التغريبة السورية مستمرة.. نزوح جماعي على وقع الاشتباكات في حلب

تسبّبت الاشتباكات بين القوات الحكومية وقوات سوريا الديمقراطية في نزوح جماعي غير مسبوق من حيّي الشيخ مقصود والأشرفية في حلب، شمل أكثر من 160 ألف مدني، وسط مخاوف من توسّع المعارك وتعميق المأساة الإنسانية.

0:00
  • التغريبة السورية مستمرة.. نزوح جماعي على وقع الاشتباكات في حلب
    التغريبة السورية مستمرة.. نزوح جماعي على وقع الاشتباكات في حلب

مثقلون بأوجاع الحرب التي تأبى أن تغادر وطنهم، ومحمّلون بالقليل من الأمتعة والكثير من الذكريات، نزح عشرات الآلاف من أهالي حيي "الشيخ مقصود" و"الأشرفية" في مدينة حلب بشكلٍ جماعي بعيداً من منازلهم، في رحلة محفوفة بالمخاطر لا يبحثون فيها إلا عن شيء واحد، هو الأمان.

الاشتباكات العنيفة التي اندلعت مؤخراً بين قوات الحكومة الانتقالية وقوات سوريا الديمقراطية – "قسد"، دفعت أهالي الحيين إلى النزوح الجماعي خوفاً من نيران المعارك الملتهبة، ليكتبوا بذلك فصلاً جديداً من "التغريبة السورية" المستمرة منذ 15 عاماً.

"متى سينتهي هذا الظلم؟ إنها المرة الثالثة التي نخرج فيها من المنزل خلال شهرين"، بهذه الكلمات عبّر خالد سعدي من أهالي حيّ "الأشرفية" للميادين نت عن الواقع الذي يعيشه المدنيون على وقع الاشتباكات المتقطعة بين القوات الحكومية وقوات سوريا الديمقراطية.

يقول سعدي: "ليس من المعقول أن يصبح التهجير من المنازل اعتيادياً، فما ذنب النساء والأطفال كي يعيشوا هذا الرعب كل فترة؟"، ويضيف: "اليوم نخرج بثيابنا فقط ولا ندري إلى أين نذهب، فهل من السهل على الإنسان العيش في مركز إيواء أو على أرصفة الطرقات".

ويتابع الرجل حديثه: "لم يعد بالإمكان البقاء داخل الأشرفية، فأصوات الاشتباكات والقصف العنيف يسببان الموت البطيء لأفراد عائلتي، ولو كنت أملك مكاناً ألجأ إليه لما بقيت هنا".

160 ألف نازح

أكثر من 160 ألف شخص نزحوا خلال الأيام القليلة الماضية من حيي "الشيخ مقصود" و"الأشرفية"، وفق ما أعلنته "اللجنة المركزية للاستجابة" التي شكّلها محافظ حلب لتتولّى متابعة أوضاع النازحين وتأمين أماكن الإيواء والدعم لهم.

محافظة حلب وجهت 80 آلية نقل لمساعدة النازحين، وفتحت 12 مركز إيواء مؤقت، من بينها 10 مراكز داخل مدينة حلب ومركزان في أعزاز وعفرين شمال المحافظة، في إطار تنفيذ خطة طوارئ شاملة لتأمين خروج المدنيين من "الشيخ مقصود" و"الأشرفية"، بالإضافة إلى النازحين من الأحياء المجاورة لمناطق الاشتباك، بما يضمن سلامتهم ويخفّف من المخاطر المحتملة.

وكان التوتر قد خيَّم على مدينة حلب بعد توسع دائرة المواجهة بين "قسد" والقوات الحكومية التي حوّلت الحيين إلى "منطقة عسكرية مغلقة" عقب تجدد المواجهات العسكرية، مع تحميل كل طرف مسؤولية خرق الهدنة للطرف الآخر.

حلب تعيش الرعب مجدداً

مع بدء الاشتباكات في حيّي "الشيخ مقصود" و"الأشرفية" عاد شبح الحرب ليخيّم على شوارع حلب، حيث شهدت بعض الأحياء القريبة من مناطق الاشتباك سقوط قذائف صاروخية، أدّت إلى وقوع إصابات بين المدنيين وأضرار مادية كبيرة.

