المقاومة في وجدان المصريين: كيف يرى المصريون حرب إيران ولبنان؟
يعكس الشارع المصري تعاطفاً واسعاً مع المقاومة في لبنان وإيران، مدفوعاً بذاكرة تاريخية وصورةٍ متجذّرة للصراع مع الاحتلال، وبحثٍ مستمر عن نموذج مقاوم يعيد الاعتبار للكرامة العربية.
-
المقاومة في وجدان المصريين: كيف يرى المصريون حرب إيران ولبنان؟
في إحدى زوايا مقهى قديم في وسط القاهرة، جلس فتحي فؤاد يتصفّح هاتفه المحمول، وعيناه تلاحقان الأخبار المتسارعة عن المواجهة الدائرة في جنوب لبنان. كان يتابع بشغفٍ ما يصفه بـ"الملحمة البطولية" التي تسطّرها المقاومة اللبنانية في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، مهلّلاً مع كل خبر عن إصابة هدف أو قصف مستوطنة.
فؤاد، وهو معلّم تاريخ في إحدى مدارس القاهرة، يواكب أيضاً تطورات الحرب الإسرائيلية – الأميركية على إيران، ويرى في ما يجري امتداداً لمعركة واحدة في المنطقة. وفي حديثه، يعبّر عن تعاطفٍ كبير مع الواقع الإنساني لأهالي الجنوب اللبناني، سواء الصامدين أو النازحين، مؤكداً دعمه للمقاومة باعتبارها تدافع عن الأرض والكرامة.
دعم المقاومة "فرض عين" على كل عربي
يقول فؤاد إن دعم المقاومة "فرض عين" على كل عربي، طالما أن المواجهة مع الاحتلال، مضيفاً أن هذا الاحتلال "لا يفهم إلا لغة القوة". كما يدعو إلى توحيد الصف العربي والإسلامي في مواجهة ما يعتبره مخططات توسعية، محذّراً من أن التراخي قد يفتح الباب أمام اعتداءات أوسع تطال المنطقة بأسرها.
هذا الموقف لا يقتصر على فؤاد وحده، بل يعكس مزاجاً عاماً لدى شريحة واسعة من المصريين. ففي ميدان محمد فريد، يعبّر الشاب علي فضل الله فتوح (21 عاماً) عن إعجابه بما يسميه "الصمود الأسطوري" لمحور المقاومة في لبنان وإيران واليمن. ويستحضر في حديثه صور الحرب في غزة، معتبراً أن ما يجري يشكّل نوعاً من "استعادة الثأر" في مواجهة "إسرائيل"، المرتبط في الوعي المصري بتاريخ طويل من الصراع، منذ عام 1967 وصولاً إلى حرب أكتوبر 1973.
ويضيف فتوح أن كثيرين في مصر ينظرون إلى حزب الله بوصفه "بندقية لبنان" التي تحمي الأرض والسيادة، مشيراً إلى أن تجارب سابقة، كتحرير جنوب لبنان عام 2000 وحرب تموز 2006، رسّخت هذه الصورة في الوعي الشعبي.
ويمتد هذا التعاطف ليشمل أجيالاً شابة، كما تعبّر الطالبة سلمى طارق من جامعة عين شمس، التي ترى في صمود المقاومة إعادة صياغة لمعنى الكرامة العربية، و"صموداً حضارياً" يتجاوز البعد العسكري. وتوجّه رسالة إلى أهالي الجنوب اللبناني، تؤكد فيها أن إرادة الشعوب أقوى من آلة الحرب، وأن التضحيات تبشّر بزوال مشاريع الاحتلال.
في المقابل، لا يغيب البعد الإنساني والعاطفي عن هذا المشهد. ففي منطقة عابدين، يجلس الحاج أحمد الطرزي (70 عاماً) أمام شاشة التلفاز، يتابع تفاصيل المعارك، مستعيداً في ذاكرته أخاه الذي استشهد في حروب سيناء. بالنسبة إليه، كل استهداف لـ"إسرائيل" يحمل بعداً شخصياً، كأنه امتداد لذاكرة لم تُغلق بعد.
وتشاركه زوجته الحاجة زينب هذا الشعور، مؤكدة أن معاناة الحرب، برغم قسوتها وارتفاع تكاليف المعيشة، لا تلغي قناعتها بأن صمود الشعوب هو السبيل الوحيد لمواجهة الاحتلال. وتقول إن اللبنانيين، برغم الألم، قادرون على كسر إرادة العدوان.
ولا ينفصل هذا المزاج الشعبي عن سياق أوسع من التفاعل العام في مصر، حيث شهدت وسائل التواصل الاجتماعي نقاشات يومية عكست تعاطفاً واسعاً مع لبنان وإيران، بوصفهما جزءاً من محور يواجه "إسرائيل". وتُظهر هذه النقاشات امتداد القضية الفلسطينية كعنصر مركزي في تشكيل الوعي الجمعي، حيث يُنظر إلى أي مواجهة مع إسرائيل باعتبارها دفاعاً عن "الأمة" بأسرها.
في هذا السياق، يرى البعض أن هذا التعاطف يرتبط أيضاً بحالة من الإحباط المتراكم في العالم العربي، والبحث عن نموذج قادر على مواجهة "إسرائيل". ويعبّر الطبيب مجدي أحمد عن هذا التوجّه، معتبراً أن الصراع الحالي يتجاوز حدوده المباشرة، ليشكّل محاولة لإعادة رسم موازين القوى في المنطقة، بما يكرّس هيمنة "إسرائيل" إن لم يُواجَه.
ويضيف أن دعم إيران ومحور المقاومة ينبع من اعتبارهما "حاجزاً أخيراً" أمام هذا المشروع، فيما يذهب آخرون إلى اعتبار أن هذا التعاطف هو تعبير عن هوية عربية – إسلامية ترى في مقاومة الاحتلال قيمة مركزية لا يمكن التفريط بها.