احتجاجات "لا للملوك" الأميركية: كيف يوظّف الديمقراطيون الغضب الشعبي؟

احتجاجات "لا للملوك" التي اجتذبت ملايين الأميركيين رفضاً لسياسات ترامب، تحوّلت في جانب منها إلى مساحة يوظّفها الحزب الديمقراطي لحشد الدعم قبيل الانتخابات النصفية.

  • احتجاجات
    احتجاجات "لا للملوك" الأميركية: كيف يوظّف الديمقراطيون الغضب الشعبي؟

في ذكرى تأسيسه العام الماضي، أقام الجيش الأميركي عرضاً عسكرياً ضخماً في مدينة واشنطن. رأى الحزب الديمقراطي في العرض العسكري احتفالاً يقوم به ترامب في يوم ميلاده، لا إحياءً لذكرى تأسيس الجيش. وشاركت الحزب الديمقراطي هذه الرؤية حركةٌ تعرّف نفسها بشعار "لا للملوك" (No Kings)، وصفت العرض بأنه "محاولة يقوم بها ترامب لتحويل الـ14 من حزيران/يونيو [من عيد للجيش] إلى يوم يتوّج فيه نفسه ملكاً". 

تزامن ذلك مع مرور نحو 5 أشهر على ولاية ترامب الرئاسية الثانية، تخللتها إجراءات ضدّ المواطنة بالولادة والطلاب الذين شاركوا في احتجاجات والمتحوّلين جنسياً، وتنفيذ عناصر ملثّمين من "وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك - ICE" حملات دهم وترحيل ضدّ المهاجرين، ونشر قوات فيدرالية في ولايات يحكمها ديمقراطيون. وتعبيراً عن معارضة نهج إدارة ترامب، ورفض "السلطوية وعسكرة الديمقراطية والسياسة التي تضع أصحاب المليارات أولاً"، والرغبة في "حياة يمكن تحمّل كلفتها"، نزل في ذلك اليوم نحو 5 ملايين من الأميركيين إلى الشوارع (من أصل نحو 342.5 مليون نسمة)، حيث شاركوا في أكثر من 2000 تحرك في الولايات الـ50 لمواجهة "حفل التنصيب".

وهكذا، شهدت الولايات المتحدة الموجة الأولى من احتجاجات "لا للملوك". وبعد أربعة أشهر، كانت على موعد مع موجة ثانية مماثلة. ففي 18 تشرين الأول/أكتوبر، نزل نحو 7 ملايين أميركي للمشاركة في أكثر من 2700 تحرّك توزّعت على مختلف الولايات. أما الموجة الثالثة، فقد شهدتها البلاد في 28 آذار/مارس.

2% يشاركون في الجولة الثالثة من "لا للملوك"

شارك نحو 2% من إجمالي سكان الولايات المتحدة في السبت الثالث من احتجاجات "لا للملوك"، والتي أكّد المنظّمون أنّها "الأكبر التي تشهدها البلاد في يوم واحد على الإطلاق". وقد نزل إلى الشوارع أكثر من 8 ملايين مشارك، رافعين المطالب نفسها، وموجّهين انتقادات لسياسات إدارة ترامب وممارساتها، مع إضافة ملف الحرب على إيران إلى جدول الشعارات هذه المرة.

وكانت أبرز التحركات في ولاية مينيسوتا، التي شهدت سابقاً موجة احتجاجات بعد مقتل الأميركيين رينيه غود وأليكس بريتلي على يد وكالة "ICE" في مدينة مينيابوليس في كانون الثاني/يناير الماضي. كما برزت تحركات لافتة في مدن أخرى، من بينها سانت بول (عاصمة مينيسوتا)، وواشنطن العاصمة، ومنهاتن في ولاية نيويورك، ولوس أنجلوس في ولاية كاليفورنيا، وشيكاغو في ولاية إلينوي.

