الجنوبيون وذاكرة الأرض المحروقة: مواجهة اقتلاع المهد وتأليب الحاضنة

تتحول الحرب في لبنان إلى نموذج يستهدف المجتمع بكل مكوناته، من البيئة والاقتصاد إلى الهوية والذاكرة، بهدف تفكيك الحاضنة الاجتماعية وإعادة تشكيلها

  • تدمير جسر القاسمية الذي يربط بيروت بجنوب لبنان
    تدمير جسر القاسمية الذي يربط بيروت بجنوب لبنان

تجاوزت الحرب في معناها السوسيولوجي استهداف الجيوش. ومع مفاجآت الحرب الميدانية، واعتراف الرئيس الأميركي دونالد ترامب بتلك المفاجآت حين قال إنه لم يتوقع أبداً رد الفعل الإيراني، بات التركيز الحربي آخذاً بالميل المتزايد نحو استهداف الشروط الاجتماعية للحياة ذاتها. 

الهدف الكبير الآن ليس تدمير القدرات العسكرية لإيران والمقاومة فحسب، بل تفكيك البنية الاجتماعية التي تنتج تلك القدرات وتعيد إنتاجها. ضمن هذا التحول، أصبحت القرى، المدارس، البيئة، الاقتصاد المحلي، وحتى الذاكرة الجمعية، "أهدافاً مشروعة" ضمن منطق الحرب.

انطلاقاً من هذه القاعدة، انتقل السلوك العنفي إلى الساحة اللبنانية في سياق العدوان الإسرائيلي على البلاد، إذ تتكثّف أنماط من العنف الإسرائيلي تشير إلى انتقال واضح من نموذج العدوان العسكري إلى نموذج الحرب ضد المجتمع، حيث تتكامل أدوات التهجير، التدمير البيئي، ضرب الاقتصاد، وتفكيك البنى التحتية، ضمن استراتيجية ذات أبعاد اجتماعية ونفسية عميقة.

الحرب الإسرائيلية كعملية إعادة هندسة اجتماعية

في أدبيات علم الاجتماع السياسي، خصوصاً لدى ميشال فوكو وجورجيو أغامبن، يُفهم العنف السيادي بوصفه قدرة على إدارة الحياة والموت. وفي هذا السياق، تُمارس القوة عبر القتل المباشر من جهة، ومن جهة أخرى عبر إعادة تشكيل شروط البقاء، بحيث تستهدف من يعيشون، وأين يعيشون، وكيف يعيش هؤلاء وتحت أي شروط، وما هي الموارد المتاحة لهم.

في الطرح الأوسع، يظهّر بيير بورديو مفهوم "العنف الرمزي"، حيث يتجاوز العنف مسألة التدمير المادي إلى تفكيك المعاني والروابط الاجتماعية. وعند إسقاط هذه المفاهيم على الحالة اللبنانية، يصبح واضحاً أن ما يجري يتجاوز العمليات العسكرية إلى إعادة تشكيل المجال الاجتماعي اللبناني، خصوصاً في الجنوب والمناطق الحدودية، وفي مجتمع المقاومة كله، ومن حوله.

هكذا يتم تحويل التهجير القسري إلى عملية تفريغ المكان من معناه الاجتماعي والإنساني. التهجير هنا أداة تفكيك، أكثر منها عملية دفع سكاني إلى حيز جغرافي آخر لأغراض الحرب والعدوان. أي اقتلاع بالقوة للشبكة الاجتماعية التي تعبّر عن المكان، وعن الإحساس بالحق والانتماء إلى الأرض. وهذا يستهدف بالتفصيل العائلة الممتدة، والروابط القروية والمحلية، والاقتصاد المحلي والذاكرة المكانية للشعب.

وتشير التقارير الأممية والمحلية في هذا السياق إلى عمليات نزوح واسعة متناسبة مع حجم الجرائم المرتكبة بحق المدنيين في هذه الحرب، ما أدى إلى إخلاء شبه كامل لبعض المناطق الحدودية.

إعادة رسمٍ غير معلنة للديموغرافيا

إن النتائج السوسيولوجية المطلوبة إسرائيلياً من هذه الحرب تتوافق مع الأفكار اللاهوتية والاستراتيجية التي تفوح رائحتها من دوائر القرار في "إسرائيل"، والتي تمتد عبر الأرض إلى فريق متناغمٍ مع هذه الأفكار في الولايات المتحدة الأميركية.

وفي أولها يوضع هدف تفكيك النسيج الاجتماعي، وتقويض العلاقات اليومية التي تشكل رأس المال الاجتماعي، وتحويل السكان إلى أفرادٍ معزولين ومذعورين، في بيئات حضرية غير متجانسة، وإضعاف قدرة هؤلاء على التنظيم الجماعي.