النازحون ملأوا مراكز الإيواء التي خصصتها محافظة حلب لهم، لكن الأعداد المتزايدة للنازحين دفعت المدارس والمساجد لفتح أبوابها أمام الهاربين من نيران المعارك.

وبرغم الجهود المبذولة لتأمين النازحين في مدينة حلب، إلا أن استمرار الاشتباكات واحتمال توسّعها لتشمل مناطق أخرى قد يؤدي إلى موجات نزوح جديدة بشكل لا يتناسب مع قدرة المحافظة على استيعابها، ولذلك فإن الأهالي يعلّقون آمالهم على التهدئة سريعاً ليتمكّنوا من العودة إلى منازلهم، ويطووا صفحة مستجدّة من النزوح الذي لم تعد لديهم طاقة لتحمّله.

ولا تقتصر معالم الحرب في حلب على النزوح الجماعي للمدنيين، إذ أثّرت الاشتباكات الأخيرة بشكل سلبي على المناطق الاقتصادية القريبة من "الشيخ مقصود" و"الأشرفية" وتحديداً في منطقة "الليرمون" الصناعية التي تضم أهم مراكز الورشات والمعامل في مدينة حلب.

ويؤكد سامر الناصر "صاحب ورشة" للميادين نت أن معظم المحال التجارية والورشات الفنية في منطقة "الليرمون" قد توقفت بشكل كامل، بعد إعلان المحافظة إغلاق جميع الطرق المؤدية إليها ومنع الدخول والخروج منها.

ويشير الناصر إلى أن أحياء حلب تعيش حالة من الركود الصناعي وتوقف النشاط التجاري، مما يتسبب بخسائر كبيرة لأصحاب المحلات التجارية والورشات والعمال، وهو أمر بحاجة إلى معالجة جذرية، على حد تعبيره.

كتلة واحدة في قلب حلب

بتقديرات سكانية تقارب 200 ألف نسمة، يُشكّل حيّا "الشيخ مقصود" و"الأشرفية" أكبر التجمعات السكانية في الجهة الشمالية لمدينة حلب، وبرغم أن غالبية السكان من الكرد، إلا أن الحيين يُعتبران من أكثر المناطق تنوعاً، إذ يقطن فيهما العرب والتركمان إلى جانب الكرد.

ويقع حيّ "الشيخ مقصود" شمال حلب ويعدّ من أعلى الأحياء السكنية في المدينة، ويشرف الحيّ على منطقة "الليرمون" الصناعية وطريق "الكاستيلو" شمالاً وغرباً، إضافة إلى أنه يطل على حيّ "السكن الشبابي".

أما حيّ "الأشرفية" فيقع جنوب غرب "الشيخ مقصود" مباشرة، بوصفه الامتداد العمراني الأقرب له داخل النسيج السكاني لحلب.

ويطل "الأشرفية" من الجنوب على حيّ "السريان الجديدة"، ومن الشرق يمتد باتجاه حي "الهلك" و"بستان الباشا"، فيما يرتبط غرباً بمحاور تؤدي إلى دوار "شيحان".

ومن الناحية السياسية والأمنية وحتى الاجتماعية يتم النظر إلى حيي "الشيخ مقصود" و"الأشرفية" ككتلة واحدة متكاملة.

منذ العام 2012، خرج الحيّان عن سيطرة نظام الرئيس بشار الأسد، قبل أن تستقر فيهما قوات سوريا الديمقراطية بداية العام 2016، وحافظا حتى هذا الوقت على خصوصية سياسية وأمنية.

في الأول من نيسان/أبريل الماضي، تم التوصل إلى اتفاق بين الحكومة الانتقالية وقوات سوريا الديمقراطية يقضي بخروج القوات العسكرية التابعة لـ "قسد" من الحيين، إلا أن الاتفاق شهد مطبات عديدة أدت إلى تعطيله فيما بعد.

ولاحقاً، شهد الحيّان توترات ومواجهات عسكرية محدودة تسببت في بعض الأحيان بموجات نزوح صغيرة، لكن سرعان ما كانت الأمور تعود إلى طبيعتها بعد حصول التفاهمات السياسية، لكن ما جرى مؤخراً يُعتبر أكبر تطور عسكري في مدينة حلب منذ سقوط نظام الرئيس بشار الأسد في كانون الأول/ديسمبر الماضي.

اخترنا لك