هل تتحول الشراكة التجارية بين أميركا وتايوان إلى درع بوجه الصين؟

الاتفاقية التجارية بين أميركا وتايوان، تشبه في جوهرها الاتفاقية التي وقّعتها أميركا مع الهند، وكلا الاتفاقيتين هما في الواقع فرض سيطرة واضحة لواشنطن على البلدين.

  • كيف تدعم بعض الاتفاقيات الهيمنة الأميركية؟
    كيف تدعم بعض الاتفاقيات الهيمنة الأميركية؟

في 12 شباط/فبراير الجاري قامت أميركا وتايوان بالتوقيع على اتفاقية التجارة المتبادلة بينهما، ضمن منظومة الاتفاقيات التجارية التي تسعى أميركا وحلفاؤها عبرها إلى إعادة صياغة صورة هيمنتها الجديدة على سوق العمل المعولم، بما يضمن، أو هكذا تتصوّر، استمرارها كقوة عظمى في مواجهة الصعود الصيني المتسارع، عبر إعادة تركيز الصناعة على أراضيها، والسيطرة على سلاسل التوريد المرتبطة بصناعة أشباه الموصلات والرقائق الإلكترونية.

الاتفاقية الجديدة تضع التزامات كثيرة على تايوان حيث ستكون مضطرة للالتزام بجدول زمني لإلغاء أو خفض الرسوم الجمركية على جميع السلع الأميركية تقريباً.

وبحسب ما نشرته وكالة رويترز فإنّ الوثيقة التي أصدرها مكتب الممثّل التجاري الأميركي، تلزم تايوان بزيادة مشترياتها من السلع الأميركية بشكل كبير حتى عام 2029، بما في ذلك غاز طبيعي مسال ونفط خام بقيمة 44.4 مليار دولار، وطائرات مدنية ومحرّكات قيمتها 15.2 مليار دولار، وما قيمته 25.2 مليار دولار من معدات شبكات الكهرباء والمولّدات والمعدّات البحرية ومعدّات صناعة الصلب. 

كما ستلتزم شركات تايوانية (وعلى رأسها TSMC) باستثمار 250 مليار دولار في الولايات المتحدة لتصنيع أشباه الموصلات المتقدّمة، والطاقة، والذكاء الاصطناعي. وستقدّم تايوان ضمانات ائتمانية حكومية بقيمة 250 مليار دولار إضافية لدعم هذه الاستثمارات. 

لم تتوقّف الالتزامات والتنازلات التايوانية عند هذا الحدّ، فقد وافقت تايوان على قبول معايير السلامة الأميركية للسيارات والمنتجات الطبية والدوائية، وإلغاء القيود الكمية على استيراد السيارات الأميركية، وفتح السوق التايوانية بشكل أكبر أمام المنتجات الزراعية الأميركية مثل لحوم البقر والألبان.

في المقابل وبموجب هذه الاتفاقية ستقوم واشنطن بتخفيض الرسوم الجمركية على السلع التايوانية، بما في ذلك صناعات أشباه الموصلات، إلى 15 بالمئة من 20 بالمئة كان الرئيس دونالد ترامب قد فرضها في البداية. وبموجب الإعفاءات لبعض المنتجات التايوانية، سينخفض متوسّط الرسوم الفعلية على صادرات تايوان لأميركا إلى نحو 12.33%.

وبنظرة سريعة يمكننا القول إنّ هذه الاتفاقية التجارية بين أميركا وتايوان، تشبه في جوهرها الاتفاقية التي وقّعتها أميركا مع الهند، وكلا الاتفاقيتين هما في الواقع فرض سيطرة واضحة لواشنطن على البلدين، في مقابل منحهما معاملة الدولة الأكثر رعاية، وضمان البقاء بعيداً عن الرسوم الجمركية التعسّفية التي تفرضها إدارة ترامب على الدول الأخرى بما فيها الدول الحليفة. 

تأتي هذه الاتفاقيات لتكبيل كلّ من الهند وتايوان بالمشاريع الأميركية خشية رحيل حكومتي البلدين المواليتين للولايات المتحدة في أيّ انتخابات مقبلة. فالأميركيون يدركون تماماً أنّ حزب الكومينتانغ التايواني يؤيّد الوحدة مع الصين، وفي حال فوزه في الانتخابات المقبلة فمن المحتمل أن يوقّع على مشروع العودة للانضمام إلى الصين تحت أيّ صيغة. 

