تنافس إقليمي على النفوذ في القرن الأفريقي.. ماذا يجري؟

من شأن المشروع التركي أن يعزز التنافس بين القوى الإقليمية والدولية في منطقة القرن الأفريقي الذي ينزلق تدريجياً ليتحول إلى ساحة مواجهة رئيسية بين هذه القوى. 

  • من شأن المشروع التركي أن يعزز التنافس بين القوى في منطقة القرن الأفريقي.
    من شأن المشروع التركي أن يعزز التنافس بين القوى في منطقة القرن الأفريقي.

أعلنت تركيا عن شروعها في بناء أول موقع لإطلاق الأقمار الاصطناعية والصواريخ على الساحل الصومالي في تطور جيوسياسي جذري من شأنه أن يسعّر التنافس على النفوذ في منطقة القرن الأفريقي. 

ويمثل المشروع التركي تطورًا نوعيًا لجهة تعزيز الحضور التركي في القرن الأفريقي، وينقله من مستوى الحضور العسكري والاقتصادي إلى مستوى الهيمنة التكنولوجية، ليتكامل بالتالي النفوذ الجيوسياسي التركي في منطقة ذات أهمية كبرى لجهة إطلالتها على البحر الأحمر من جهة وباب المندب والمحيط الهندي من جهة أخرى.

فهذا المشروع، الذي يقدم على أنه مشروع تكنولوجي، لا يمكن فصله عن التنافس الإقليمي والدولي المحتدم في المنطقة بين قوى إقليمية وعلى رأسها الإمارات العربية المتحدة و "إسرائيل" من جهة، وتركيا والمملكة العربية السعودية من جهة أخرى، فيما تقف مصر موقف المراقب لعملية تنافس تطال منطقة حساسة بالنسبة إلى أمنها القومي، وهي منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي. كذلك فإن التنافس بين القوى الإقليمية يشكل امتداداً للتنافس الدولي بين القوى الأطلسية وعلى رأسها الولايات المتحدة وفرنسا من جهة والصين وروسيا من جهة أخرى. 

ويحتل القرن الأفريقي موقعًا فريدًا عند تقاطع البحر الأحمر والمحيط الهندي، ويشرف مباشرة على مضيق باب المندب الذي يُعدّ أحد أهم شرايين التجارة والطاقة العالمية. وخلال العقدين الأخيرين، اكتسبت هذه المنطقة أهمية كبيرة على الصعيد الجيوسياسي في ظل صراع على النفوذ بين القوى الإقليمية والدولية الآنفة الذكر، اتخذ أبعاداً متعددة من ضمنها السعي الحثيث لهذه الدول لإقامة قواعد عسكرية في بلدان المنطقة، إضافة إلى التنافس على الاستثمار في موانئ هذه البلدان وبناها التحتية، عدا عن التنافس لعقد اتفاقات أمنية وعسكرية مع بلدان المنطقة في ظل حروب بالوكالة تُدار من قبل بعض القوى الإقليمية والدولية التي ذكرناها. 

الحضور التركي في المنطقة 

بدأ الحضور التركي في منطقة القرن الأفريقي، وتحديداً في الصومال، يتصاعد بعد العام 2011 عقب زيارة الرئيس التركي رجب طيب إردوغان للصومال، التي كانت تعاني أزمة مجاعة خانقة، ما فتح المجال أمام تركيا لتقدم نفسها كمخلّص للصومال، في ظل انكفاء الدول العربية وخصوصاً مصر والمملكة العربية السعودية عن تقديم العون لبلد هو عضو في جامعة الدول العربية ويشكل أهمية خاصة بالنسبة إلى الأمن القومي المصري في الدرجة الأولى والسعودي في الدرجة الثانية. 

وقد أدت زيارة إردوغان إلى وضع أسس توسع النفوذ التركي في القرن الأفريقي، انطلاقاً من الصومال وذلك عبر تقديم المساعدات الإنسانية والاستثمار في البنى التحتية والتجارية، عدا عن توقيع اتفاقات امنية وإرسال المستشارين العسكريين بذريعة تقديم المشورة الأمنية. بعد ذلك تقدمت تركيا بمشاريع لإعادة تأهيل مطار مقديشو وموانئ الصومال المطلّة على المحيط الهندي، تلت ذلك إقامتها لقاعدة عسكرية في البلاد، بما عكس عزماً تركياً على اعتماد استراتيجية تقوم على القوة الناعمة المدعمة بالأمن، لتضمن تموضعها في هذه المنطقة الاستراتيجية على المدى الطويل. من هنا، فإن إقامة موقع إطلاق الأقمار الاصطناعية تأتي تتويجاً لهذه الاستراتيجية المتكاملة العناصر. 

