إغلاق مضيق هرمز.. أسابيع حاسمة قبل أزمة إنسانية عالمية؟
يهدد أي تعطيل طويل لحركة الملاحة في مضيق هرمز بإطلاق أزمة عالمية متشابكة تبدأ بالطاقة وتمتد إلى الغذاء والأسمدة والشحن والاستقرار الاجتماعي، خصوصاً في الدول الفقيرة والهشة.
-
إغلاق مضيق هرمز.. أسابيع حاسمة قبل أزمة إنسانية عالمية؟
لم يعد الحديث عن مضيق هرمز شأناً عسكرياً أو جيوسياسياً محصوراً بمنطقة الخليج، فالمضيق الذي يبدو على الخريطة ممراً مائياً ضيقاً بين إيران وسلطنة عمان، تحوّل عملياً إلى أحد أهم المفاصل التي يقوم عليها الاقتصاد العالمي الحديث.
وبعد العدوان الأميركي – الإسرائيلي على إيران، وما تبعه من إجراءات إيرانية وأحداث كبرى في المضيق، بات أي تعثر واسع أو طويل الأمد لحركة الملاحة فيه ينذر بارتفاع أسعار النفط، واحتمال انتقال العالم خلال أسابيع قليلة إلى أزمة مركبة تمس الغذاء والأسمدة والشحن والكهرباء والاستقرار الاجتماعي، وحتى الأمن السياسي في الدول الفقيرة والهشة.
وتكمن خطورة المشهد في أن الاقتصاد العالمي يدخل هذه المرحلة وهو أصلاً في وضع هشّ، إذ لم يتعافَ العالم بالكامل من آثار جائحة كورونا، ولا من التضخم الذي أعقب الحرب الأوكرانية، ولا من أزمات سلاسل التوريد العالمية. كما تعاني برامج الغذاء والمساعدات الإنسانية الدولية نقصاً حاداً في التمويل، فيما يعيش مئات الملايين على حافة الجوع، ما يجعل أي صدمة جديدة في الخليج مرشحة لدفع أجزاء واسعة من العالم نحو مرحلة اضطراب واسعة.
شريان الطاقة العالمي
يمر عبر مضيق هرمز يومياً ما بين 20 و21 مليون برميل من النفط الخام والمشتقات النفطية، أي نحو ربع تجارة النفط البحرية العالمية. كما يمر عبره نحو خُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال في العالم، خصوصاً صادرات قطر، إحدى أكبر الدول المصدّرة للغاز المسال.
وتشير بيانات وكالة الطاقة الدولية إلى أن معظم هذه الصادرات تتجه إلى آسيا، وخصوصاً الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية، ما يعني أن أي تعطيل في هرمز لا يضرب دولة أو اثنتين، بل يطال مباشرة قلب الاقتصاد الصناعي العالمي.
لكن التأثير الأخطر يطال الأمن الغذائي العالمي، إذ تعتمد الزراعة الحديثة بصورة أساسية على الطاقة في تشغيل المعدات الزراعية، وضخ المياه، وتصنيع الأسمدة، والنقل والتخزين والتبريد. ولهذا، فإن أي ارتفاع في أسعار النفط والغاز يتحول سريعاً إلى ارتفاع في أسعار الغذاء.
وفي هذا السياق، توقعت رئيسة صندوق النقد الدولي كريستالينا غريغوريفا ارتفاع أسعار الغذاء عالمياً بنسبة قد تصل إلى 6% بحلول نهاية عام 2026، فيما توقع البنك الدولي ارتفاع أسعار الطاقة بنحو 24% نتيجة التوترات في الشرق الأوسط، مع احتمال تجاوز سعر برميل النفط 115 دولاراً إذا طال أمد النزاع.
أزمة الأسمدة.. الخطر الصامت
لا يقتصر تأثير اضطراب الملاحة في هرمز على النفط والغاز فقط، بل يمتد إلى سوق الأسمدة العالمية، خصوصاً الأسمدة النيتروجينية مثل اليوريا، التي يعتمد إنتاجها بشكل أساسي على الغاز الطبيعي.
وتُعد دول الخليج من كبار منتجي ومصدّري الأسمدة والمواد الأولية المرتبطة بها، فيما تمر نسبة كبيرة من تجارة اليوريا والأمونيا عبر مضيق هرمز.
