العراق ودائرة النار: تداعيات الحرب على الأمن والاقتصاد

شكّل اتفاق وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين بين إيران والولايات المتحدة بارقة أمل للعراقيين الذين يعتبرون أن إنهاء الحرب هو الحل الأمثل لتجنيب بلادهم نتائج كارثية تتعدى الخسائر البشرية والمادية.

0:00
  • العراق ودائرة النار: تداعيات الحرب على الأمن والاقتصاد
    العراق ودائرة النار: تداعيات الحرب على الأمن والاقتصاد

بين ليلة وضحاها، وجد العراقيون أنفسهم في قلب معادلة عسكرية معقدة، بفعل الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران، وهو ما انعكس سلباً على حياتهم اليومية، وسط مخاوف شعبية من الانزلاق الكامل إلى دوامة الحرب.

ويتموضع العراق في موقع جغرافي وسياسي بالغ الحساسية، لا يمكن أن يكون فيه طرفاً محايداً، حيث تتشابك التطورات الخارجية بالتحديات الداخلية، وخصوصاً ما يتعلق بالأمن والاقتصاد، وهو ما يطرح تساؤلات حول مدى قدرة بغداد على تجنيب العراقيين تبعات الحرب.

السماء العراقية أصبحت خلال الحرب ساحة مستباحة للطائرات الأميركية والإسرائيلية التي شنت هجمات على العمق الإيراني، كما نفذت تلك الطائرات أيضاً غارات على مواقع عسكرية ومدنية داخل العراق، ولم تقتصر الغارات على مواقع الحشد الشعبي، بل طالت أيضاً مقرات الجيش العراقي.

ورأى كثير من العراقيين أن الوقوف إلى جانب الجمهورية الإسلامية الإيرانية بمواجهة الحرب المفروضة عليها واجب أخلاقي، ولذلك خرجت تظاهرات شعبية عديدة في محافظات مختلفة تندد بالعدوان الأميركي - الإسرائيلي والجرائم التي ارتُكبت بحق الشعبين الإيراني والعراقي، كما تم تنظيم حملات لجمع التبرعات للشعبين الإيراني واللبناني، استجابة لفتوى المرجعية الدينية العليا في دعم المنكوبين جرّاء الحرب.

النأي بالنفس غير ممكن

تعددت الآراء بين العراقيين حول الموقف المواجهة العسكرية بين إيران والولايات المتحدة و"إسرائيل"، فبينما اعتبر البعض أن النأي بالنفس هو أفضل طريقة لتجنب تبعات الحرب، رأى آخرون أن العراق يعيش في نقطة غليان عسكري تنتظر الانفجار في أيّ لحظة، في حين رأى فريق آخر أن العراق دخل فعلياً في الحرب نتيجة الانتهاكات الأميركية والاستباحة المستمرة للسيادة العراقية.

وأشار جابر الحسين (46 عاماً) في حديثه للميادين نت إلى أن النأي بالنفس غير ممكن، خاصّة مع ارتفاع عدد الشهداء العراقيين من عناصر الجيش والحشد الشعبي، إضافة إلى ارتفاع عدد الغارات الأميركية على مواقع مدنية وعسكرية في مختلف المحافظات.

ورأى أستاذ اللغة العربية أن ما قامت به فصائل المقاومة من استهداف للقواعد الأميركية كان رد فعل طبيعي على الدماء البريئة التي سالت في العراق منذ بداية الحرب، كما أن الاكتفاء بالتصريحات والتنديد عبر وسائل الإعلام لن يردع الولايات المتحدة و"إسرائيل" عن شن المزيد من الهجمات.

ويقول: "في قطاع غزة استمر الجيش الإسرائيلي بقتل الفلسطينيين العزّل لمدة 3 سنوات كاملة بدون رقيب أو حسيب، فما الذي فعلته التنديدات والتصريحات؟ هل أوقفت آلة القتل؟".

ونوّه الحسين إلى أن العراقيين لا يريدون الحرب بسبب تكاليفها المرتفعة أمنياً واقتصادياً واجتماعياً، لكنهم لا يريدون أيضاً أن يُستباح وطنهم ويُقتل شبابهم، أو أن تكون أرضهم منطلقاً للاعتداء على دول أخرى.