كما يراقب الأميركيون الوضع الهندي بقلق، حيث يواجه مودي أزمة سياسية ضخمة عبر تظاهرات وإضرابات تقوم بها نقابات العمال وتجمّعات الفلاحين والطائفة الشيعية ضدّ قرارات حكومته، وتتهم كلّ قوى المعارضة ناريندرا مودي بالارتهان للمشروع الأميركي والتضحية باستقلال الهند. وهو ما دفع الأميركيين للضغط من أجل تسريع توقيع هذه الاتفاقيات، والتي انتهت بانضمام الهند يوم 19 شباط/فبراير الجاري لمعاهدة باكس سيليكا.

بالنسبة لتايوان، فهي تخشى الحشود العسكرية الصينية في مواجهتها، حيث رصدت القوات التايوانية 4 طائرات عسكرية و3 سفن حربية صينية في محيط تايوان، ورغم أنّ هذه الطائرات لم تعبر خط الوسط لمضيق تايوان، وهو الخط النظري الذي يفصل بين تايوان والصين، لكنّ الجيش التايواني اضطرّ لإرسال طائرات دورية قتالية وسفن للردّ على التصعيد الصيني، إضافة إلى نشر أنظمة صواريخ لمراقبة تحرّكات الطائرات الصينية. وقبيل ذلك بأسبوع، رصدت وزارة الدفاع التايوانية مرور 3 سفن صينية من بينها حاملة الطائرات شاندونغ، كانت قد عبرت مضيق تايوان. 

ومن المؤكّد أنّ الأميركيين يستغلّون هذا الحشد الصيني للضغط على التايوانيين لتقديم مثل هذه التنازلات الاقتصادية في مقابل حمايتهم، فقد تزامن توقيع الاتفاق الأخير مع لقاء جمع مسؤولي الأمن الأميركيّين والتايوانيّين في كاليفورنيا.

وتُشير التقديرات إلى أنّ الولايات المتحدة تساعد تايوان على ترقية نظام ربط البيانات الخاصّ بها إلى لينك – 22 (Link-22) التابع لحلف الناتو، بفعل ميزته الأساسية المُتمثّلة في التحديد التلقائي لمواقع العدو والقوات الصديقة، وهو ما من شأنه تحسين الفعّالية القتالية لتايوان، فضلاً عن التصدّي لتشويش أنظمة الاتصالات الصينية.

اتفاقية المعادن والعناصر الأرضية النادرة بين الهند والبرازيل

في 21 شباط/فبراير الجاري، وقّعت الهند مع البرازيل مذكّرة تفاهم بشأن المعادن الحيوية والعناصر الأرضية النادرة، خلال زيارة الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا لنيودلهي، حيث تسعى الهند لتأمين سلاسل إمداد لصناعاتها التكنولوجية والدفاعية بعيداً عن الهيمنة الصينية عليها، وبالتالي فقد لجأت إلى البرازيل التي تمتلك ثاني أكبر احتياطي في العالم من هذه المعادن والعناصر الأرضية.

على أنّ التساؤل هنا هو: هل هذه الاتفاقية خاصة بالفعل بين الهند والبرازيل؟ بالرغم من وجود دوافع هندية خاصة لا يمكن إنكارها، لكن من المؤكّد أنّ هناك دوراً أميركياً في توقيع هذه الاتفاقية، فإدارة ترامب تدفع بقوة لتشكيل تحالف الـ 55 دولة للمعادن الحيوية في مواجهة الهيمنة الصينية عليها، وتوقيت الإعلان عن توقيع هذه الاتفاقية والذي تلا عدة اتفاقيات تجارية أميركية وأوروبية مع الهند، ثمّ إعلان الهند انضمامها لتحالف باكس سيليكا، قبل توقيع مذكّرة التفاهم مع البرازيل بيومين فقط، أقول إنّ التوقيت يشير إلى أنّ الهند تتحرّك ضمن موجة تقودها أميركا تسعى لإضعاف الدور الصيني وفرملة تطوّره، وليس تحرّكاً مستقلاً على الإطلاق.

