جانب دعم برامج التعلم التعويضي والصحة النفسية.

التعليم عن بُعد

ولا يقتصر استئناف التعليم في غزة على التعليم الحضوري، إذ تعتمد "أونروا" على مساحات تعلم مؤقتة والتعليم عن بُعد للوصول إلى الأطفال الذين تحول ظروف النزوح أو بُعد المسافة ومخاوف السلامة دون انتظامهم في المدارس.

ويقول رئيس برنامج التعليم في "أونروا" بغزة توفيق الحوراني إن 86 مساحة تعلم مؤقتة ستفتح مع بداية العام الدراسي، فيما يستهدف التعليم عن بُعد نحو 280 ألف طالب من الصف الأول حتى التاسع، مقابل نحو 72 ألفًا في التعليم الحضوري، إلى جانب أنشطة التهيئة والدعم النفسي والإرشاد. ويواجه هذا النموذج تحديات تتعلق بالطاقة والإنترنت والنزوح والفاقد التعليمي.

وتشير بيانات اليونيسف إلى تضرر نحو 98% من مباني المدارس في غزة، وحاجة أكثر من 93% منها إلى إعادة تأهيل رئيسية أو إعادة بناء كاملة، فيما حُرم نحو 700 ألف طفل من التعليم الحضوري لما يقارب ثلاثة أعوام.

حالة الطوارئ

بدوره، يصف المشرف التربوي في وزارة التربية والتعليم بغزة، شعبان صافي، الواقع الحالي بأنه "تعليم في حالة الكوارث والطوارئ"، في ظل نقص الخيام والمقاعد وتأخر تجهيز بعض المساحات التعليمية، إلى جانب نقص مياه الشرب والسبورات والكهرباء والإنترنت والموارد التشغيلية.

ويبيّن صافي للميادين نت أنّ الطلاب يدرسون ثلاثة أيام أسبوعيًا ويتلقون أربع مواد أساسية بدلًا من دراسة المنهاج الكامل، في محاولة للحد من الفاقد التعليمي والحفاظ على صلتهم بالتعليم، برغم اختلاف الواقع المدرسي جذريًا عن مرحلة ما قبل الحرب.

اخترنا لك