إنها عملية أشبه ما تكون بأداة لإعادة رسم الجغرافيا السياسية والاجتماعية، عبر خلق مناطق فراغ بشري (Human Vacuum Zones)، وهو مفهوم ناقشته دراسات سسيولوجية كثيرة في سياق بحثها لديناميات الحروب غير المتكافئة. وتغطي "إسرائيل" على هذه العملية وعلى ذاك المفهوم، بتعبيرات عسكرية وأمنية أخرى، مثل "المناطق العازلة"، أو "الأحزمة الأمنية"، لتسهيل ابتلاعه ضمن سردية حماية أمن المستوطنين.

تدمير معالم الحياة

تعتبر القرية كياناً اجتماعياً قائماً بذاته، فهي ليست تجمعاً سكانياً يعبر عن مجموع السكان الذين يعيشون في إطاره. والقرى اللبنانية لطالما كانت وحدات إنتاج اقتصادي، تنشط فيها الزراعة والتجارة المحلية. وهي فضاءات تختزن الهوية والانتماء، وحواضن للذاكرة الجماعية. وبهذا المعنى يكون استهدافها محاولة لتفكيك وحدة اجتماعية متكاملة.

ثم إنها بمعنى آخر متلازم، عملية تدمير للذاكرة الاجتماعية المتراكمة في هذه الأطر، إذ تختزن الحرب بعداً رمزياً يهدف إلى محو الذاكرة وارتباط الناس بالأرض، وإعادة تعريف المكان كمساحةٍ غير قابلةٍ للحياة.

ولهذا الأمر تأثير كبير على الهوية، حيث يتوقع المعتدي أن يؤدي العنف إلى فقدان الإحساس بالاستمرارية التاريخية لهم على الأرض نفسها التي عاش عليها أجدادهم، وتآكل هويتهم المحلية المستمرة هناك، وصعود هويات بديلة نرى رموزها على الكثير من الشاشات والمنصات، وهم الذين يحاولون بجهدٍ كبير إلى تفعيل النقاش الهوياتي وتحويلة إلى مسارب طائفية ومدينية، وفردانية، يدعون من خلالها الناس إلى التفكير بنمطٍ فرداني، يطلبون في سياقه النجاة الفردية في كنف الاستسلام الجماعي.

لكن تلك ليست الناحية الأكثر تظهيراً للجريمة المستمرة، بل إنها واحدة فقط من الجوانب التي نتهجها "إسرائيل". الجانب الآخر، يرتبط بالحرب البيئية.

الحرب البيئية

تستخدم "إسرائيل" في جنوب لبنان المواد الكيميائية منذ ما قبل الجولة الحالية من العدوان، وهي تحول الطبيعة إلى ساحة للعقاب الجماعي، بهدفٍ علني هو تدمير الغطاء النباتي، لكن بمفاعيل أوسع تؤدي إلى تلويث التربة والقضاء على الزراعة.

لقد حولت "إسرائيل" البيئة إلى هدف مباشر في حربها على لبنان، حين استهدفت الاقتصاد الزراعي، وهو عمودٌ أساسي في الجنوب، ثم تهدف إلى إجبار السكان على النزوح لاحقاً بسبب عدم قابلية الأرض للزراعة، وانتفاء عوامل الصمود، كما تحسب في تطلعاتها للمنطقة. هي محاولة، وإن كانت لا تبدو ناجحةً عند أخذ تاريخ المنطقة وطبيعة السكان وتكوينهم النفسي، إلا أنها تحاول خلق واقع عدائي بين المكان وأصحابه.

ومن بين الوسائل الكثيرة التي تنتهجها للإخضاع، تركز "إسرائيل" على البيئة كوسيلة ضغطٍ طويلة الأمد، لأنها لا تحدث أثراً فورياً فقط، بل تؤسس لأزمة ممتدة عبر الزمن، تستمر آثارها لعقود، ما يجعلها أداة استراتيجية لإضعاف المجتمع.

استهداف مؤسسات الاقتصاد

وبموازاة الحرب البيئية، تضرب "إسرائيل" أيضاً المؤسسات الاقتصادية، فتدمر المصانع والمؤسسات التجارية، والبنية المالية المحلية التي يستند إليها السكان في تغذية عوامل حياتهم اليومية واستثماراتها في مجتمعاتهم المحلية، وذلك بهدف شل الاقتصاد المحلي، ودفعهم إلى مساحاتٍ أخرى يتفاعلون فيها، وقد تخلق لهم حالة تنافر بناءً على الضغط الذي تستمر فيه "إسرائيل" بأذرعها الإعلامية والدعائية، وبعملائها الذين تشير اعترافات المكشوفين منهم خلال التحقيقات إلى أن جانباً من مهامهم كان التأثير على الوعي العام، وصناعة السردية للصراع.