والجدير ذكره أن اختيار تركيا للصومال ليكون منطلقاً لنفوذهاً في القرن الأفريقي، جاء بناءً على عدة عوامل اعتبرت أنقرة أنها مناسبة لها، ومن ضمنها حالة الضعف التي تعانيها الدولة المركزية في الصومال نتيجة الحرب الأهلية طويلة الأمد التي اندلعت منذ أوائل التسعينيات من القرن الماضي، والتي أدت الى تفكك الدولة وتعزيز الحركات الانفصالية فيها خصوصاً في منطقة أرض الصومال، بما يسهّل تغلغل النفوذ التركي من دون رقابة من الحكومة المركزية. كذلك، فقد استفادت تركيا من انكفاء النفوذ المصري التقليدي في منطقة القرن الأفريقي خصوصاً بعد إطاحة الرئيس المصري حسني مبارك.

إضافة الى ذلك، فإن تركيا التي تجد نفسها محاصرة في شرق المتوسط بنتيجة النفوذ الأوروبي والإسرائيلي المتصاعد في تلك المنطقة، وجدت في الصومال منطلقاً لإدارة استراتيجية توسيع للنفوذ في منطقة يمكن أن توفر لها هامش مناورة أوسع. 

وترى أنقرة في المنشأة الفضائية العتيدة فرصة لتعزيز حضورها العسكري. فرغم الخطاب التركي الذي يركّز على عدم ارتباط التكنولوجيا الفضائية بأي بعد جيوسياسي، إلا أن المنشأة بطبيعتها تحمل طابع الاستخدام المزدوج المدني والعسكري. فالبنية نفسها التي تُستخدم لإطلاق أقمار اتصالات أو ملاحة يمكن تكييفها لاختبار إطلاق صواريخ بالستية متوسطة المدى، واختبار تقنيات توجيه متقدمة، إضافة إلى اختبار منصات ملاحة عسكرية مستقلة عن نظام "جي بي اس" الأميركي. هذا يفسر القلق الأميركي وهاجس واشنطن الذي يدفعها إلى مراقبة أعمال البناء التي تقوم بها تركيا في المنشأة، إضافة إلى الرقابة المكثفة التي تقوم بها كل من فرنسا والصين المهتمتين أيضاً بتعزيز حضورهما في منطقة القرن الأفريقي. 

القلق الإماراتي والإسرائيلي 

إعلان تركيا لمشروعها بإقامة القاعدة الفضائية في الصومال اثار قلق "إسرائيل" التي تضررت علاقاتها بأنقرة خلال العامين المنصرمين بنتيجة عدة عوامل من ضمنها العدوان الإسرائيلي على غزة والتنافس على النفوذ بينهما على سوريا. وما يزيد من قلق "إسرائيل" هو تنامي القدرات الصاروخية التركية، خصوصاً أن انقرة تعد قوة صاروخية صاعدة عبر شركاتها وخصوصاً شركتي "روكيتسان" و"بايكار"، وهي قد تجد في الصومال مجالًا مفتوحًا لتجاوز العقبات الجغرافية والسياسية المفروضة عليها في الأناضول وشرق المتوسط. 

وينظر الكيان الصهيوني الى البحر الأحمر والقرن الأفريقي على أنهما جزء لا يتجزأ من أمن الكيان، إذ إن إغلاق باب المندب أو عسكرة السواحل المقابلة لإيلات يشكلان تهديدًا استراتيجيًا بالغ الحساسية بالنسبة إلى ملاحة الصهاينة مع المحيط الهندي. من هذا المنطلق، فإن وجود منشأة فضائية تركية في الصومال يثير قلقًا إسرائيليًا لعدة أسباب أولها التدهور النسبي في العلاقات بين أنقرة و "تل أبيب" بنتيجة العدوان الصهيوني على غزة من جهة والتنافس على النفوذ في سوريا من جهة أخرى. ويرى الكيان الصهيوني أن تطوير تركيا لقدراتها الفضائية والصاروخية خارج نطاق الرقابة الأطلسية يحد من قدرة تل أبيب على الردع الاستباقي. 

إلا أن "إسرائيل" لا تستطيع تأمين حضور مباشر في منطقة القرن الأفريقي، أهمها المعارضة التي يواجهها حضور كهذا  من قبل شعوب ودول المنطقة، تقوم بالاستعانة بالإمارات العربية المتحدة لتعزيز حضورها بالوكالة في هذه المنطقة، كما تسعى لاحتواء الحضور التركي في القرن الأفريقي.

والجدير ذكره أن الإمارات العربية المتحدة تحولت إلى لاعب جيوسياسي رئيسي في منطقة القرن الأفريقي خلال العقد الماضي عبر إدارتها وتشغيلها لعدد من موانئ المنطقة عبر شركة موانئ دبي العالمية، إضافة إلى إقامتها لشراكات أمنية مع أريتريا وإقليم أرض الصومال الذي يطالب بالاستقلال عن مقديشو. والجدير ذكره ان أبو ظبي ترتبط باتفاقات امنية وثيقة مع كل من "إسرائيل" والولايات المتحدة الأميركية في اطار اتفاقية "أي تو يو تو" التي تضمّ أيضا الهند. 

