استعمار بلا جيوش: كيف تُدار الهيمنة في القرن الحادي والعشرين

يتشكّل مزاج عالميٍّ متصاعد يرفض الاستعمار الأميركي بصيغته العصرية، من غزة إلى أميركا اللاتينية وأوروبا، حيث تُمارس الهيمنة اليوم عبر القانون والاقتصاد والعقوبات والإعلام بدل الاحتلال العسكري المباشر.

  • تسببت حرب الإبادة على غزة بإعادة تشكيل الوعي الشعبي تجاه
    تسببت حرب الإبادة على غزة بإعادة تشكيل الوعي الشعبي تجاه "إسرائيل" على مستوى العالم

برغم الصورة الطاغية للأحداث الصاخبة التي يروّجها مهرّجو السيرك العالمي الجديد من الرؤساء والنخب العصريّين، يشهد النظام الدولي تحوّلاً أعمق من مجرّد إعادة توزيع للقوة بين دولٍ كبرى. إذ يتبلور ببطءٍ وثبات مزاج عالميّ مناهض للاستعمار بصيغته الجديدة، وهو استعمار لا يحتاج إلى جيوش دائمة ولا إلى أعلام تُرفع فوق القصور، بقدر ما هو رزمةٌ من القيود التي تهدف إلى التحكّم في صناعة القرار، والعملة، والتجارة، والإدراك، والشرعية، والمعلومة.

ومع أنّ هذا المزاج لا يعبّر عن نفسه دائماً بلغةٍ أيديولوجية صريحة، إلّا أنّه يظهر كرفضٍ متزايد ومتّسع، حتى في الفضاء الغربي، لكلّ أشكال الوصاية، حتى حين تُمارَس باسم الأمن القومي، أو الاستقرار، أو "النظام الدولي القائم على القواعد"، وهو لم يعد كذلك في الواقع.

غزة التي عرّت العالم

حوّلت حرب الإبادة على غزة الوعي العالمي، وتحوّلت بنفسها من مجرد مسرح حربٍ متكررة ومزمنة يشنها الاحتلال كلما رغب؛ إلى منصة تشكيل الوعي الشعبي على مستوى العالم، وأعادت تعريف "إسرائيل" للعالم كله.

لكنها أيضاً كشفت في ما كشفته، السرديات الغربية الطويلة عن حقوق الإنسان والديمقراطيات، وعن احترام القوانين وقيمة الإنسان بحد ذاته. ما جرى ويجري اليوم فيها كشف بنية احتلال مركب، يُدار بوسائل عسكرية مباشرة، وبأدوات غير عسكرية في آنٍ واحد. مظاهره هي الحصار، التحكم في المعابر، خنق الاقتصاد، إدارة الحياة اليومية، ومن ثمّ تبرير كل ذلك بخطاب قانوني–أمني، ما يعيد إلى الواجهة سؤال الاستعمار في صيغته المعاصرة.

وما هو أكثر أهمية هنا، هو أن التفاعل العالمي مع غزة تجاوز الانقسام التقليدي بين شمال وجنوب. إذ خرجت في مدن أوروبية وأميركية أجيال جديدة لا تنتمي إلى الذاكرة الاستعمارية المباشرة، لكنها قرأت المشهد بوصفه نموذجاً مكثفاً لهيمنة تُفرض بالقوة، وتُبرَّر بالقانون، وتُدار بالإعلام. وهذا ما قاد إلى رفضٍ شعبي عالمي متسع، لعملية فرض الوقائع السياسية خارج المساءلة الدولية، على الرغم من بقاء الشعوب نفسها، حتى في أكثر الدول الغربية، معتقلةً في أنظمة ظاهرها ديمقراطي ليبرالي، وباطنها أمني بوليسي أقلّوي، يخدم مصالح كارتيلات عالمية متمددة محلياً، تخدم في عملها بيئة استعمارية عصرية متشكلة.

لقد تخطى هذا التحول في الوعي مسألة تعريف مفهوم الاحتلال نفسه. ونقل الفكرة من الدبابات والاقتصاد والموارد، إلى ما يمس الإنسان في عمقه، وفي تعريفه لنفسه. وقد عُبّر عن ذلك في أسئلة أجيالٍ جديدة في تظاهراتها، عن كيفية قبول أن يحدث ما يحدث، وعن أي سبب يمكن أن يكون كافياً لهذا القبول!