وتشير تحليلات البنك الدولي في حالاتٍ مماثلة إلى أن استهداف الاقتصاد المحلي يؤدي إلى زيادة البطالة، انهيار القدرة الشرائية وتوسّع الاقتصاد غير الرسمي. والاقتصاد هنا ليست عملياتٍ نشاط نفعية فقط، بل هو مصدر للكرامة الوطنية والإنسانية، وإطار للعلاقات الاجتماعية ووسيلة للاستقرار العام. وتدميره يعني عملية تشكيل جديدة للمجتمع، وللحياة السياسية في ما بعد، لأن خلق حالة اعتمادية على المساعدات سيؤدي تلقائياً إلى فقدان الاستقلال الاقتصادي، وتراجع القدرة على إعادة الإعمار الذاتي، وتوتراً في العلاقات الداخلية، وهو من تأمل "إسرائيل" تحقيقه من هذا الجانب في جهدها العدواني.

تدمير البنى التحتية

أما البنية التحتية، فتدميرها يعني إعادة تشكيل الزمن الاجتماعي في ذهن السكان، وتقوم "إسرائيل" باستهداف الكهرباء والمياه والاتصالات، ووسائل إعادة الإعمار، كالشاحنات ووسائل رفع الأنقاض، بهدف تعطيل الحياة اليومية وشل المؤسسات، وإضعاف الروابط الاجتماعية.

وفي علم الاجتماع، يشكّل الزمن المنتظم (عمل، تعليم، تواصل) أساس الاستقرار، بينما يؤدي تعطيله إلى دخول المجتمع في حالة من الفوضى، وتراجع القدرة على التخطيط للمستقبل، وارتفاع عوامل الهشاشة الاجتماعية.

وتقوم هذه الأعمال على ركنٍ أساسي نفسي، يهدف إلى إحداث صدمةٍ جماعية واستخدامها كوسيلةٍ لإضعاف الإرادة وتقويض الثقة، لإنتاج حالةٍ من العجز عن الفعل والمقاومة. فالصدمة تؤدي إلى اضطرابات نفسية واسعة عند السكان، ما ينعكس على العلاقات الأسرية وينتقل عبر الأجيال.

وبالعادة، فإن المجتمع الذي يتعرض لهذا النمط من العنف يتحول إلى مجتمع قلق غير مستقر، يعيش في حالة طوارئ دائمة. إن هذا النمط من الحرب الاجتماعية يتوافق مع ما تسميه الأكاديميا بـ"الحرب الهجينة الممتدة"، حيث يتم استهداف المجتمع ككل، لا القوة العسكرية فيه فحسب.

الغاية الاستراتيجية: مجتمع منزوع القدرة على المقاومة

يمكن تلخيص الهدف النهائي لهذا النمط من العنف في تفكيك الحاضنة الاجتماعية بإضعاف البيئة التي تنتج الفعل المقاوم، وإعادة تشكيل السلوك الجماعي من خلال دفع السكان إلى النزوح والانكفاء، وصولاً حد القبول بالشروط السياسية التي تطرح عليه. وإلى جانب إنتاج حالةٍ دائمة من الهشاشة، تمنع المجتمع من إعادة إعمار نفسه وتنظيم شؤونه، وخوض المواجهة التي يرى فيها مصلحته وأمانه.

وهنا تكشف القراءة السوسيولوجية لما يجري في هذا العدوان على لبنان؛ أن الحرب تمحور حول مساحة واسعة من الأهداف غير المحصورة بالسيطرة على الأرض أو تحييد القوة العسكرية. إنها حرب إعادة تشكيل المجتمع والسكان واتجاهاتهم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

الوسائل واضحة، وهي تفريغ المكان وتدمير الاقتصاد، تحريب البيئة وإنتاج الصدمة اللازمة لقتل القدرة على الفعل. وهذا ما يؤكد البعد الأساسي للصراع مع "إسرائيل"، كما كان في انطلاقته الأولى، صراعٌ حول الذاكرة والهوية والقدرة على الاستمرار في ممارسة السيادة.

لكن التاريخ يبيّن أن هذا النوع من العنف يحمل تناقضاً عميقاً، فبينما يسعى إلى تفكيك المجتمع، فإنه قد يؤدي، في المدى الطويل، إلى إعادة تشكيله على أسس أكثر صلابة، وأكثر وعياً بطبيعة الصراع. وهنا، تحديداً، يتحدد مستقبل لبنان بأيدي شعبه.

اخترنا لك