ويثير الموقف البرازيلي الكثير من الاستغراب حول توقيعه للمذكّرة بالرغم من العلاقة الوثيقة بين البرازيل والصين، إلا أنه من الواضح مدى توجّس دول أميركا اللاتينية من السعار الأميركي والذي توّج بحادثة اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وبالتالي فقد سمحت البرازيل لأميركا بتقديم تمويلات لمشاريع استخراج لهذه المعادن بلغت 565 مليون دولار، ويبدو أنّ قبول البرازيليين توقيع هذه المذكّرة مع الهند يأتي ضمن محاولة مراوغة الثور الأميركي الهائج.

إنّ هذه التحرّكات الأميركية، ليست غائبة عن الصينيين والروس بكلّ تأكيد، لكنهم في المقابل يدركون أنّ كلّ هذه المحاولات ستكون مرتبطة بإحياء ممر الهند ـــــ الشرق الأوسط ـــــ أوروبا أو كما يسمّى (طريق التوابل الجديد)، وهو المنافس لمبادرة الحزام والطريق (طريق الحرير) الصينية، والذي سيمثّل الشريان التجاري لتنفيذ هذه الاتفاقيات، بما فيها اتفاقية التجارة الحرّة بين الهند والاتحاد الأوروبي، وبالتالي فإنّ العقدة الحقيقية التي يمكنها إيقاف هذه الاتفاقيات وتحويلها إلى مجرّد أوراق هي إيران التي يجاهر نظامها الإسلامي بالعداء للأميركيين ومشاريعهم.

يراهن الصينيون والروس على التعثّر الأميركي في مواجهة إيران، وهو ما سيؤدّي إلى ارتهان هذا الممر التجاري للإرادة الإيرانية القادرة على تهديده في أيّ وقت، وبالتالي لا يمكن وصف الأنباء التي تشير إلى التزويد الروسي والصيني المكثّف لإيران بالأسلحة بكونها مبالغات، فالمواجهة الأميركية الإيرانية ستمثّل النقطة التي سيتقرّر عندها مدى استمرار الولايات المتحدة في الهيمنة على العالم كقوة عظمى أو تراجعها لتتحوّل إلى قوة كبرى لا تملك نفوذاً سوى على مجالها الحيوي الجغرافي فقط.

كيف تدعم هذه الاتفاقيات الهيمنة الأميركية؟

الاتفاقيات السابقة والتي تلتقي مع مبادرة باكس سيليكا، والتي انضمّت إليها الهند مؤخّراً، وقبلت تايوان بشروطها رغم عدم الانضمام، تشير إلى سعي واشنطن لتشكيل درع تكنولوجية في مواجهة الصعود الصيني، وبالرغم من أنّ أميركا تتوقّع أن تسيطر على العالم مرة أخرى عبر هذه الدرع التكنولوجية، وأنّ هذه السيطرة قد تجبر الصين وروسيا وإيران على العودة إلى الانخراط تحت مظلة الهيمنة الأميركية، فمن الواضح أنّ هناك صعوبة في تحقيق هذا الهدف.

تستخدم الولايات المتحدة هذه التحالفات لترسيخ سيطرتها عبر ثلاث أدوات رئيسية:

1- التوحيد القياسي: بفرض معايير باكس سيليكا، يصبح العمال والمبرمجون في الهند وتايوان وغيرها من الدول التي وقّعت على المبادرة، ملزمين بالعمل وفق الأدوات واللغات البرمجية الأميركية، مما يجعلهم امتداداً للسوق الأميركية.

2- إعادة التوطين: عبر فرض تعريفات متبادلة، تجبر واشنطن الشركات على نقل التصنيع الفعلي إلى الأراضي الأميركية مع الاحتفاظ بالوظائف منخفضة التكلفة في الدول الحليفة.

3- التحكّم في العقول: مراكز القدرات العالمية (GCCs) في الهند، والتي تجاوزت 3000 مركز في 2026، أصبحت فعلياً تعمل كفروع للشركات الأميركية، مما يضمن تدفّق الابتكار من الهند إلى وادي السيليكون مباشرة.