وأظهرت بيانات البنك الدولي ارتفاع أسعار اليوريا بنحو 46% خلال فترة قصيرة بين شباط/ فبراير وآذار/مارس 2026، مع توقعات بارتفاع أسعار الأسمدة عموماً بنحو 31% خلال العام الحالي.
ويمثل ذلك خطراً بالغاً على الدول الفقيرة والنامية، إذ إن ارتفاع أسعار الأسمدة يدفع المزارعين إلى تقليل استخدامها، ما يؤدي لاحقاً إلى انخفاض المحاصيل الزراعية وارتفاع أسعار الغذاء، لتتحول أزمة الطاقة تدريجياً إلى أزمة جوع عالمية.
ويحذر برنامج الغذاء العالمي من أن أكثر من 363 مليون شخص معرضون لخطر الجوع الحاد خلال عام 2026، فيما يعيش نحو 295 مليون شخص بالفعل في ظروف انعدام أمن غذائي خطير.
من أزمة الطاقة إلى اضطراب المجتمعات
لا تنحصر تداعيات الأزمة في قطاعي الطاقة والغذاء فقط، بل تمتد إلى الاستقرار الاجتماعي والسياسي، خصوصاً في الدول الهشة والفقيرة التي تنفق أصلاً جزءاً كبيراً من ميزانياتها على دعم الوقود والغذاء.
وتشير تجارب سابقة، مثل أزمة الغذاء العالمية عام 2008 وما سبق "الربيع العربي"، إلى أن ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة قد يتحول سريعاً إلى عامل تفجير للاحتجاجات والاضطرابات الاجتماعية.
واليوم تبدو الأرضية الاجتماعية في كثير من الدول أكثر هشاشة من أي وقت مضى، في ظل التضخم العالمي وتراجع القدرة الشرائية وارتفاع معدلات الفقر.
الشحن والتأمين.. أزمة إضافية
حتى لو لم يُغلق مضيق هرمز بالكامل، فإن مجرد تحوله إلى منطقة عالية المخاطر يكفي لإحداث اضطراب واسع في التجارة العالمية.
فشركات التأمين ترفع أسعار التأمين البحري فوراً، بينما تلجأ شركات الشحن إلى تغيير المسارات أو تقليص الرحلات، ما يؤدي إلى ارتفاع تكاليف النقل وتأخير سلاسل التوريد العالمية.
وقد شهد العالم خلال أزمة البحر الأحمر الأخيرة كيف يمكن لهجمات محدودة نسبياً أن ترفع تكاليف الشحن بشكل كبير، إلا أن هرمز يُعد أكثر خطورة نظراً إلى حجم الطاقة المار فيه وضيق البدائل الجغرافية المتاحة.
ويؤكد الخبراء أن الأسواق الزراعية والغذائية لا تعمل بمنطق الانتظار الطويل، إذ ترتبط بمواسم زراعة وعقود شحن ومواعيد توريد دقيقة، ما يعني أن أي تعطيل طويل نسبياً قد ينعكس على الأسواق خلال أسابيع قليلة فقط.
أزمة عالمية متداخلة
الخطر الحقيقي لا يكمن في عنصر منفرد، بل في تفاعل الأزمات مع بعضها البعض؛ إذ تتداخل أزمة الطاقة مع الغذاء والأسمدة والشحن والتضخم وتمويل العمل الإنساني، ما يخلق أزمة عالمية مركبة يغذي فيها كل عنصر الآخر.
وفي الدول الهشة، قد يتحول هذا التفاعل سريعاً إلى انهيار اجتماعي أو أمني واسع، خصوصاً مع ضعف القدرة على احتواء الصدمات الاقتصادية المتلاحقة.
تقنياً، يمكن للعالم التخفيف من آثار الأزمة عبر حماية الملاحة البحرية، وضخ الاحتياطيات النفطية، وتأمين خطوط بديلة، ودعم برامج الغذاء والأسمدة في الدول الفقيرة، لكن المشكلة أن العالم اليوم أقل قدرة على التنسيق مقارنة بأزمات سابقة، في ظل الانقسامات الدولية العميقة والتنافس الأميركي – الصيني واستمرار الحرب الأوكرانية.
ولهذا، فإن الخطر لا يقتصر على الصواريخ أو السفن أو أسعار النفط، بل يتمثل في احتمال دخول العالم خلال فترة قصيرة في أزمة إنسانية متدرجة، تبدأ من الطاقة، ثم تنتقل إلى الزراعة والغذاء، قبل أن تصل إلى موائد الناس واستقرار المجتمعات نفسها.