لذلك فإن الإمارات تنظر إلى تمدد النفوذ التركي في الصومال على أنه يشكل اختراقًا مباشرًا لأحد المجالات الحيوية الإماراتية. ويعد التنافس بين أبو ظبي وأنقرة تنافساً بنيوياً، إذ إنه فيما تعتمد الإمارات على استراتيجية القوة التجارية – الأمنية، فإن تركيا تعتمد على تعزيز حضورها عبر القوة العسكرية والتكنولوجيا المدعمة بخطاب أيديولوجي إسلامي مستند إلى إرث الدولة العثمانية، علماً أن التوتر يشوب علاقات البلدين. 

الموقف المصري والسعودي 

فيما يستعر التنافس التركي – الإماراتي – الإسرائيلي على النفوذ في القرن الأفريقي، فإن مصر تنظر بعين القلق الى تمدد قوى تعتبر جميعها منافساً لها في منطقة تعتبر امتداداً لأمنها القومي. ففيما تعتبر مصر أن تمدد النفوذ الإماراتي والإسرائيلي يشكّل خطراً على امنها القومي، في ظل التوتر في العلاقات بين القاهرة والكيان نتيجة عدوان الأخير على غزة ومحاولته تهجير الشعب الفلسطيني إلى سيناء وإقامة وطن بديل لهم على أرض مصرية، فإن القاهرة لا تنظر بعين الارتياح أيضاً إلى تمدد النفوذ التركي في منطقة القرن الافريقي.

فبالنسبة إلى القاهرة، فإن أنقرة تعتبر تاريخياً امتداداً للدولة العثمانية التي احتلت مصر لمدة ثلاثة قرون وهمّشت دورها الإقليمي. وفي الزمن المعاصر، لطالما نظرت مصر إلى تركيا على أنها منافس جيوسياسي لها في سوريا وشرق المتوسط. لذا فإن تمدد النفوذ التركي في منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي يشكل، بطريقة غير مباشرة، عملية تطويق لمصر من الجنوب في منطقة شكلت تاريخياً جزءا لا يتجزأ من الأمن القومي المصري. 

وتكمن أهمية هذه المنطقة في الدور الذي يلعبه باب المندب في وصل الملاحة المصرية بين قناة السويس من جهة والمحيط الهندي من جهة أخرى. كذلك فإن البحر الأحمر يعتبر ذا أهمية خاصة بالنسبة إلى مصر التي تعتبره مجالاً حيوياً لها.

ورغم تحسن العلاقات المصرية–التركية نسبيًا في الآونة الأخيرة، إلا أن القاهرة قلقة من علاقة أنقرة العضوية بتنظيم الإخوان المسلمين العالمي الذي يشكل تهديداً لنظام الحكم في مصر، عدا عن حضور إسلاميين مرتبطين بأنقرة في ليبيا والسودان وسوريا، ما يجعل القاهرة تشعر بأنها مطوقة بدوائر نفوذ تركي في المناطق التي تعتبر امتداداً لأمنها القومي. من هنا فإن إقامة تركيا لمنشأة فضائية قرب الممرات الحيوية المصرية وتزايد النفوذ العسكري التركي في الصومال وعلاقة تركيا مع أطراف معادين لمصر في ليبيا والقرن الأفريقي تجعل القاهرة تشعر بتهديد كبير لأمنها. 

أما بالنسبة إلى المملكة العربية السعودية فإنها لا تشعر بالحساسية التي تشعر بها مصر تجاه تمدد النفوذ التركي في الصومال. فالعلاقات التركية – السعودية شهدت تحسناً كبيراً في الآونة الأخيرة انعكس تعاوناً على احتواء النفوذ الإماراتي – الإسرائيلي في سوريا.

وترى الرياض في الحضور التركي في الصومال موازنة للحضور الإماراتي المتزايد، علماً أن العلاقات السعودية – الإماراتية ليست في أفضل حال، نتيجة شعور الرياض بأن أبو ظبي تحاول أن تلعب دوراً مستقلاً يهدد نفوذها في مناطق مهمة لها، وعلى رأسها منطقة الخليج، إضافة إلى منطقة باب المندب اللتين تشكلان الممرات الرئيسية لتصدير النفط السعودي إلى الأسواق العالمية. 

بنتيجة هذا التنافس الجيوسياسي فإن الصومال تجد نفسها أمام فرص من جهة وتحديات من جهة أخرى. فالمشروع التركي يفسح في المجال أمام تعزيز الاستثمارات الأجنبية في بلد يعتبر من الأفقر في العالم، إلا أن التنافس الجيوسياسي بين القوى الدولية والإقليمية قد يعزز حالة اللا استقرار في البلاد في ظل ضعف الدولة المركزية وعدم قدرتها على إدارة التوازنات بين القوى المختلفة بما يجنبها مخاطر التحول إلى ساحة للصراعات بالوكالة.

كذلك فإن من شأن المشروع التركي أن يعزز التنافس بين القوى الإقليمية والدولية في منطقة القرن الأفريقي الذي ينزلق تدريجياً ليتحول إلى ساحة مواجهة رئيسية بين هذه القوى.