إذاً فعبر الاتفاقية مع الهند، تسعى أميركا لإيجاد بديل صناعي وسوق كبير يسحب البساط من تحت أقدام الصناعة والسوق الصينيتين، كما تسعى لإيجاد ممر تجاري ينافس مبادرة الحزام والطريق الصينية.

وعبر الاتفاقية التجارية مع تايوان تسعى أميركا لإعادة تركيز الصناعة في أراضيها وتأمين سلاسل الإمداد في مواجهة أيّ حصار أو غزو صيني محتمل لتايوان يتمكّن من شلّ قطاع الذكاء الاصطناعي الأميركي. بينما تمثّل مبادرة باكس سيليكا الإطار الأمني الذي سيقوم بعزل الصين تكنولوجياً عبر درع حديدية رقمية.

أما الأوروبيون فقد سقطوا بالفعل في الفخّ الأميركي عبر اتفاقية التجارة الحرة مع الهند، وبما أنّ واشنطن بدأت في بناء باكس سيليكا (Pax Silica) ككتلة مغلقة، أدرك الأوروبيون أنّ البقاء خارج هذه الشبكة التكنولوجية يعني الانعزال عن مصادر نمو الذكاء الاصطناعي والرقائق. 

وبالتالي فلا خيارات أمام أوروبا التي تفتقر إلى سيادة رقمية حقيقية فلا تملك شركات رقائق بحجم TSMC ولا شركات سحابية بحجم مايكروسوفت، لذا فإنّ الانضمام للدرع التكنولوجية عبر البوابة الهندية هو أخفّ الضررين بالنسبة للأوروبيين المستعدّين للتبعيّة الأميركية من أجل الهرب من التبعيّة الصينية، لكنّ الفخ هنا أنه بمجرّد ربط المصانع الأوروبية بالمعايير التقنية التي وضعتها مبادرة باكس سيليكا ووافقت عليها الهند وتايوان، ستجد أوروبا نفسها غير قادرة على العودة للتعامل مع الأنظمة الصينية مثل هواوي أو رقائق SMIC لأنّ التوافقية التقنية (Interoperability) ستكون قد انتهت. ويصبح الخروج من الدرع التكنولوجية الأميركية مكلفاً تقنياً ومستحيلاً اقتصادياً.

إنّ بناء هذه الدرع التكنولوجية الأميركية يعني نهاية نظام العولمة فعلياً. فقد كانت الصين وروسيا وإيران خاضعة لنظام المال والتجارة الأميركيين (SWIFT، الدولار، معايير الإنترنت)، وهو ما بدأ يهتزّ حالياً وبدأت كلّ دولة رافضة للهيمنة الأميركية تبحث عن وسيلة للانفصال عن هذا النظام، وبتبنّي الأميركيين لهذه الدرع التكنولوجية سيتمّ ترسيخ هذا الانفصال ويتحوّل العالم إلى معسكرين وسوقين متنافستين، حيث ستلجأ بكين لخلق نظام موازٍ، وهنا تفقد أميركا قدرتها على ممارسة الضغط عبر العقوبات، لأنّ الطرف الآخر ببساطة يمتلك بنيته التحتية الخاصة. كما ستخسر الشركات الأميركية (مثل إنفيديا وأبل) السوق الصينية الضخمة (أكبر مستهلك للإلكترونيات). 

وهذا سيؤدّي إلى ارتفاع تكلفة الابتكار داخل دول الدرع الأميركية، بينما قد تطوّر الصين بدائل أرخص وربما أقلّ جودة في البداية، لكنها ستسيطر على أسواق الجنوب العالمي في أفريقيا، وأجزاء من آسيا وأميركا اللاتينية، والتي بدورها لا تستطيع تحمّل تكاليف تكنولوجيا الدرع الأميركية. وبمعنى آخر فإنّ الذكاء الاصطناعي في كلّ معسكر سيتطوّر بمنطق وأهداف مختلفة تماماً، مما يجعل التفاهم بين القوتين مستقبلاً شبه مستحيل تقنياً. أي أنّ واشنطن تضحّي بالعولمة مقابل الأمن التكنولوجي.

