بعد الإخفاق في "علي الطاهر".. نار الاحتلال تنتقم من المدنيين جنوب لبنان
برغم وقف إطلاق النار الأميركي – الإيراني، شهد جنوب لبنان تصعيداً إسرائيلياً دامياً خلّف عشرات الضحايا، بالتزامن مع معارك محتدمة حول مرتفعات علي الطاهر ذات الأهمية العسكرية والتاريخية.
-
بعد الإخفاق في "علي الطاهر".. نار الاحتلال تنتقم من المدنيين جنوب لبنان
على الرغم من الإعلان عن وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران في الخامس عشر من حزيران/يونيو الجاري، واصل الاحتلال الإسرائيلي عدوانه على البلدات الجنوبية، ولا سيما قرى قضاء النبطية، في تصعيد عسكري يُعدّ الأعنف منذ أسابيع، لتتوالى بعدها موجة واسعة من الاعتداءات التي طالت المدنيين في أكثر من بلدة.
وفي هذا السياق، شهدت ليلة الخميس ويوم الجمعة الماضيين تصعيداً غير مسبوق، حيث كثّف الاحتلال غاراته الجوية وقصفه المدفعي، موسّعاً نطاق استهدافه ليشمل مناطق سكنية مأهولة وصولاً إلى البقاع، ما أدى إلى ارتكاب مجازر جديدة بحق المدنيين. وأسفرت هذه الاعتداءات، خلال أقل من أربع وعشرين ساعة، عن ارتقاء 47 شهيداً، بينهم 35 في الجنوب و12 في البقاع، إضافة إلى ما لا يقل عن 97 جريحاً.
وفي حين برّر الاحتلال هذا التصعيد بادعاء الرد على "خروقات المقاومة" للاتفاق، تشير المعطيات الميدانية إلى أن العمليات جاءت في سياق استمرار المواجهات ومحاولات التقدم والسيطرة على مرتفعات علي الطاهر في قضاء النبطية، مع ما رافق ذلك من استهداف واسع للقرى المأهولة بالسكان، في ظل عجزه عن تحقيق أهدافه العسكرية على الأرض.
ومع اتساع رقعة القصف، تتقاطع شهادات الأهالي في توصيف المشهد الميداني. تستعيد فاطمة مشيمش، ابنة بلدة كفرصير، اللحظات الأخيرة مع صديقتها الشهيدة فاطمة ضحوي، قائلة إنهم حاولوا مغادرة القرية تحت وطأة القصف والنيران، واستغرقت رحلة خروجهم نحو أربع ساعات بسبب كثافة الاستهداف.
وتضيف أن فاطمة كانت، قبل دقائق من استشهادها، ترسل رسائل دعم ومؤازرة للمقاومة، قبل أن يسقط صاروخان على منزلها، فتستشهد مع والدتها سميرة منتش.
وتتابع أن جثمان فاطمة بقي لساعات تحت الأنقاض، قبل أن تتمكن فرق الإنقاذ من الوصول إليه وانتشاله.
View this post on Instagram
من جهته، يروي المواطن حسن شعيب، ابن بلدة الشرقية، أن الوضع بقي حتى ساعات بعد ظهر الخميس ضمن حدود مقبولة نسبياً، قبل أن ينفجر التصعيد مع اشتداد القصف المدفعي وتكثيف الغارات الجوية على النبطية الفوقا وكفرتبنيت، بالتزامن مع محاولات تقدم قوات الاحتلال.
ويضيف أن هذا التصعيد أدى إلى وقوع مجازر في بلدتي حاروف والشرقية، مخلفاً شهداء وجرحى، فيما تسببت كثافة الغارات بحالة من الذعر الشديد بين الأهالي دفعت كثيرين منهم إلى النزوح مجدداً.
ويؤكد أن هذا التصعيد الإسرائيلي جاء نتيجة "فشل القوات الإسرائيلية في السيطرة على تلة علي الطاهر، فقررت أن تفرغ حقدها باستهداف المدنيين".