ولم تقتصر المشاركة على معاقل الحزب الديمقراطي، بل امتدّت الاحتجاجات لتشمل الولايات الخمسين، كما في الجولتين السابقتين، مع تنظيم أكثر من 3000 فعالية، أُقيم نحو نصفها في ولايات جمهورية أو متأرجحة. وبحسب المنظّمين، جرت بعض هذه الفعاليات في مناطق ريفية لم تشهد حشوداً مماثلة من قبل، حيث جاء أكثر من ثلثي المشاركين من خارج المدن الكبرى، ومن مناطق يحكمها جمهوريون وتُعدّ مؤشّراً للتوجهات السياسية. وقد احتشد المئات في مدن ذات طابع جمهوري، مثل لبنان في ولاية بنسلفانيا، وميدلاند في ولاية تكساس، وبويسي في ولاية أيداهو.

في المقابل، لم يكن المعارضون لترامب وحدهم في الشارع، إذ نظّم عشرات من مؤيّديه تظاهرات مضادّة في عدد من المدن، بينها ميامي في ولاية فلوريدا، وأوليمبيا في ولاية واشنطن، ونيو أورلينز في ولاية لويزيانا. وكان أبرز هذه التحركات في دالاس بولاية تكساس، حيث اندلعت مواجهات عنيفة بين الطرفين وأجرت الشرطة اعتقالات، إضافة إلى تحرّك آخر في ويست بالم بيتش بولاية فلوريدا، حيث تجمّع نحو 50 شخصاً قرب منتجع "مارالاغو" المملوك لترامب.

ماذا تريد "لا للملوك"؟

تتهم "لا للملوك" ترامب بالترهيب، استهداف عائلات المهاجرين، ممارسة التمييز العنصري، الفساد وإثارة الفوضى، التهديد بالسيطرة على الانتخابات، تزوير خرائط الناخبين، تجاهل حوادث إطلاق النار الجماعي في المدارس، تقويض الرعاية الصحية وحماية البيئة والتعليم، رفع تكلفة المعيشة على العائلات في مقابل تقديم الهبات الضخمة لأصحاب المليارات، وإنفاق أموال دافعي الضرائب على الحروب.

وشكّلت هذه الاتهامات الشعارات التي رفعت في الاحتجاجات، وعكست الشعارات طبيعة الجهات المشاركة فيها، وهي تشمل منظمات عمالية وبيئية وحقوقية ودينية ولا دينية، ومنظمات شعبية تعبّر عن المجتمعات المختلفة (Grassroots Organizations). اتهم المشاركون ترامب بممارسة سلوك "ملكي" في الحكم (ومن هنا جاءت تسمية "لا للملوك") والفاشية، واستخدام الترهيب كأداة للديكتاتورية، ورأوا أن مكان ترامب هو السجن. وطالبوا أيضاً بحرية الصحافة، تأمين الرعاية الصحية، تمويل التعليم العام، وتطبيق الدستور.

وإلى جانب "لا للملوك" والشعارات المطلبية، كان أبرز ما عبّر عنه المحتجون هو رفض سياسات ترامب ضدّ الهجرة والمهاجرين، فطالبوا بحلّ "ICE"، ووصفوا عناصرها بأنهم "إرهابيو الولايات المتحدة". ولم تغب قضية ملفات إبستين عن المشهد، فعبّر المحتجون عن رفضهم مغتصبي الأطفال، وربطوا بين هذه القضية والحرب على إيران، التي تزامن مرور شهر عليها مع هذه الاحتجاجات، مؤكدين أن "جرائم الحرب لا تغطي على الجرائم الجنسية". وبينما عبّروا عن رفضهم الحرب، رفع البعض لافتات تطالب بـ"تغيير النظام في الولايات المتحدة"، وأبدوا دعمهم لكوبا وتحرير فلسطين.

الحزب الديمقراطي: المشارك الأول في "لا للملوك"

وسط كل ذلك، برزت شعارات أخرى، بينها: "تذكّر في تشرين الثاني... انتخب" (Remember in November… Vote). والمقصود هنا هو الانتخابات النصفية المرتقبة في تشرين الثاني/نوفمبر المقبل، التي سينتخب فيها الأميركيون أعضاء مجلسي النواب والشيوخ في الكونغرس، حيث يحظى الحزب الجمهوري بالأغلبية حالياً.