الردّ الصيني 

لم تقف الصين مكتوفة الأيدي كما يبدو، فإضافة إلى دعمها القوي لطهران في مواجهة الحشود الأميركية، وهو ما يجبر الأميركيين على محاولة كسب الوقت واللجوء إلى التفاوض، فإنها قد اتخذت خطوات أخرى فاعلة تسعى بها للتقليل من أثر الاتفاقات الأميركية وجعلها مكلفة لمن يتعامل معها.

فعلى المستوى الداخلي، قامت الصين بضخّ المليارات بهدف تطوير صناعة آلات الطباعة الحجرية بالأشعة فوق البنفسجية القصوى EUV لكسر الاحتكار الغربي لهذه الآلات المستخدمة في صناعة الرقائق الإلكترونية. وعلى المستوى الخارجي تسعى الصين لخلق جاذبية مضادّة عبر جعل التعامل معها أرخص وأسهل للدول النامية من التعامل مع الدرع الأميركية.

وفي سبيل تحقيق هذا الهدف فقد أعلنت الصين يوم 12 شباط/فبراير الجاري عن تصفير الرسوم الجمركية مع 53 دولة أفريقية. كما تقود نقاشات جدية مع دول منظمة شنغهاي لتشكيل نظام مدفوعات رقمي موحّد يتجاوز الدولار. 

إلا أنّ أقوى ردّ صيني كان تشديد الصين قبضتها على المعادن، حيث فرضت قواعد صارمة على تصدير عناصر حيوية تدخل في صناعة الرقائق وبطاريات السيارات الكهربائية، وربما كان هذا الإجراء الصيني هو السبب في سعي الهند للتعجيل بتوقيع مذكّرة التفاهم مع البرازيل. لكن حتى على مستوى مذكّرة التفاهم فإنّ الصين تدرك أنّ الحصول على الخام من الأتربة النادرة من البرازيل لا يغني عن الحصول على تكنولوجيا المعالجة والتي تسيطر الصين على 90% منها. ما يعني أنه حتى لو اشترت الهند الخام البرازيلي فإنها ستظلّ بحاجة لتكنولوجيا المعالجة الصينية، أي أنّ احتياجاتها من المعادن النادرة ستظلّ تمرّ من البوابة الصينية.

لماذا يؤدّي التراجع الأميركي أمام إيران مهما كان إلى فشل هذه الاتفاقيات؟

إنّ التراجع الأميركي عن مواجهة إيران أو تعرّض الأميركيين لخسائر غير محتملة في هذه المواجهة، يعني بوضوح عدم قدرتهم على حماية الممرات التجارية وتوفير سيولة سلاسل التوريد، وهو أوّل مهام القوة العظمى، مما يفرغ كلّ هذه الاتفاقيات التجارية والأمنية من مضمونها ويجعلها بلا قيمة، خاصة أنها قامت بناء على ضمانات أمنية أميركية بهذا الخصوص، وفي المقابل أصبحت هذه الممرات تحت رحمة دولة حليفة للصين وهي إيران، وثمّة تداعيات أسوأ تتعلّق بسقوط الهيبة الأميركية في مواجهة الصين التي ربما تبادر بغزو تايوان أو استعادتها بأيّ صيغة.

أما الكيان الصهيوني فهو سيعاني من كارثة حقيقية إذا استمرّ النظام الإسلامي في إيران. يراهن بنيامين نتنياهو على ضربة أميركية تؤدّي لإسقاط النظام الإيراني، ويعتمد على اللوبي الصهيوني للضغط على الرئيس الأميركي، والأخير بدوره يسعى لتجنّب هذه المواجهة عبر إرهاب النظام الإيراني بحشود عسكرية غير مسبوقة لكن لا يبدو أنه نجح في هذا الشأن، والآن لا يملك الرئيس الأميركي سوى خيارين: إما توقيع اتفاق مع إيران بشروطها والتراجع عن الصدام، مما يسقط هيبته وهيبة الكيان الصهيوني وتطلّعاته للتحوّل إلى مركز استقطاب رأسمالي وعقدة لوجيستية على الممر الهندي ـــــ الأوروبي.

وإما الدخول في الحرب وهنا يخاطر بمصير أميركا كقوة عظمى سيتمّ استنزافها تماماً وإيقاف مشروعاتها لإعادة تركّز الصناعة على أراضيها، ومصير بقاء الكيان الصهيوني ذاته. ويبدو أنّ أحلا الخيارين مرّ.