ضرورة إبعاد شبح الحرب

عاش العراقيون خلال السنوات القليلة الماضية حالة من الاستقرار السياسي والأمني، انعكست بشكل إيجابي على الوضع الاجتماعي والاقتصادي، حيث بدأت السياحة باستعادة الانتعاش تدريجياً، وعادت عجلة الإنتاج للدوران، كما شهدت الأسواق المحلية ارتفاع معدلات التبادلات التجارية.

وجاءت حالة الاستقرار بعد سنوات مضنية في أتون الحرب، التي أنهكت العراق سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، ولذلك ترى شريحة واسعة من العراقيين أن العودة إلى زمن اللا استقرار ستكون مكلفة على كافة الأصعدة، ولذلك يجب العمل على منع جرّ العراق نحو أيّ حرب بأيّ شكل من الأشكال. 

وفي هذا السياق، أكد حسين المعموري (34 عاماً) للميادين نت أن المسؤولية الأكبر في منع انزلاق العراق نحو الحرب تقع على عاتق الحكومة، التي يجب أن تكون حاضرة سياسياً وعسكرياً لمنع استباحة سيادة الدولة، خاصّة من الولايات المتحدة وكيان الاحتلال.

ورأى المعموري أن الخطوة الأولى يجب أن تكون في إنهاء الوجود العسكري الأميركي على الأراضي العراقية، حيث تعمل القوات الأميركية بمثابة خلايا تجسس ومراقبة، وتساهم في الحد من سيطرة الدولة على قرارها الوطني، وأضاف: "العراق اليوم ليس بحاجة إلى الولايات المتحدة لا عسكرياً ولا استشارياً، فأميركا لم تجلب للعراق إلا الخراب"، حسب تعبيره.

تثبيت وقف إطلاق نار

شكّل اتفاق وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين بين إيران والولايات المتحدة بارقة أمل للعراقيين الذين يعتبرون أن إنهاء الحرب هو الحل الأمثل لتجنيب بلادهم نتائج كارثية تتعدى الخسائر البشرية والمادية.

وفي هذا السياق، تؤكد بعض الآراء إلى أن استمرار الحرب سينعكس على الوضع الداخلي حتماً، وقد يؤدي إلى حدوث انقسام سياسي داخل البلد، ولذلك يجب أن يكون العراق طرفاً فاعلاً في الجهود الإقليمية والدولية لإنهاء الحرب، وترسيخ حالة الأمن والاستقرار الإقليمي.

تقول الطبيبة سندس عبد المولى (36 عاماً) للميادين نت إن آثار الحرب تجلّت في الوضع الاقتصادي والمعيشي، حيث شهدت الأسواق المحلية ارتفاعاً كبيراً في أسعار المواد الغذائية والاستهلاكية، إضافة إلى تدنّي جودة الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والغاز.

وترى عبد المولى أن تثبيت حالة إنهاء الحرب والحد من أثارها السياسية والاقتصادية هو الطريق الأمثل لتأمين البيئة الداخلية وتحصينها، وتضيف: "من الواضح أن دولاً عديدة في العالم بدأت تتأثر بالحرب وإغلاق مضيق هرمز، وهي تريد تثبيت إيقاف العمليات العسكرية، وهذا الأمر ينطبق على العراق أيضاً، لأنه يعاني من ضعف المقومات وغياب الإمكانات التي تخوّله العيش في شبح الحرب لفترة زمنية طويلة".

لا يخفى على أحد أن العراق يعيش منذ الغزو الأميركي حالة من الفوضى السياسية والأمنية والاقتصادية، لكنه أثبت خلال السنوات القليلة الماضية قدرته على تجاوز آثار الحرب والفوضى، ونجح في بناء دولة مستقرة إلى حدٍ ما، وذلك ما كان ليتم لولا التضحيات التي قدّمها أبناؤه من المدنيين والعسكريين، وهو اليوم يدفع أيضاً ثمناً كبيراً لبناء المستقبل وصون السيادة الوطنية.

اخترنا لك