تكمن أهمية هذه الانتخابات في أنها قد تسهّل أو تعقّد الأجندة التشريعية للرئيس، تبعاً للتركيبة الجديدة والأغلبية الحاكمة التي ستنتج عنها. لهذا، يستثمر الحزب الديمقراطي احتجاجات "لا للملوك"، كجزء من حملته الانتخابية، ويوجّهها، وتشترك معه في ذلك مئات المنظمات التي ترتبط به وتردد خطابه.

في سانت بول، دعت الكوميدية والناشطة والمشاركة في إعداد برنامج "The Daily Show" (يهاجم ترامب، من مقدّميه جون ستيوارت وتريفور نواه)، ليز وينستيد، المشاركين إلى إرسال رسائل نصية تتضمن كلمة "انتخب"، بهدف "التأكد من أن الناخبين في تشرين الثاني سيتمكنون من إجراء التغيير الذي يودّون رؤيته بشدة". وعلى امتداد ساعات قليلة على المسرح نفسه، أدى مغنون وشعراء عروضاً وألقى ناشطون كلمات، وخاطب سياسيون ديمقراطيون المحتشدين. 

من بين هؤلاء السياسيين، النائبة عن ولاية مينيسوتا في الكونغرس إلهان عمر، التي يهاجمها ترامب متطرقاً إلى أصولها الصومالية. كذلك، شارك عضوا مجلس نواب الولاية، لي داون فينكي، وهي متحوّلة جنسياً، وشيلي باك، المنحدرة من السكان الأصليين.

وضمّ المشاركون أيضاً كيث إليسون، المدعي العام الحالي للولاية وأول مسلم يُنتخب نائباً في الولايات المتحدة، إلى جانب تيم والتز، حاكم الولاية والمرشح السابق لمنصب نائب الرئيس مع كامالا هاريس. كما خاطب بيرني ساندرز الحضور، وهو ممثل ولاية فيرمونت في مجلس الشيوخ، مستقل لا ينتمي إلى أي من الحزبين لكنه يتعاون مع الديمقراطيين، وكان مرشح الحزب الديمقراطي في الانتخابات الرئاسية عامي 2016 و2020.

فيما تصدّرت مينيسوتا مشهد احتجاجات "لا للملوك" في ذلك اليوم، تكرّر حضور السياسيين وأعضاء الحزب الديمقراطي في ولايات أخرى، من بينها ميشيغان ونيويورك ونيوجيرسي وبورتلاند وماساتشوستس. ويمكن القول إن ملامح آلية عمل الحزب الديمقراطي بدت أكثر وضوحاً خلال فعاليات مينيسوتا، حيث جرى توظيف الغضب الشعبي إزاء قضايا متعددة، على رأسها الهجرة والحرب، للترويج لخطابه عبر شخصيات متنوعة، يعكس كل منها رؤية تتقاطع مع مطالب المشاركين وتعبّر عنها منظمات مختلفة.

وبذلك، تتضح مقاربة الحزب الديمقراطي لهذه الاحتجاجات، بوصفها أقرب إلى تجمع انتخابي واسع، لا إلى تحرّك مطلبي صرف. فقد انخرط الحزب في هذه الفعاليات، وقدّمها على أنها انتصار كبير لصوت الشعب ضمن مسار تغيير جذري، في حين وصفها البيت الأبيض بأنها "جلسات علاج من هوس ترامب".

في المقابل، برزت آراء مغايرة تشكّك في جدوى هذه التحركات، معتبرة أن "لا للملوك" ليست سوى فعاليات جماهيرية واسعة يديرها الحزب الديمقراطي لحشد أصوات الناخبين، الذين يعودون بعدها إلى حياتهم اليومية لمواجهة أعباء المعيشة، قبل أن يُستدعَوا مجدداً للمشاركة وفق إيقاعٍ تنظيمي محدد.

اخترنا لك