ومن بلدة عربصاليم، يروي المواطن حسن سعادي أن ليلتهم تحولت إلى ساعات من الرعب مع بدء الغارات الجوية قرابة الثالثة فجراً واشتداد القصف المدفعي، ما أجبر الأهالي على مغادرة منازلهم على عجل. ويصف مشهداً صادماً شاهده أثناء النزوح، حيث دُمّر منزل بغارة إسرائيلية، وبجانبه سيارة مشتعلة كانت تقل أفراداً من عائلة واحدة قضوا أثناء محاولتهم الفرار، فيما حالت كثافة المسيّرات في الأجواء دون أي محاولة للإنقاذ أو وصول فرق الإسعاف.
ومن بلدة أنصار، تستعيد مَي تفاصيل الأيام التي تلت وقف إطلاق النار، مشيرة إلى أن التصعيد بدأ مساء الإثنين، لكنه بلغ ذروته ليلة الخميس وفجر الجمعة، مع استمرار القصف المدفعي والغارات الجوية والغارات الوهمية وإطلاق البالونات الحرارية التي كانت تُرى بالعين المجردة، ما أبقى الأهالي في حالة ترقب وخوف دائم.
وتضيف أن الحديث عن مجازر في أكثر من بلدة زاد من حالة الهلع، في وقت كانت فيه الطائرات المسيّرة تستهدف حركة النزوح، ما جعل التنقل بين القرى محفوفاً بالمخاطر، لتبقى تلك الساعات، بحسب وصفها، امتداداً لمشاهد "الاثنين الأسود" في 23 أيلول/سبتمبر 2024.
لماذا "علي الطاهر"؟
وتتقاطع هذه الشهادات مع تصعيد أوسع مرتبط بمحاولات السيطرة الإسرائيلية على مرتفعات علي الطاهر، بسبب الأهمية الاستراتيجية والتاريخية لهذا الموقع.
فالجبل، الذي يرتفع نحو 600 متر فوق سطح البحر، يشرف على كفرتبنيت والنبطية الفوقا ومدينة النبطية، ويضم مقام الولي علي الطاهر الذي يعود تاريخه إلى أكثر من ثلاثة قرون، ما أكسبه قيمة دينية واجتماعية إلى جانب موقعه الجغرافي الحساس الذي يطل على مساحات واسعة من الجنوب.
وخلال فترة الاحتلال الإسرائيلي للجنوب، حُوّل المقام إلى موقع عسكري محصن بعد تدمير أجزاء كبيرة منه، واستخدم لقصف النبطية والقرى المحيطة وارتكاب اعتداءات عدة، أبرزها مجزرة الباص المدرسي عام 1993. وبعد الانسحاب الإسرائيلي عام 2000، عاد الأهالي ليجدوا المقام مدمّراً بعدما طال التخريب قبته ومرافقه.
ويُشار إلى أن موقع علي الطاهر لم يشهد تاريخياً سوى عملية اقتحام واسعة واحدة عام 1987، وبرغم تمكن المقاومة آنذاك من السيطرة عليه، فإن طبيعة الجغرافيا المكشوفة للمنطقة جعلت المقاومين عرضة لاستهداف المواقع المحيطة، مثل الدبشة والطهرة، ما أدى إلى سقوط عدد من الشهداء نتيجة القصف المدفعي والهجمات المركزة.
ومع استمرار العدوان الأخير، عاد جبل علي الطاهر ليشكّل محوراً رئيسياً للمواجهات، إذ تعرض لسلسلة مكثفة من الغارات والأحزمة النارية والقصف المدفعي، كما حاول الاحتلال التقدم والسيطرة عليه عبر المحاور التي كان يعتمدها خلال فترة احتلاله السابقة، مستفيداً من موقعه المشرف على مساحات واسعة من الجنوب. إلا أن المواجهات العنيفة حالت دون تحقيق هذا الهدف، ليبقى الجبل أحد أبرز المواقع التي تجمع بين الرمزية الدينية والأهمية العسكرية في قضاء النبطية.