السيولة المجمّدة: ودائع قياسية في غزة برغم الفقر والدمار

قفزت ودائع البنوك في قطاع غزة بنسبة 178% منذ بدء الحرب، في مفارقة تعكس تكدّساً قسرياً للسيولة وخوفاً على رأس المال، لا تعافياً اقتصادياً، وسط شلل الأسواق وأزمة نقد خانقة.

0:00
  • السيولة المجمّدة: ودائع قياسية في غزة برغم الفقر والدمار
    السيولة المجمّدة: ودائع قياسية في غزة برغم الفقر والدمار

سجّلت ودائع البنوك العاملة في قطاع غزة ارتفاعاً غير مسبوق، في مفارقة اقتصادية لافتة تتناقض مع واقع الفقر والبطالة والدمار الواسع، والانهيار شبه الكامل لمقومات الحياة الاقتصادية. فقد أدت الحرب الإسرائيلية إلى شلل الأسواق، وتراجع حاد في النشاط الإنتاجي، وتعطّل شبه كامل للنشاط الاقتصادي والمصرفي، بالإضافة إلى تدمير آلاف المنشآت التجارية. 

أظهرت بيانات سلطة النقد الفلسطينية أن ودائع عملاء البنوك في غزة ارتفعت بنسبة 178% منذ بداية الحرب وحتى نهاية آب/أغسطس 2025، صاعدة من 1.745 مليار دولار في تشرين الأول/أكتوبر 2023 إلى نحو 4.84 مليار دولار. وقد أثار هذا الارتفاع تساؤلات واسعة حول أسبابه وطبيعته، وانعكاساته على الواقعين الاقتصادي والمعيشي للسكان.

ويرى خبراء اقتصاديون أنّ هذا الارتفاع لا يعكس تعافياً اقتصادياً، بل تكدّساً قسرياً للسيولة في ظل شلل الأسواق وتوقف الأعمال، وارتفاع عمليات "التكييش"، إلى جانب تدفّق تحويلات المغتربين.

تكدّس الأموال

يُمثّل الفلسطيني هادي صبح، الموظف في إحدى المؤسسات الإغاثية الدولية، نموذجاً صارخاً للتحديات التي يواجهها المودعون في غزة خلال الحرب التي اندلعت في تشرين الأول/أكتوبر 2023. فقد واجه صبح، مثل آلاف الموظفين والمواطنين، صعوبة بالغة في سحب راتبه وسط الإغلاقات المتكررة للبنوك وأزمة سيولة خانقة شلّت النظام المصرفي بالكامل.

وخلال هذه الفترة، ارتفعت عمولات السحب النقدي عبر التجّار إلى مستويات قياسية، وصلت في بعض الحالات إلى 52%، ما يعني عملياً أنّ الموظف كان يخسر نصف راتبه للحصول على أمواله نقداً، ليصبح الحصول على الراتب معركة يومية بقدر ما هو حق أساسي.

يقول صبح في حديثه إلى الميادين نت: "في الأشهر الأولى للحرب، اضطررت للإنفاق من مدخراتي السابقة لتلبية احتياجات أسرتي، ومع استمرار إغلاق البنك لفترات طويلة، اضطررت إلى بيع ذهب زوجتي لتوفير السيولة"، مضيفاً: "كنت أرفض استغلال تجار العمولات، فكان حسابي المصرفي يتراكم بدون أن أتمكن من سحبه".

ويوضح صبح أنّه "برغم تراجع حدة أزمة التكييش مؤخراً، لا تزال السيولة محدودة، وأنا بانتظار إعادة فتح البنوك لأتمكن من سحب راتبي والاستفادة من أموالي بشكل طبيعي"، مؤكداً أنّ "أول ما سأفعله عند توفر إمكانية السحب والإيداع هو سحب أموالي وشراء الذهب، لأنه منحني عائداً أفضل من حسابي المصرفي".

البنوك ملاذ آمن

أما المواطن عاهد خليفة فيروي للميادين نت تجربته مع البنوك في قطاع غزة قائلاً: "قبل الحرب كان لدي مبلغ كبير من المال بعد أن بعت أرضي التي أملكها لشراء بيت أكبر، لكن مع شنّ الاحتلال عدوانه على القطاع وقصف البيوت، أدركت أن الاحتفاظ بالمال في المنزل لم يعد خياراً آمناً".

لذلك قرر خليفة إيداع ماله في البنك، معتبراً أنّ ذلك أكثر أماناً وسط القصف المستمر، وكان ذلك أفضل من خسارتها تحت الأنقاض والركام، برغم صعوبة سحب الأموال في بعض الأحيان.

ويلفت خليفة إلى أنّ هذا الوضع لا يفيد المودعين فقط، بل ينعكس أيضاً على البنوك، التي تستفيد من تكدّس السيولة داخل حسابات المواطنين، وهو ما يفسر جزئياً الارتفاع الكبير والمستمر في حجم الودائع خلال هذه الفترة.