 إن تركيز الاستعمار العصري اليوم ينصبّ على ضرب كلمة واحدة في أساسها، ومنعها من الوجود، وهي "السيادة"، التي يراد لها أن تُفرغ من مضامينها، كيف؟

بالعقوبات الاقتصادية التي تُصمَّم لإخضاع المجتمع، لا النظام السياسي فقط. و بالضغوط المالية التي تُشلّ قدرة الدولة على التخطيط المستقل. وبالأوامر السياسية غير المعلنة، التي تُقدَّم بوصفها نصائح أو توقعات من حليف.

إن هذا الفهم هو ما يفسر تلاقي الاحتجاجات في غزة، وأميركا اللاتينية، وبعض العواصم الأوروبية، ضمن شعورٍ واحد وعارم، بأن الاستعمار الذي غاب بصورته القديمة القابلة للتحديد، لكنه يحضر بصورته العصرية، التي يفضحها الرئيس الأميركي دونالد ترامب بأسلوبه الفريد.

مجتمعات أوروبا تكتشف نفسها وموقعها

في أوروبا، يتخذ هذا المزاج الرافض للهيمنة شكلاً أكثر تعقيداً. فالقارة التي كانت، تاريخياً، مركز الإمبراطوريات الاستعمارية، تجد نفسها اليوم في موقعٍ رمادي، فهي ليست مستعمَرة بالمعنى الكلاسيكي، لكنها أيضاً ليست صاحبة قرارٍ سيادي كامل في القضايا الكبرى. حرب أوكرانيا كانت عنواناً صارخاً على لفقدان أوروبا لسيادتها، لكنها أيضاً محطة بارزة على كيفية الانتحار السياسي والاستراتيجي، ففقدان السيادة هنا في هذه الحالة، خيار وقرار، مصنوع بالتخويف وعبر الإمساك بالنخب على حساب الشعوب.

إن رفض السياسات الأميركية في ملفات متعددة كالرسوم الجمركية، والضغوط السياسية والاقتصادية، وفرض أولويات أمنية لا تخصها، ينبع من شعورٍ متزايد بأن أوروبا تُدفع إلى دور التابع داخل منظومة غربية يُعاد تشكيلها على أسس أكثر فظاظة.

كما أن عودة دونالد ترامب إلى السلطة شكلت لحظة كاشفة لهذا الخلل، بعد أن تحول خطابه إلى الأوامر المباشرة، وعلى منطق "إما معنا أو ضدنا"، وبالتعامل مع الحلفاء بوصفهم أدوات أو عبئاً مالياً، أعاد إلى الواجهة سؤال الكرامة السياسية الأوروبية. في غرينلاند، تظهر المسألة عاريةً تماماً.

لقد مثل قضية إصرار ترامب على "شراء" غرينلاند بالقوة لحظة صادمة في هذا السياق. وهناك لم يكن الاعتراض الأوروبي، والدنماركي تحديداً، على فكرة التوسّع الأميركي مرتبطاً فقط بالسيادة الإقليمية، بل بما تحمله من دلالة رمزية تنسحب على المستقبل بملفاتها ومصالحها، ومن خلال العودة إلى منطق الشراء والضمّ والتعامل مع الأراضي بوصفها سلعة استراتيجية أو مجرد مسألة عقارية يكفي فيها عروض البيع والشراء والربح والعائد.

هذا الخطاب الذي بدا وكأنه قادم من القرن التاسع عشر، يصطدم (من دون أن نكون على يقين من الجدوى) بمزاج أوروبي يرى في نفسه شريكاً كاملاً، بينما يراه ترامب هامشاً تابعاً في صراع أوسع مع الصين. 

الأمر نفسه ينطبق على الرسوم الجمركية والعقوبات الاقتصادية. فما تراه واشنطن أدوات سيادية لحماية اقتصادها، يراه كثيرون في أوروبا والعالم وسائل ضغط تُستخدم لإعادة ضبط السلوك السياسي للدول.