حماية رأس المال

بدوره، يؤكد التاجر بهاء ثابت من مدينة غزة، يعمل في تجارة المفروشات منذ أكثر من 20 عاماً، كان يعتمد على الأموال النقدية لتجديد بضاعته وشراء شحنات جديدة. ومع اندلاع الحرب وتصاعد القصف العشوائي على المنازل والمحلات التجارية، أدرك أنّ النقود التي يحتفظ بها لم تعد آمنة، وأن الاحتفاظ بها في المنزل أصبح محفوفاً بالمخاطر.

يقول ثابت للميادين نت، إنّه "كان عليّ أن أجد طريقة لحماية رأسمالي من الضياع"، مبيناً أنّه اضطر لإعادة النظر في استراتيجياته المالية، فاتّجه إلى إيداع أمواله في البنك كحل آمن، برغم صعوبة الوصول إليها أو استخدامها في النشاط التجاري.

ويؤكد ثابت أنّ هذا القرار لم يكن استثنائياً، بل يعكس تجربة مشتركة بين العديد من التجار ورجال الأعمال في غزة، الذين فضّلوا حماية سيولتهم المالية داخل البنوك، ما ساهم بشكل مباشر في زيادة حجم الودائع في القطاع برغم توقف الحركة الاقتصادية والنشاط التجاري.

تحول سلوك المودعين

في حديثه إلى الميادين نت، يؤكد موظف في أحد البنوك العاملة في قطاع غزة أنّ الحرب أحدثت تغيّراً كبيراً في سلوك المودعين بسبب عدم وجود أمان، مشيراً إلى أنّ فتح الحسابات الجديدة وتحويل الأموال من المنازل إلى البنوك شهد تزايداً غير مسبوق، خصوصاً بين الموظفين الحكوميين وأصحاب التحويلات من الخارج.

ويتابع: "الناس يسعون لضمان أن تبقى أموالهم آمنة، حتى لو لم يتمكنوا من الوصول إليها بسهولة"، مشيراً إلى أنّ هذا التوجه يعكس حالة من القلق المتزايد بين المواطنين، حيث أصبحت البنوك الملاذ الأكثر أماناً للمدخرات، برغم قيود السحب.

ويؤكد الموظف أنّ ارتفاع الإيداعات وحركة الحسابات ساهم بشكل مباشر في تضخم حجم الودائع بشكل غير مسبوق منذ بداية الحرب، في ظل تراجع النشاط التجاري والاستثماري في غزة.

ودائع مرتفعة وسيولة مجمّدة

من جانبه، يؤكد الخبير الاقتصادي أحمد أبو قمر أنّ من أبرز المفارقات الاقتصادية للحرب الإسرائيلية على قطاع غزة ارتفاع حجم ودائع المواطنين في البنوك المحلية بشكل غير مسبوق، برغم الانهيار شبه الكامل للنشاط الاقتصادي والمصرفي وتدمير آلاف المنشآت التجارية.

ويطرح أبو قمر تساؤلاً للميادين نت: "كيف تتضخم الأموال في بيئة ينهار فيها الاقتصاد وتغيب فيها فرص العمل والاستثمار؟"، مشيراً إلى أنّ هذا الارتفاع يعكس واقع "اقتصاد مكبوت"، حيث تحولت الحسابات البنكية إلى خزائن مغلقة بسبب أزمة السيولة والخوف من فقدان الأموال.

ويعزو أبو قمر ارتفاع الودائع إلى عدة عوامل متشابكة، أبرزها خوف المواطنين والتجار الذين لجأوا إلى إيداع أموالهم في البنوك مع بداية الحرب لحمايتها من القصف أو السرقة، كما لعبت أزمة السيولة وارتفاع نسب "التكييش" دوراً في تراكم الرواتب والأموال داخل الحسابات، في حين لجأت بعض الأسر إلى بيع الذهب والأصول للحصول على سيولة نقدية.

ويبين الخبير أنّ تحويلات المغتربين بقي جزء كبير منها داخل الحسابات بسبب صعوبة السحب، كما أنّ توقف السوق العقارية والاستثمارية ألغى فرص شراء العقارات أو تنفيذ المشاريع الصغيرة، ما دفع المواطنين إلى الاحتفاظ بأموالهم في البنوك انتظاراً لتطورات المشهد السياسي والاقتصادي.

ويلفت أبو قمر إلى أنّ ارتفاع الودائع ليس مؤشراً على نمو اقتصادي، بل تجميد قسري للسيولة يعكس هشاشة الاقتصاد وصعوبة تحويل الأموال إلى إنتاج أو استثمار، محذراً من أنّ قراءة أرقام الودائع بمعزل عن الواقع الميداني قد تكون مضللة لأنها تخفي عمق الأزمة بدل أن تكشف بوادر حلها.

هذا الواقع يعكس مفارقة صعبة: ارتفاع الودائع البنكية في قطاع يعاني من الدمار والفقر المدقع، حيث المواطنون يواجهون صعوبة في الحصول على السيولة النقدية لتلبية احتياجاتهم اليومية، بينما أموالهم تتكدس في البنوك. كما يبرز تأثير الحرب النفسي على السلوك المالي، إذ باتت البنوك الملاذ الآمن الوحيد، حتى لو كان الوصول إلى الأموال محدوداً.

اخترنا لك