لأن فرض الرسوم وتهديد الأسواق، كما استخدام العملة كسلاح، كلها أدوات للسيطرة على القرار أكثر منها طلباً لمصلحة محددة.

وبهذا الوعي، تتحرك قطاعات واسعة من الرأي العام الأوروبي، وحتى من النخب الاقتصادية، باتجاه إعادة التفكير في مفهوم التحالف نفسه. التحالف الذي لا يحمي الشريك من الإكراه، بل يلقيه عليه بنفسه، ويجعله أكثر عرضة له، وهو ما دفع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى المسارعة نحو قمة أوروبية للتصدي لخطرة ترامب في غرينلاند.

"دونرو" ليس فقط لأميركا اللاتينية

إن ما يُسمّى بـ"مبدأ دونرو" لا يقتصر، في تطبيقاته الفعلية، على أميركا اللاتينية. صحيح أن فنزويلا كانت أحد أبرز ميادينه، لكن منطقه يمتد إلى كل منطقة تُعتبر مجال نفوذ يجب ضبطه.

في فنزويلا، أظهرت العقوبات، ومحاولات العزل السياسي، والضغوط غير المباشرة، كيف يمكن لإدارة دولية أن تحاصر دولة من دون غزوها. هذه التجربة لم تمرّ من دون صدى. على العكس، أصبحت نموذجاً تحذيرياً تُسقِط عليه شعوب أخرى مخاوفها.

اللافت أن ما جرى في فنزويلا ساهم في إنتاج خطاب عالمي يشكك في شرعية هذا النوع من التدخل. الرئيس الألماني شتاينماير كان حاداً في التعبير عن ذلك، وليس من منطلق مناصرة الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، بقدر ما هو من باب رفض جر الرؤساء بسلاسل القوة الأميركية. لأن استخدام الديمقراطية، أو حقوق الإنسان، أو القانون الدولي، انتقائياً، تتحول من قيم كونية إلى أدوات قوة. فما الذي يمنع تهمة تجارة المخدرات في حالة مادورو أن تكون تهمة إضرار مصانع السيارات بالاقتصاد الأميركي في حالة ألمانيا؟ لا شيء حرفياً. طالما أن ماكينة الخطف تعمل، فإن ما يوضع فيها من موضوع، قابل لأن يكون أيٍ كان من قادة الدول.

وهذا ما يقود إلى القول إن أحد أخطر ملامح المرحلة الراهنة هو تآكل فكرة القانون الدولي بوصفه مرجعية عليا. لأن خرق قواعده من القوى التي يفترض أنها حاميته، يفقد هذا القانون معناه العملي، ويتحوّل إلى خطاب أخلاقي فارغ.

وهذا التناقض هو ما غذّى المزاج المناهض للاستعمار، لأن الشعوب ترفض ازدواجية التطبيق حين تكون واضحةً بهذا القدر. فالسيادة التي تُنتهك باسم الأمن، والحدود التي تُعاد صياغتها باسم المصالح، والقرارات التي تُفرض من دون شرعية جماعية، كلها تعيد إلى الأذهان منطق الإمبراطوريات، حتى لو تغيّرت الشعارات.

ومع ذلك، لا يمكن القول إننا أمام ثورة عالمية بالمعنى الكلاسيكي، بل أمام تراكم بطيء لرفضٍ عابر للثقافات. حيث تتشكل قناعة مشتركة بأن الاستعمار الجديد يطال في هجمته المستعمرين القدامى، من ضمن غيرهم، وهو لم يعد مقبولاً. وكذلك، فإن هذا الرفض يبقى حتى الآن قاصراً عن تقديم البدائل الواعدة بعالمٍ أكثر عدلاً. لكنه يفرض معادلة جديدة حول كلفة الهيمنة حتى داخل معسكر الحلفاء. وفي عالمٍ تتكاثر فيه مراكز القوة، يصبح هذا المزاج المناهض للاستعمار عاملاً حاسماً في إعادة رسم حدود الممكن، وفي تقييد قدرة أي قوة، مهما عظمت، على فرض إرادتها كما لو أن التاريخ لم يتغير.

اخترنا لك